ليبيا: مسارات التفكيك تتشعّب

لم يكن المتابعون المدركون لتفاصيل المشهد الليبي في حاجة لتصريحات أسامة الجويلي التي اعتبر فيها تسليم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مهامه لفتحي باشاغا المدخل الوحيد لتحقيق الاستقرار في ليبيا، للاستنتاج بأن مسارات التفكيك في ليبيا تشعبت وتقاطعت وتداخلت إلى مستويات يصعب معها الحديث عن توافق جدي في المدى المنظور.

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): لم يكن المتابعون المدركون لتفاصيل المشهد الليبي في حاجة لتصريحات أسامة الجويلي التي اعتبر فيها تسليم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مهامه لفتحي باشاغا المدخل الوحيد لتحقيق الاستقرار في ليبيا، للاستنتاج بأن مسارات التفكيك في ليبيا تشعبت وتقاطعت وتداخلت إلى مستويات يصعب معها الحديث عن توافق جدي في المدى المنظور.

لاشك أن انقسام المؤسسات التنفيذية والسيادية إثر إطلاق عملية "الكرامة"، سنة 2014، كان أول شرخ كبير يضرب البلاد بمؤسساتها ومكوناتها الاجتماعية، وأن كل ما تلاه من تشظيات كان من تحصيل الحاصل ونتيجة بديهية لهذا المسار.

 

 

لم يتوقف مسار التفكيك عند الحدود التي رسمها انقسام 2014، إذ لم تكن الحدود واضحة أصلا.. ففي المنطقة الشرقية ظلت درنة وأجزاء من بنغازي خارج السياق العام الذي طبع المنطقة حينها، فيما ظلت مجالات جغرافية واجتماعية كالزنتان وورشفانة خارج السياق السياسي والعسكري للمنطقة الغربية. أما الجنوب فقد ظل بين هذا وذاك يعاني إهمال الدولة المزمن عرضة لمخاطر وأطماع إقليمية تهز الكيان الليبي في سيادته وتركيبته الاجتماعية وتهدد بنزعه عن حاضنته الوطنية أصلا..

بلغ مسار التفكيك أوجه بحرب طرابلس التي انطلقت في أبريل 2019 وامتدت لأكثر من سنة وحصدت أرواح الآلاف من الطرفين ودمرت البنى التحتية واستنزفت المقدرات الاقتصادية والمعيشية وفتحت الباب على مصراعية للتدخل العسكري الأجنبي المباشر..

 

 

ورغم الأبعاد الإقليمية والسياسية والطموحات الشخصية السلطوية التي أشعلت نيران حرب طرابلس، فإن الخطاب الجهوي المحلي كان حاضرا بقوة.. من الأكيد أن الليبي لم يقتل الليبي، حينها، انطلاقا من انتمائه الجهوي أو القبلي غير أن آلة الشحن الإعلامي أفلحت، بمستوى عال، في توظيف الخطاب الجهوي وروح الكراهية والاستئصال لتعبئة المكونات الاجتماعية لخدمة مشاريع أكبر منها وأكبر من ليبيا أصلا..

 

 

لم يقدم التوافق الناتج عن مخرجات مؤتمر الحوار السياسي الليبي في جنيف منجزات حقيقية في جسر الهوة بين المكونات الاجتماعية والجهوية والسياسية والعسكرية، إذ رغم تشكيل مجلس رئاسي وحكومتين جديدين يمثلان، من حيث المبدإ، كل مناطق ليبيا، ورغم الخطوات الشكلية التي تحققت في مجال توحيد المؤسسات السيادية؛ وعلى رأسها المصرف المركزي، فقد ظل مسار التفكيك قائما. ولعل حال المؤسسة العسكرية والأمنية خير مثال..

شهد مسار التفكيك نقلة نوعية بمنح الثقة لحكومة فتحي باشاغا ورفض الدبيبة الاعتراف بذلك. وفي ظل غياب أي مشاورات أو توافقات حول هذه الخطوة تحولت الحكومة الجديدة إلى قادح آخر للانقسام أضيف إلى ما سبقه من عوامل متراكمة.. وبدل توحيد البلاد حول مؤسسة تنفيذية واحدة تشعبت مسارات التفكيك أكثر لتنتقل إلى تفكيك داخلي للمنطقة الغربية..

ويصبح المشهد أكثر سوريالية حين يرى المتابع أربع مؤسسات حكم، على الأقل، تتنازع الشرعية والنفوذ في البلاد، وكل ترى نفسها الأحق في تولي زمام الأمور.. فحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ترى نفسها الحكومة الشرعية التي منحت ثقة الداخل والخارج، وحكومة باشاغا التي مازالت حبيسة مكاتبها في سرت رغم ثقة مجلس النواب، ترى نفسها، هي الأخرى، الشرعية الوحيدة.. وخليفة حفتر يرى أنه صاحب السلطة الحقيقية في المنطقة الشرقية، على الأقل، وأن ما تحت إمرته من العتاد والرجال يؤهله لمواقع أهم من "القيادة العامة".. وبين هؤلاء جميعا، يحاول رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لعب دور جامع والتحرك بحذر في مشهد ملغوم..

 

 

قد يكون الإغراق في التفاصيل أحد الأدوات المنهجية لصرف النظر عن القضايا الكبرى وتهميشها، لكنه، في المشهد الليبي، ضرورة مؤكدة لإدراك تعقد مسارات التفكيك، ولعدم استسهال صرف المسكنات التي جربت ولم يدم مفعولها طويلا.. ولعل اتفاقي الصخيرات وجنيف خير مثال..



تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): لم يكن المتابعون المدركون لتفاصيل المشهد الليبي في حاجة لتصريحات أسامة الجويلي التي اعتبر فيها تسليم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مهامه لفتحي باشاغا المدخل الوحيد لتحقيق الاستقرار في ليبيا، للاستنتاج بأن مسارات التفكيك في ليبيا تشعبت وتقاطعت وتداخلت إلى مستويات يصعب معها الحديث عن توافق جدي في المدى المنظور.

لاشك أن انقسام المؤسسات التنفيذية والسيادية إثر إطلاق عملية "الكرامة"، سنة 2014، كان أول شرخ كبير يضرب البلاد بمؤسساتها ومكوناتها الاجتماعية، وأن كل ما تلاه من تشظيات كان من تحصيل الحاصل ونتيجة بديهية لهذا المسار.

 

 

لم يتوقف مسار التفكيك عند الحدود التي رسمها انقسام 2014، إذ لم تكن الحدود واضحة أصلا.. ففي المنطقة الشرقية ظلت درنة وأجزاء من بنغازي خارج السياق العام الذي طبع المنطقة حينها، فيما ظلت مجالات جغرافية واجتماعية كالزنتان وورشفانة خارج السياق السياسي والعسكري للمنطقة الغربية. أما الجنوب فقد ظل بين هذا وذاك يعاني إهمال الدولة المزمن عرضة لمخاطر وأطماع إقليمية تهز الكيان الليبي في سيادته وتركيبته الاجتماعية وتهدد بنزعه عن حاضنته الوطنية أصلا..

بلغ مسار التفكيك أوجه بحرب طرابلس التي انطلقت في أبريل 2019 وامتدت لأكثر من سنة وحصدت أرواح الآلاف من الطرفين ودمرت البنى التحتية واستنزفت المقدرات الاقتصادية والمعيشية وفتحت الباب على مصراعية للتدخل العسكري الأجنبي المباشر..

 

 

ورغم الأبعاد الإقليمية والسياسية والطموحات الشخصية السلطوية التي أشعلت نيران حرب طرابلس، فإن الخطاب الجهوي المحلي كان حاضرا بقوة.. من الأكيد أن الليبي لم يقتل الليبي، حينها، انطلاقا من انتمائه الجهوي أو القبلي غير أن آلة الشحن الإعلامي أفلحت، بمستوى عال، في توظيف الخطاب الجهوي وروح الكراهية والاستئصال لتعبئة المكونات الاجتماعية لخدمة مشاريع أكبر منها وأكبر من ليبيا أصلا..

 

 

لم يقدم التوافق الناتج عن مخرجات مؤتمر الحوار السياسي الليبي في جنيف منجزات حقيقية في جسر الهوة بين المكونات الاجتماعية والجهوية والسياسية والعسكرية، إذ رغم تشكيل مجلس رئاسي وحكومتين جديدين يمثلان، من حيث المبدإ، كل مناطق ليبيا، ورغم الخطوات الشكلية التي تحققت في مجال توحيد المؤسسات السيادية؛ وعلى رأسها المصرف المركزي، فقد ظل مسار التفكيك قائما. ولعل حال المؤسسة العسكرية والأمنية خير مثال..

شهد مسار التفكيك نقلة نوعية بمنح الثقة لحكومة فتحي باشاغا ورفض الدبيبة الاعتراف بذلك. وفي ظل غياب أي مشاورات أو توافقات حول هذه الخطوة تحولت الحكومة الجديدة إلى قادح آخر للانقسام أضيف إلى ما سبقه من عوامل متراكمة.. وبدل توحيد البلاد حول مؤسسة تنفيذية واحدة تشعبت مسارات التفكيك أكثر لتنتقل إلى تفكيك داخلي للمنطقة الغربية..

ويصبح المشهد أكثر سوريالية حين يرى المتابع أربع مؤسسات حكم، على الأقل، تتنازع الشرعية والنفوذ في البلاد، وكل ترى نفسها الأحق في تولي زمام الأمور.. فحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ترى نفسها الحكومة الشرعية التي منحت ثقة الداخل والخارج، وحكومة باشاغا التي مازالت حبيسة مكاتبها في سرت رغم ثقة مجلس النواب، ترى نفسها، هي الأخرى، الشرعية الوحيدة.. وخليفة حفتر يرى أنه صاحب السلطة الحقيقية في المنطقة الشرقية، على الأقل، وأن ما تحت إمرته من العتاد والرجال يؤهله لمواقع أهم من "القيادة العامة".. وبين هؤلاء جميعا، يحاول رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لعب دور جامع والتحرك بحذر في مشهد ملغوم..

 

 

قد يكون الإغراق في التفاصيل أحد الأدوات المنهجية لصرف النظر عن القضايا الكبرى وتهميشها، لكنه، في المشهد الليبي، ضرورة مؤكدة لإدراك تعقد مسارات التفكيك، ولعدم استسهال صرف المسكنات التي جربت ولم يدم مفعولها طويلا.. ولعل اتفاقي الصخيرات وجنيف خير مثال..