التربية والتعليم.. ليبيا خارج التصنيف، والملف على الرفّ

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): لا يستقيم الحديث عن أي مشروع تحديثي في ليبيا أو في غيرها من الدول دون تقييم جاد وعلمي للمنظومة التعليمية من حيث مضامينها المعرفية وغائياتها وأهدافها وبناها التحتية ومواردها البشرية.. ورغم أن عملية التقييم في ليبيا هي واجب وفريضة على القائمين على قطاع التربية والتعليم وجميع الأطراف المتدخلة فيه من حكومات وسلطة إشراف وهياكل إدارية وتسييرية ومدرسين وباحثين وأولياء أمور ومجتمع مدني؛ بمعنى هي مهمة الدولة والمجتمع بأسره، فإن التصنيفات التي تنشرها الجهات الخارجية المختصة تمثل قاعدة انطلاق مهمة للحديث الجاد حول هذا الملف الاستراتيجي الحارق.

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): لا يستقيم الحديث عن أي مشروع تحديثي في ليبيا أو في غيرها من الدول دون تقييم جاد وعلمي للمنظومة التعليمية من حيث مضامينها المعرفية وغائياتها وأهدافها وبناها التحتية ومواردها البشرية.. ورغم أن عملية التقييم في ليبيا هي واجب وفريضة على القائمين على قطاع التربية والتعليم وجميع الأطراف المتدخلة فيه من حكومات وسلطة إشراف وهياكل إدارية وتسييرية ومدرسين وباحثين وأولياء أمور ومجتمع مدني؛ بمعنى هي مهمة الدولة والمجتمع بأسره، فإن التصنيفات التي تنشرها الجهات الخارجية المختصة تمثل قاعدة انطلاق مهمة للحديث الجاد حول هذا الملف الاستراتيجي الحارق.

تقتضي الموضوعية الإقرار بأن نشر التعليم كان من أولويات دولة الاستقلال التي ورثت مجتمعا يمثل فيه الأميون 97%، وتقترب فيه النسبة من 100% بالنسبة للنساء. وتظهر الإحصائيات أن العقدين الأول والثاني من عمر دولة الاستقلال شهدا انتشارا أفقيا وعموديا للتمدرس من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، وأن أعداد الطلاب، من الجنسين، تضاعفت مرات ومرات..

 

 

كما تقتضي الموضوعية الإقرار، أيضا، بأن أعداد الطلاب والمدرسين والمدارس والجامعات تواصلت في الارتفاع بعد 1969، وأن المدرسة والجامعة أصبحت خدمة متاحة في أغلب مناطق ليبيا..

لكن.. والإشكال، غالبا، ما يكمن في الـ"لكن" في المنظومات التي تعمل على اللعب على الأرقام وعلى تجميل الواجهات وعلى الخطاب المخادع الذي يتغاضى عن المضامين وعن عقد المقارنات وتقييم المخرجات..

 

 

بقدر ما كانت تجربة دولة الاستقلال في نشر التعليم تجربة جادة، رغم المآخذ الكثيرة التي تحيط بها، فإن تحويل العملية التعليمية التربوية إلى محمل إيديولوجي أمني لتسويق توجهات المنظومة السياسية الحاكمة، خاصة بعد إعلان الثورة الثقافية سنة 1973، أدى إلى نتائج مازالت ماثلة إلى يوم الناس هذا..

لاشك أن العملية التعليمية التربوية هي عملية هادفة وليست مجرد عملية تقنية محايدة، وأن المناهج والمعارف والطرائق هي أدوات لخلق نمط مجتمعي وإحداث التغيير في التمثلات والبنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وفي العقليات والأفكار، غير أن ذلك لا يعني، أبدا، تحويل المدارس إلى معسكرات ولا تجنيد الطلاب والمدرسين والإدارة للقيام بأدوار أمنية وبوليسية واستخبارية، ولا تعبئة مكونات الأسرة المدرسية لتقوم بأدوار "الهتّيفة" ورفع شعارات الولاء وتحبير مدونات المبايعة، ولا تحويل ساحات العلم إلى ميادين لشنق الخصوم والتنكيل بجثثهم..

 

 

في سياق "الهيصة" التي اجتاحت البلاد، وفي غياب الأفكار الهادئة والتعاطي العلمي العقلاني مع الاستحقاقات الحقيقية واستشراف مستقبل الأجيال، يصبح من الطبيعي أن تحرق كتب الفلسفة والآداب والفنون وآلات الموسيقى وأن يستبعد كل ما يحرك العقل ويهذب الذوق، وأن تصبح مادة "الفكر الجماهيري" مادة قارة يمتحن فيها الطالب في كل مراحل التعليم وتقام لها الندوات والمحاضرات والمؤتمرات، وأن تتفوق على الرياضيات والفيزياء والتاريخ والنقد الأدبي واللغات، وأن يكرس المعلم والمتعلم وقته الثمين للدجاجة التي تبيض والدينار الذي لا يبيض وللمرأة التي تحيض والرجل الذي لا يحيض..

بعد طي مرحلة، عوّل الكثير من المتابعين والمهتمين على التأسيس الثاني عقب الثورة لتحويل البلاد إلى ورشة عمل مفتوحة في كل المجالات، وفي مقدمتها التربية والتعليم، غير أن قصور النخب عن التوافق على مشروع وطني تحديثي جامع يقطع من الماضي ويفتح آفاقا جديدة، وتشظي المؤسسات وتهتك الهيئة الاجتماعية، واختناق المشهد الاقتصادي والمعيشي والخدمي، أدت إلى وضع هذا الملف الحساس على الرف، لتتواصل سياسات الارتجال والإرجاء..

 

 

وعليه، ليس مستغربا أن ترتب المؤسسات الدولية ذات العلاقة؛ على غرار مؤشر دافوس، المنظومة التعليمية الليبية خارج التصنيف.. وهو تصنيف لا يشمل ليبيا، فحسب، بل يشمل معها دولا عربية أخرى.. فالجميع في الهمّ شرق..

بانتظار استفاقة تتدارك ما يمكن تداركه، لا يكمن الخلل في غياب الكفاءات، فالكفاءات الليبية تؤثث جامعات ومراكز علمية ودراسية مرموقة في العالم وتبدع وتنال الجوائز القيمة، ولا في شحّ الأموال، فالخيرات التي تنعم بها ليبيا لا تتوفر لكثير من البلدان التي أصلحت تعليمها وصنعت نهضتها.. المشكل، باختصار، في الإرادة؛ إرادة التغيير في الدولة والمجتمع، وفي ترتيب الأولويات، وفي التوافق على مشروع وطني تحديثي، وفي إنتاج الأفكار، وفي الوعي بالهوة السحيقة التي تنتظر الأجيال القادمة في حال تواصل الخلل على ما هو عليه..



تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): لا يستقيم الحديث عن أي مشروع تحديثي في ليبيا أو في غيرها من الدول دون تقييم جاد وعلمي للمنظومة التعليمية من حيث مضامينها المعرفية وغائياتها وأهدافها وبناها التحتية ومواردها البشرية.. ورغم أن عملية التقييم في ليبيا هي واجب وفريضة على القائمين على قطاع التربية والتعليم وجميع الأطراف المتدخلة فيه من حكومات وسلطة إشراف وهياكل إدارية وتسييرية ومدرسين وباحثين وأولياء أمور ومجتمع مدني؛ بمعنى هي مهمة الدولة والمجتمع بأسره، فإن التصنيفات التي تنشرها الجهات الخارجية المختصة تمثل قاعدة انطلاق مهمة للحديث الجاد حول هذا الملف الاستراتيجي الحارق.

تقتضي الموضوعية الإقرار بأن نشر التعليم كان من أولويات دولة الاستقلال التي ورثت مجتمعا يمثل فيه الأميون 97%، وتقترب فيه النسبة من 100% بالنسبة للنساء. وتظهر الإحصائيات أن العقدين الأول والثاني من عمر دولة الاستقلال شهدا انتشارا أفقيا وعموديا للتمدرس من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، وأن أعداد الطلاب، من الجنسين، تضاعفت مرات ومرات..

 

 

كما تقتضي الموضوعية الإقرار، أيضا، بأن أعداد الطلاب والمدرسين والمدارس والجامعات تواصلت في الارتفاع بعد 1969، وأن المدرسة والجامعة أصبحت خدمة متاحة في أغلب مناطق ليبيا..

لكن.. والإشكال، غالبا، ما يكمن في الـ"لكن" في المنظومات التي تعمل على اللعب على الأرقام وعلى تجميل الواجهات وعلى الخطاب المخادع الذي يتغاضى عن المضامين وعن عقد المقارنات وتقييم المخرجات..

 

 

بقدر ما كانت تجربة دولة الاستقلال في نشر التعليم تجربة جادة، رغم المآخذ الكثيرة التي تحيط بها، فإن تحويل العملية التعليمية التربوية إلى محمل إيديولوجي أمني لتسويق توجهات المنظومة السياسية الحاكمة، خاصة بعد إعلان الثورة الثقافية سنة 1973، أدى إلى نتائج مازالت ماثلة إلى يوم الناس هذا..

لاشك أن العملية التعليمية التربوية هي عملية هادفة وليست مجرد عملية تقنية محايدة، وأن المناهج والمعارف والطرائق هي أدوات لخلق نمط مجتمعي وإحداث التغيير في التمثلات والبنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وفي العقليات والأفكار، غير أن ذلك لا يعني، أبدا، تحويل المدارس إلى معسكرات ولا تجنيد الطلاب والمدرسين والإدارة للقيام بأدوار أمنية وبوليسية واستخبارية، ولا تعبئة مكونات الأسرة المدرسية لتقوم بأدوار "الهتّيفة" ورفع شعارات الولاء وتحبير مدونات المبايعة، ولا تحويل ساحات العلم إلى ميادين لشنق الخصوم والتنكيل بجثثهم..

 

 

في سياق "الهيصة" التي اجتاحت البلاد، وفي غياب الأفكار الهادئة والتعاطي العلمي العقلاني مع الاستحقاقات الحقيقية واستشراف مستقبل الأجيال، يصبح من الطبيعي أن تحرق كتب الفلسفة والآداب والفنون وآلات الموسيقى وأن يستبعد كل ما يحرك العقل ويهذب الذوق، وأن تصبح مادة "الفكر الجماهيري" مادة قارة يمتحن فيها الطالب في كل مراحل التعليم وتقام لها الندوات والمحاضرات والمؤتمرات، وأن تتفوق على الرياضيات والفيزياء والتاريخ والنقد الأدبي واللغات، وأن يكرس المعلم والمتعلم وقته الثمين للدجاجة التي تبيض والدينار الذي لا يبيض وللمرأة التي تحيض والرجل الذي لا يحيض..

بعد طي مرحلة، عوّل الكثير من المتابعين والمهتمين على التأسيس الثاني عقب الثورة لتحويل البلاد إلى ورشة عمل مفتوحة في كل المجالات، وفي مقدمتها التربية والتعليم، غير أن قصور النخب عن التوافق على مشروع وطني تحديثي جامع يقطع من الماضي ويفتح آفاقا جديدة، وتشظي المؤسسات وتهتك الهيئة الاجتماعية، واختناق المشهد الاقتصادي والمعيشي والخدمي، أدت إلى وضع هذا الملف الحساس على الرف، لتتواصل سياسات الارتجال والإرجاء..

 

 

وعليه، ليس مستغربا أن ترتب المؤسسات الدولية ذات العلاقة؛ على غرار مؤشر دافوس، المنظومة التعليمية الليبية خارج التصنيف.. وهو تصنيف لا يشمل ليبيا، فحسب، بل يشمل معها دولا عربية أخرى.. فالجميع في الهمّ شرق..

بانتظار استفاقة تتدارك ما يمكن تداركه، لا يكمن الخلل في غياب الكفاءات، فالكفاءات الليبية تؤثث جامعات ومراكز علمية ودراسية مرموقة في العالم وتبدع وتنال الجوائز القيمة، ولا في شحّ الأموال، فالخيرات التي تنعم بها ليبيا لا تتوفر لكثير من البلدان التي أصلحت تعليمها وصنعت نهضتها.. المشكل، باختصار، في الإرادة؛ إرادة التغيير في الدولة والمجتمع، وفي ترتيب الأولويات، وفي التوافق على مشروع وطني تحديثي، وفي إنتاج الأفكار، وفي الوعي بالهوة السحيقة التي تنتظر الأجيال القادمة في حال تواصل الخلل على ما هو عليه..