المفارقة العجيبة في ليبيا: عدد سكان قليل.. بلد شاسع.. غذاء مستورد

الموضوعية تقتضي القول أيضا أن الجغرافيا الليبية قادرة على إطعام السبعة ملايين ليبي وتصدير ما فاض إلى الخارج لكسر الصورة النمطية عن البلاد التي لا تصدر سوى النفط لأنها لا تنتج سواه.

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): أعادت الحرب الروسية على أوكرانيا الحديث عن ندرة الغذاء وارتفاع أسعاره في العالم وعجز عديد الدول عن إنتاج ما يستهلكه سكانها؛ ما يهدد بانتشار النزاعات والتوترات والمجاعات في أكثر من بلاد.

في خضم ذلك، يبدو العالم العربي من أكثر المناطق المهددة في أمنها الغذائي. ورغم الثروات الطائلة التي حبتهم بها الطبيعة والأراضي الخصبة التي تشكل جزءا مهما من جغرافيتهم، يبدو العرب أبعد ما يكونون عن تحقيق القدر الأدنى من الاكتفاء الذاتي في المواد التموينية الرئيسية. فمصر؛ هبة النيل، تحتل، منذ سنوات طويلة صدارة الدول المستوردة للقمح على مستوى العالم. والعراق الذي تشقه الأنهار وتمتد فيه الأراضي الخصبة لا يكاد ينتج شيئا. والسودان القادر، نظريا، على إطعام إقليم بأكمله يعيش مجاعة غير معلنة. والجزائر والمغرب وتونس كلها تتخبط في عجزها الغذائي رغم خيرات السماء والأرض.

لم تكن ليبيا استثناء في سياقها العربي، غير أن العجز الغذائي الفادح في ليبيا يحيل إلى مفارقة خاصة قد لا تشبه الأمر في الخليج ولا في مصر وتونس والسودان. فليبيا بلد شاسع جدا تمتد مساحته على مليون وثلاثة أرباع المليون من الكيلومترات المربعة، وتتقاطع فيه مناخات متعددة، وتتنوع مشاهده التضاريسية. وفي الآن ذاته يمثل العدد المحدود من سكان هذه البلاد؛ الذي لا يتجاوز في أقصى الأحوال سبعة ملايين، جزءا آخر من المفارقة.

 

 

لا تقف المفارقة عند المساحة الجغرافية الكبيرة مقابل العدد المحدود من الساكنة، بل تتعداها إلى الثروات الطائلة التي تزخر بها هذه البلاد؛ فوق الأرض وتحتها.

يعد النفط، الذي ظل يتدفق منذ مطلع الستينات، أهم مورد مالي للدولة، ويمثل ما يقارب المائة بالمائة من صادراتها، ويعتمد عليه، بشكل شبه كامل، في توفير مصاريف التنمية والخدمات والجهاز البيروقراطي للدولة، غير أن ليبيا، وبعد أكثر من ستين عاما من تصدير أول شحنة نفط، لازالت أسيرة الاقتصاد الريعي وعاجزة عن تحقيق القدر الأدنى من الاقتصاد الإنتاجي أو تحويل العائد النفطي إلى عامل استثمار في بناء الإنسان والرفع من قدراته وتغيير عقليته.

وإلى جانب ذلك، تمنح الجغرافيا الشاسعة ليبيا فرصا ثمينة لضمان الأمن الغذائي للعدد المتواضع من سكانها. ورغم غلبة المشهد الصحراوي على معظم مناطق البلاد، فإن ذلك لم يعد عائقا يمكن التحجج به أمام الاستثمار في الزراعة وإنتاج الغذاء. فقد وفرت التقنيات الحديثة الوسائل للسيطرة على الطبيعة وتطويعها عبر استخراج المياه العميقة وجلبها وتوزيعها والتحكم فيها، والتسميد وتخصيب التربة، وانتقاء أنواع المشاتل والزراعات القادرة على التأقلم مع متطلبات المناخ، واختصار الوقت في النقل عبر شبكات الطرق الحديثة والسكك الحديدية والمطارات.

 

 

قد يرى البعض أن هذه التفاصيل مجرد أمنيات، غير أن أمثلة كثيرة، في العالم وفي ليبيا ذاتها، تظهر أن الصحراء ليست فضاء أجرد ولا أرضا غير صالحة للزراعة، وأنها، عكس ما يعتقد البعض، قد تكون البيئة الملائمة لأنواع من الإنتاج الغذائي أكثر من غيرها في حال توفرت الإرادة لذلك.

ليبيا بمساحتها الواسعة وبمناطقها المناخية والتضاريسية المتنوعة، وببحرها وبرّها، وبجبالها وسهولها، بيئة صالحة لكل أنواع الإنتاج الفلاحي تقريبا؛ الحبوب والزراعات الكبرى، والزياتين والنخيل، والخضر والغلال، وتربية الماشية، وصيد الاسماك.

الموضوعية تقتضي القول أيضا أن الجغرافيا الليبية قادرة على إطعام السبعة ملايين ليبي وتصدير ما فاض إلى الخارج لكسر الصورة النمطية عن البلاد التي لا تصدر سوى النفط لأنها لا تنتج سواه.

 

 

لكن الواقع على الأرض يقول أن الليبي يستورد رغيف الخبز وعلبة المكرونة وحبة الطماطم والبطاطا والزيت والحليب والجبن والزبادي والبسكويت والبرتقال والدلاع، وأن مائدة طعامه قادمة، كلها تقريبا، من مصر وتونس وتركيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا وأوكرانيا والصين وحتى تايلندا وفيتنام وسريلنكا.

أين الخلل؟؟

من الصعب تحديد المسؤوليات بإجابات قطعية، إذ أن عوامل كثيرة تتداخل في الأمر لتكون النتيجة هذا العجز الذي نشهده مقابل هذه الإمكانيات الطبيعية والمالية التي تؤهل ليبيا لتكون بلدا رائدا في مجال توفير الأمن الغذائي لمواطنيه.

سياسات النخب العاجزة منذ الاستقلال إلى اليوم تتحمل قسطا من المسؤولية.

الانخراط في الاقتصاد الريعي الغنائمي المتخلف الناتج عن طفرة النفط جزء من اللعنة التي أصابت البلاد والعباد.

ضعف المنظومة التعليمية والتدريبية وعجز المؤسسات العلمية والأكاديمية عن تخريج كفاءات قادرة على التعامل مع تحديات الطبيعة وتطويعها والسيطرة عليها عامل مساهم في الخلل.

الخلفية الاجتماعية التقليدية في النظر إلى العمل والانتاج وخلق الثروة عقبة كأداء أمام التطور والتطوير.

انعدام المصداقية والإرادة السياسية العنوان الأبرز للفشل المركب الذي تعيشه ليبيا خصوصا والعرب عموما..

هذه وغيرها، عوامل ساهمت، بتفاوت، في حال الانكشاف الكامل للأمن الغذائي في ليبيا..

ماذا يعني وجود خرق كبير في الأمن الغذائي؟؟

يعني، ببساطة، أن كل الاحتمالات واردة: الصعود الصاروخي للأسعار، التضخم، تدحرج الدينار، ندرة المواد التموينية والغذائية، توقف عجلة الانتاج، انتشار الأوبئة والأمراض، اندلاع النزاعات والصراعات.. وحتى المجاعات ستكون احتمالا واردا..

المسألة متعلقة بالأمن الوطني الاستراتيجي وليست مزحة.. فهل من استفاقة؟



تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): أعادت الحرب الروسية على أوكرانيا الحديث عن ندرة الغذاء وارتفاع أسعاره في العالم وعجز عديد الدول عن إنتاج ما يستهلكه سكانها؛ ما يهدد بانتشار النزاعات والتوترات والمجاعات في أكثر من بلاد.

في خضم ذلك، يبدو العالم العربي من أكثر المناطق المهددة في أمنها الغذائي. ورغم الثروات الطائلة التي حبتهم بها الطبيعة والأراضي الخصبة التي تشكل جزءا مهما من جغرافيتهم، يبدو العرب أبعد ما يكونون عن تحقيق القدر الأدنى من الاكتفاء الذاتي في المواد التموينية الرئيسية. فمصر؛ هبة النيل، تحتل، منذ سنوات طويلة صدارة الدول المستوردة للقمح على مستوى العالم. والعراق الذي تشقه الأنهار وتمتد فيه الأراضي الخصبة لا يكاد ينتج شيئا. والسودان القادر، نظريا، على إطعام إقليم بأكمله يعيش مجاعة غير معلنة. والجزائر والمغرب وتونس كلها تتخبط في عجزها الغذائي رغم خيرات السماء والأرض.

لم تكن ليبيا استثناء في سياقها العربي، غير أن العجز الغذائي الفادح في ليبيا يحيل إلى مفارقة خاصة قد لا تشبه الأمر في الخليج ولا في مصر وتونس والسودان. فليبيا بلد شاسع جدا تمتد مساحته على مليون وثلاثة أرباع المليون من الكيلومترات المربعة، وتتقاطع فيه مناخات متعددة، وتتنوع مشاهده التضاريسية. وفي الآن ذاته يمثل العدد المحدود من سكان هذه البلاد؛ الذي لا يتجاوز في أقصى الأحوال سبعة ملايين، جزءا آخر من المفارقة.

 

 

لا تقف المفارقة عند المساحة الجغرافية الكبيرة مقابل العدد المحدود من الساكنة، بل تتعداها إلى الثروات الطائلة التي تزخر بها هذه البلاد؛ فوق الأرض وتحتها.

يعد النفط، الذي ظل يتدفق منذ مطلع الستينات، أهم مورد مالي للدولة، ويمثل ما يقارب المائة بالمائة من صادراتها، ويعتمد عليه، بشكل شبه كامل، في توفير مصاريف التنمية والخدمات والجهاز البيروقراطي للدولة، غير أن ليبيا، وبعد أكثر من ستين عاما من تصدير أول شحنة نفط، لازالت أسيرة الاقتصاد الريعي وعاجزة عن تحقيق القدر الأدنى من الاقتصاد الإنتاجي أو تحويل العائد النفطي إلى عامل استثمار في بناء الإنسان والرفع من قدراته وتغيير عقليته.

وإلى جانب ذلك، تمنح الجغرافيا الشاسعة ليبيا فرصا ثمينة لضمان الأمن الغذائي للعدد المتواضع من سكانها. ورغم غلبة المشهد الصحراوي على معظم مناطق البلاد، فإن ذلك لم يعد عائقا يمكن التحجج به أمام الاستثمار في الزراعة وإنتاج الغذاء. فقد وفرت التقنيات الحديثة الوسائل للسيطرة على الطبيعة وتطويعها عبر استخراج المياه العميقة وجلبها وتوزيعها والتحكم فيها، والتسميد وتخصيب التربة، وانتقاء أنواع المشاتل والزراعات القادرة على التأقلم مع متطلبات المناخ، واختصار الوقت في النقل عبر شبكات الطرق الحديثة والسكك الحديدية والمطارات.

 

 

قد يرى البعض أن هذه التفاصيل مجرد أمنيات، غير أن أمثلة كثيرة، في العالم وفي ليبيا ذاتها، تظهر أن الصحراء ليست فضاء أجرد ولا أرضا غير صالحة للزراعة، وأنها، عكس ما يعتقد البعض، قد تكون البيئة الملائمة لأنواع من الإنتاج الغذائي أكثر من غيرها في حال توفرت الإرادة لذلك.

ليبيا بمساحتها الواسعة وبمناطقها المناخية والتضاريسية المتنوعة، وببحرها وبرّها، وبجبالها وسهولها، بيئة صالحة لكل أنواع الإنتاج الفلاحي تقريبا؛ الحبوب والزراعات الكبرى، والزياتين والنخيل، والخضر والغلال، وتربية الماشية، وصيد الاسماك.

الموضوعية تقتضي القول أيضا أن الجغرافيا الليبية قادرة على إطعام السبعة ملايين ليبي وتصدير ما فاض إلى الخارج لكسر الصورة النمطية عن البلاد التي لا تصدر سوى النفط لأنها لا تنتج سواه.

 

 

لكن الواقع على الأرض يقول أن الليبي يستورد رغيف الخبز وعلبة المكرونة وحبة الطماطم والبطاطا والزيت والحليب والجبن والزبادي والبسكويت والبرتقال والدلاع، وأن مائدة طعامه قادمة، كلها تقريبا، من مصر وتونس وتركيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا وأوكرانيا والصين وحتى تايلندا وفيتنام وسريلنكا.

أين الخلل؟؟

من الصعب تحديد المسؤوليات بإجابات قطعية، إذ أن عوامل كثيرة تتداخل في الأمر لتكون النتيجة هذا العجز الذي نشهده مقابل هذه الإمكانيات الطبيعية والمالية التي تؤهل ليبيا لتكون بلدا رائدا في مجال توفير الأمن الغذائي لمواطنيه.

سياسات النخب العاجزة منذ الاستقلال إلى اليوم تتحمل قسطا من المسؤولية.

الانخراط في الاقتصاد الريعي الغنائمي المتخلف الناتج عن طفرة النفط جزء من اللعنة التي أصابت البلاد والعباد.

ضعف المنظومة التعليمية والتدريبية وعجز المؤسسات العلمية والأكاديمية عن تخريج كفاءات قادرة على التعامل مع تحديات الطبيعة وتطويعها والسيطرة عليها عامل مساهم في الخلل.

الخلفية الاجتماعية التقليدية في النظر إلى العمل والانتاج وخلق الثروة عقبة كأداء أمام التطور والتطوير.

انعدام المصداقية والإرادة السياسية العنوان الأبرز للفشل المركب الذي تعيشه ليبيا خصوصا والعرب عموما..

هذه وغيرها، عوامل ساهمت، بتفاوت، في حال الانكشاف الكامل للأمن الغذائي في ليبيا..

ماذا يعني وجود خرق كبير في الأمن الغذائي؟؟

يعني، ببساطة، أن كل الاحتمالات واردة: الصعود الصاروخي للأسعار، التضخم، تدحرج الدينار، ندرة المواد التموينية والغذائية، توقف عجلة الانتاج، انتشار الأوبئة والأمراض، اندلاع النزاعات والصراعات.. وحتى المجاعات ستكون احتمالا واردا..

المسألة متعلقة بالأمن الوطني الاستراتيجي وليست مزحة.. فهل من استفاقة؟