فبراير.. القدر المحتوم، وما بعده

حين يكون الحديث عن الثورات يتحرر النص من ضوابطه ويفلت من أسر شروط الكتابة التي وضعها أكاديميون باردون في المكاتب، وأسبغوا عليها قداسة وصنمية.. أن تكون موضوعيا فذاك ممكن، أما أن تكون محايدا في مثل هذه الحال فادعاء لا سند له..

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): حين يكون الحديث عن الثورات يتحرر النص من ضوابطه ويفلت من أسر شروط الكتابة التي وضعها أكاديميون باردون في المكاتب، وأسبغوا عليها قداسة وصنمية.. أن تكون موضوعيا فذاك ممكن، أما أن تكون محايدا في مثل هذه الحال فادعاء لا سند له..

الثورات، في تفاصيلها، شجاعة ورصاص ودم ومقاومة وتضحيات وانكسارات وآلام وشهداء وزنازين وأرامل وثكالى وأيتام.. كلها من سبيل دفع ظلم وإحقاق حق وفتح نوافذ للأمل.. فكيف يكون المرء باردا ومحايدا مع الدم والدموع والآهات؟ وكيف يكون محايدا مع الحق؟

 

 

17 فبراير لحظة وتاريخ.. ولكن للحظة والتاريخ جذور وتراكمات وتضحيات أجيال طحنتها رحى الاستبداد بين المشانق والمعتقلات والمنافي.. 17 فبراير القطرة التي أفاضت الكأس فتحولت إلى طوفان هادر لا راد له..

كانت كل عوامل الانفجار جاهزة، ولم تكن تحتاج سوى قادح للاشتعال.. فكانت سياقات تونس ومصر ملهمة.. وقبل ذلك كانت عنجهية نظام دموي خشن واجه صيحات المنتفضين الأوائل بالرصاص، وواجه مشيعي الشهداء بمزيد من الرصاص، كافية لخروج غضب ظل مكبوتا لأربعة عقود..

قد يختلف من عاشوا الحدث ومن تابعوه في تفاصيل كانت حاسمة.. هل كان الرصاص قدرا لمقاومة الرصاص؟ وهل كانت مقاومة الصدور العارية أجدى؟ وهل سيناريوهات تونس ومصر كانت قابلة للتكرار، بتفاصيلها، في ليبيا؟

أسئلة مشروعة بالنظر لمآلات الأحداث التي انتهت إليها الثورة.. ولكن مقابل ذلك: هل كان المنتفضون، حينها، يمتلكون الفرصة والوقت لترف النقاش في الخيارات والرصاص يحصد الشباب حصدا؟ وهل كان النظام، نفسه، بنية وسلوكا، في مثل وسلوك بنية جلادي تونس ومصر للحديث عن مقاومة مدنية تواجه آلة الموت بصدور عارية؟ وهل المجتمع وتمثلاته نفسها؟

البعض أغرق في مثالياته للحديث عما أبعد من هذا: أما كان من الأجدى أن توفر لرأس النظام محاكمة عادلة بقوانينها وقضاتها ومحاميها، وأن يعامل برفق وفق أحدث ما جادت به مدونات حقوق الإنسان في السويد وكندا وسويسرا؟

قد يكون لهذا الحديث مرجعية في الدساتير والمجلات القانونية والاتفاقيات والمعاهدات، ولكن لعلم النفس وعلم الاجتماع رأي آخر، والتاريخ يحفل بأمثلة من ثورات فرنسا وروسيا وإيران وأمريكا، وغيرها..

 

 

سيجد المجادل في ما بعد فبراير أكثر من مثال عن وجاهة قوله.. هاهو الفساد متواصل.. وهاهو القتل والتعذيب والاضطهاد والتهجير.. وهاهو التشظي والانقسام والكراهية.. وهاهو صراع ديكة بلا برنامج ولا رؤية ولا استراتيجيا..

هي أمثلة من الواقع اليومي، لكن التساؤل، هاهنا، من قبيل المنطق المغالطي.. في المقارنة منطق، ولكن المغالطة في القفز على الأسباب العميقة..

التأسيس يتطلب القطع مع الخراب والبناء على أساس سليم.. وما بعد فبراير كان، من المفترض، أن يكون لحظة تأسيس، غير أن التأسيس يتطلب بنية اجتماعية بقدر عال من التحديث.. وما قبل فبراير كان سياقا لهندسة القبلية والعشائرية والعائلية وتوظيفها أداة حكم وتحكم..

 

 

التأسيس يتطلب مجتمعا فيه قدر من التنظم والالتقاء على برامج.. وما قبل فبراير كان لـ"فرق تسد"، و"من تحزب خان"، و"التمثيل تدجيل"..

التأسيس يتطلب قدرا من السياق الاقتصادي المنسجم.. وما قبل فبراير كان للعشوائية و"جوع كلبك يتبعك"؛ وقد قالتها يوما إحدى الراهبات، وصفق القائد موافقا..

مقابل ذلك.. ألم تكن أزيد من عشر سنوات كافية للانطلاق في مسار الألف ميل؟ وهل ثقل الإرث مبرر موضوعي لتراكم اخفاقات الحاضر؟ وهل سيظل الماضي شماعة تعلق عليها النخب الفاشلة وزر فشلها؟ وهل تدرك هذه النخب، أصلا، أن اللحظة لحظة تأسيس وتواضع على مشروع حداثي وطني جامع وليست لحظة صراع على الكراسي والمسؤوليات وتسابق نحو الغنائم؟

في الأثناء.. في كل ذكرى لفبراير يخرج الناعقون لينعقوا بانتهاء فبراير وطي صفحتها.. وفي كل فبراير يخرج الليبي البسيط ليسفههم ويملأ الساحات، منشدا: سوف نبقى هنا كي يزول الألم..



تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل (خليفة علي حداد): حين يكون الحديث عن الثورات يتحرر النص من ضوابطه ويفلت من أسر شروط الكتابة التي وضعها أكاديميون باردون في المكاتب، وأسبغوا عليها قداسة وصنمية.. أن تكون موضوعيا فذاك ممكن، أما أن تكون محايدا في مثل هذه الحال فادعاء لا سند له..

الثورات، في تفاصيلها، شجاعة ورصاص ودم ومقاومة وتضحيات وانكسارات وآلام وشهداء وزنازين وأرامل وثكالى وأيتام.. كلها من سبيل دفع ظلم وإحقاق حق وفتح نوافذ للأمل.. فكيف يكون المرء باردا ومحايدا مع الدم والدموع والآهات؟ وكيف يكون محايدا مع الحق؟

 

 

17 فبراير لحظة وتاريخ.. ولكن للحظة والتاريخ جذور وتراكمات وتضحيات أجيال طحنتها رحى الاستبداد بين المشانق والمعتقلات والمنافي.. 17 فبراير القطرة التي أفاضت الكأس فتحولت إلى طوفان هادر لا راد له..

كانت كل عوامل الانفجار جاهزة، ولم تكن تحتاج سوى قادح للاشتعال.. فكانت سياقات تونس ومصر ملهمة.. وقبل ذلك كانت عنجهية نظام دموي خشن واجه صيحات المنتفضين الأوائل بالرصاص، وواجه مشيعي الشهداء بمزيد من الرصاص، كافية لخروج غضب ظل مكبوتا لأربعة عقود..

قد يختلف من عاشوا الحدث ومن تابعوه في تفاصيل كانت حاسمة.. هل كان الرصاص قدرا لمقاومة الرصاص؟ وهل كانت مقاومة الصدور العارية أجدى؟ وهل سيناريوهات تونس ومصر كانت قابلة للتكرار، بتفاصيلها، في ليبيا؟

أسئلة مشروعة بالنظر لمآلات الأحداث التي انتهت إليها الثورة.. ولكن مقابل ذلك: هل كان المنتفضون، حينها، يمتلكون الفرصة والوقت لترف النقاش في الخيارات والرصاص يحصد الشباب حصدا؟ وهل كان النظام، نفسه، بنية وسلوكا، في مثل وسلوك بنية جلادي تونس ومصر للحديث عن مقاومة مدنية تواجه آلة الموت بصدور عارية؟ وهل المجتمع وتمثلاته نفسها؟

البعض أغرق في مثالياته للحديث عما أبعد من هذا: أما كان من الأجدى أن توفر لرأس النظام محاكمة عادلة بقوانينها وقضاتها ومحاميها، وأن يعامل برفق وفق أحدث ما جادت به مدونات حقوق الإنسان في السويد وكندا وسويسرا؟

قد يكون لهذا الحديث مرجعية في الدساتير والمجلات القانونية والاتفاقيات والمعاهدات، ولكن لعلم النفس وعلم الاجتماع رأي آخر، والتاريخ يحفل بأمثلة من ثورات فرنسا وروسيا وإيران وأمريكا، وغيرها..

 

 

سيجد المجادل في ما بعد فبراير أكثر من مثال عن وجاهة قوله.. هاهو الفساد متواصل.. وهاهو القتل والتعذيب والاضطهاد والتهجير.. وهاهو التشظي والانقسام والكراهية.. وهاهو صراع ديكة بلا برنامج ولا رؤية ولا استراتيجيا..

هي أمثلة من الواقع اليومي، لكن التساؤل، هاهنا، من قبيل المنطق المغالطي.. في المقارنة منطق، ولكن المغالطة في القفز على الأسباب العميقة..

التأسيس يتطلب القطع مع الخراب والبناء على أساس سليم.. وما بعد فبراير كان، من المفترض، أن يكون لحظة تأسيس، غير أن التأسيس يتطلب بنية اجتماعية بقدر عال من التحديث.. وما قبل فبراير كان سياقا لهندسة القبلية والعشائرية والعائلية وتوظيفها أداة حكم وتحكم..

 

 

التأسيس يتطلب مجتمعا فيه قدر من التنظم والالتقاء على برامج.. وما قبل فبراير كان لـ"فرق تسد"، و"من تحزب خان"، و"التمثيل تدجيل"..

التأسيس يتطلب قدرا من السياق الاقتصادي المنسجم.. وما قبل فبراير كان للعشوائية و"جوع كلبك يتبعك"؛ وقد قالتها يوما إحدى الراهبات، وصفق القائد موافقا..

مقابل ذلك.. ألم تكن أزيد من عشر سنوات كافية للانطلاق في مسار الألف ميل؟ وهل ثقل الإرث مبرر موضوعي لتراكم اخفاقات الحاضر؟ وهل سيظل الماضي شماعة تعلق عليها النخب الفاشلة وزر فشلها؟ وهل تدرك هذه النخب، أصلا، أن اللحظة لحظة تأسيس وتواضع على مشروع حداثي وطني جامع وليست لحظة صراع على الكراسي والمسؤوليات وتسابق نحو الغنائم؟

في الأثناء.. في كل ذكرى لفبراير يخرج الناعقون لينعقوا بانتهاء فبراير وطي صفحتها.. وفي كل فبراير يخرج الليبي البسيط ليسفههم ويملأ الساحات، منشدا: سوف نبقى هنا كي يزول الألم..