متسابقون لرئاسة ليبيا.. حين يشبه المشهد حكاية "المرأة والسلّم"؟

بغلق أبواب فروع مفوضية الانتخابات الثلاثة في طرابلس وبنغازي وسبها، مساء الأحد، يسدل الستار على فصل مثير من فصول أول انتخابات رئاسية في تاريخ ليبيا؛ مقررة أواخر الشهر القادم، بحسب خريطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي.

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: بغلق أبواب فروع مفوضية الانتخابات الثلاثة في طرابلس وبنغازي وسبها، مساء الأحد، يسدل الستار على فصل مثير من فصول أول انتخابات رئاسية في تاريخ ليبيا؛ مقررة أواخر الشهر القادم، بحسب خريطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي.

لاشك أن الجدل المحتدم حول الانتخابات وقوانينها مازال يلقي بظلال من الريبة بشأن إمكان إنجاز هذا الاستحقاق في آجاله المعلنة. ففي ليبيا المتخمة بالسلاح والمسلحين وبالنزاعات القبلية والجهوية والتدخل الإقليمي والدولي تظل كل الفرضيات واردة؛ بما فيها النكوص عن الانتخابات والعود إلى نقطة المغالبة والخيار المسلح. وتدعم هذه الفرضية مؤشرات عدة؛ بينها الاصطفاف الحاد الذي سببه ترشح شخصيات جدلية كانت لاعبا متقدما في الأزمة متعددة الأوجه التي تمر بها البلاد.

رغم أن العدد الجملي لمن قدموا ملفات ترشحهم لفروع المفوضية الثلاثة لامس الخمسين، فإن جل الترشحات مرت دون اهتمام يذكر من وسائل الإعلام ومن الشارع. إذ تعلق الاصطفاف والجدل بشخصيات محددة؛ أبرزها خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي وعبد الحميد الدبيبة، وبصفة أقل عقيلة صالح.

لم يكن ترشح الدبيبة وحفتر أمرا مفاجئا، عكس سيف القذافي الذي تضاربت المعطيات حول مصيره منذ أربع سنوات حين أعلنت إحدى الكتائب المسلحة في الزنتان إطلاق سراحه. ورغم هذا الإعلان ظل الرجل مختفيا إلى حين إدلائه بحديث لصحيفة أمريكية منذ بضعة أشهر؛ وهو الحديث الذي لم يؤخذ على مأخذ التصديق لدى الكثيرين الذين ظلوا يعتبرونه في عداد مجهولي المصير.

لا يبدو أن اختيار سيف القذافي لمكتب مفوضية الانتخابات في مدينة سبها اعتباطيا، بقدر ما كان مدروسا بعناية. فالحاضنة القبلية والاجتماعية في عاصمة المنطقة الجنوبية تبدو مضمونة؛ وهي المعطى الذي بدا جليا في الرتل المسلح الذي رافقه وأمّن دخوله وخروجه. وإلى جانب ذلك يدرك سيف القذافي أن المعادلة الاجتماعية والسياسية والعسكرية الحالية، إضافة إلى سوابق ثورة فبراير، تجعل من المنطقتين الغربية والشرقية أشبه ما تكون بالمناطق المحرمة بالنسبة إليه.

 

 

يبدو معطى الحاضنة الاجتماعية والسياسية والعسكرية لسيف القذافي إشكاليا في علاقته بخليفة حفتر. فمنذ إطلاق "عملية الكرامة"، منتصف 2014، اعتمد حفتر، أساسا، على النواة الصلبة للأجهزة الأمنية والعسكرية لنظام القذافي، وعوّل على الحواضن الاجتماعية والقبلية المحسوبة على النظام السابق، خاصة في المنطقتين الوسطى والجنوبية، واستثمر هذا المعطى للسيطرة على بنغازي ودرنة والهلال النفطي والجفرة وسرت والجنوب، كما وظفه خلال الحرب الأخيرة على طرابلس في مناطق بني وليد وترهونة وتخوم طرابس.

 

 

مبدئيا، قد يكون حفتر المتضرر الأبرز من ظهور سيف القذافي وترشحه للانتخابات، في حال قبول ترشحه وفي حال إجراء الانتخابات أصلا. فالأكيد أن سيف سيقضم نسبة من الأصوات من رصيد المشير زيادة عما يذهب إليه الكثير من المتابعين عن جزء آخر من الرصيد تبخر بفعل الفشل العسكري الذي انتهت إليه معركة طرابلس وكلفتها البشرية العالية من الحزام القبلي الداعم لعملية الكرامة في المنطقة الشرقية. وعليه قد تكتسب الأخبار المسربة عن صدام كان وشيكا بين قوات المشير وقوات سيف في سبها بعض المصداقية.

لا يختلف الجدل المتصاعد بشأن ترشح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة كثيرا عن الجدل المرافق لترشح حفر وسيف، وإن اختلفت السياقات. فالرجل اعتبر نفسه المستهدف الرئيس من القوانين الانتخابية التي صاغها عقيلة صالح، ولم يفوت أي فرصة، خلال الأيام الأخيرة، للتنبيه إلى ما يعتبره مخاطر محدقة بالاستحقاق الانتخابي في حال المضي فيه دون تعديل القوانين التي تحكمه. ورغم الإشكال القانوني الذي يواجهه، فقد تقدم بملف ترشحه، مساء اليوم، قبل إغلاق أبواب مكتب المفوضية بقليل.

 

وفي ظل الغموض الذي يكتنف الاتصالات والمساعي الداخلية والإقليمية والدولية لتأمين موعد 24 ديسمبر وإجراء الاستحقاق دون حوادث كبرى، يبدو أن الدبيبة خير المرور إلى السرعة القصوى وفرض أمر واقع، وهو يدرك، مسبقا، أن مفوضية الانتخابات والنائب العام وجهاز الأمن قد لا يكون لهم حول ولا قوة في البت في ملفات المرشحين وتقرير أمر مصيري سيحدد وجهة البلاد لأمد طويل.

في انتظار الحسم في قائمة المرشحين المقبولين لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الأولى في تاريخ ليبيا، يظل الجدل متصاعدا، وتظل الخشية قائمة من تداعيات القبول والرفض، على حد سواء. وفي كل الأحوال لا يتوقع المراقبون المنصفون استقرارا آليا للأوضاع سواء قبلت ملفات سيف وحفتر والدبيبة أو رفضت، غير أن حسابات الغيورين، وما أكثرهم في كل زمان ومكان، قد تعدّل المشهد وتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

في الأوقات الحرجة، على النخب والعقلاء أن يكونوا على درجة من الذكاء والفطنة وبعد النظر لاجتراح فتاوى وحلول حتى لو استحكم المشهد، كما استحكم في القول المأثور عن رجل من العرب رأى زوجته تصعد السلّم، فخاطبها: أنت طالق إن صعدت، وطالق إن نزلت، وطالق إن وقفت.



تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: بغلق أبواب فروع مفوضية الانتخابات الثلاثة في طرابلس وبنغازي وسبها، مساء الأحد، يسدل الستار على فصل مثير من فصول أول انتخابات رئاسية في تاريخ ليبيا؛ مقررة أواخر الشهر القادم، بحسب خريطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي.

لاشك أن الجدل المحتدم حول الانتخابات وقوانينها مازال يلقي بظلال من الريبة بشأن إمكان إنجاز هذا الاستحقاق في آجاله المعلنة. ففي ليبيا المتخمة بالسلاح والمسلحين وبالنزاعات القبلية والجهوية والتدخل الإقليمي والدولي تظل كل الفرضيات واردة؛ بما فيها النكوص عن الانتخابات والعود إلى نقطة المغالبة والخيار المسلح. وتدعم هذه الفرضية مؤشرات عدة؛ بينها الاصطفاف الحاد الذي سببه ترشح شخصيات جدلية كانت لاعبا متقدما في الأزمة متعددة الأوجه التي تمر بها البلاد.

رغم أن العدد الجملي لمن قدموا ملفات ترشحهم لفروع المفوضية الثلاثة لامس الخمسين، فإن جل الترشحات مرت دون اهتمام يذكر من وسائل الإعلام ومن الشارع. إذ تعلق الاصطفاف والجدل بشخصيات محددة؛ أبرزها خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي وعبد الحميد الدبيبة، وبصفة أقل عقيلة صالح.

لم يكن ترشح الدبيبة وحفتر أمرا مفاجئا، عكس سيف القذافي الذي تضاربت المعطيات حول مصيره منذ أربع سنوات حين أعلنت إحدى الكتائب المسلحة في الزنتان إطلاق سراحه. ورغم هذا الإعلان ظل الرجل مختفيا إلى حين إدلائه بحديث لصحيفة أمريكية منذ بضعة أشهر؛ وهو الحديث الذي لم يؤخذ على مأخذ التصديق لدى الكثيرين الذين ظلوا يعتبرونه في عداد مجهولي المصير.

لا يبدو أن اختيار سيف القذافي لمكتب مفوضية الانتخابات في مدينة سبها اعتباطيا، بقدر ما كان مدروسا بعناية. فالحاضنة القبلية والاجتماعية في عاصمة المنطقة الجنوبية تبدو مضمونة؛ وهي المعطى الذي بدا جليا في الرتل المسلح الذي رافقه وأمّن دخوله وخروجه. وإلى جانب ذلك يدرك سيف القذافي أن المعادلة الاجتماعية والسياسية والعسكرية الحالية، إضافة إلى سوابق ثورة فبراير، تجعل من المنطقتين الغربية والشرقية أشبه ما تكون بالمناطق المحرمة بالنسبة إليه.

 

 

يبدو معطى الحاضنة الاجتماعية والسياسية والعسكرية لسيف القذافي إشكاليا في علاقته بخليفة حفتر. فمنذ إطلاق "عملية الكرامة"، منتصف 2014، اعتمد حفتر، أساسا، على النواة الصلبة للأجهزة الأمنية والعسكرية لنظام القذافي، وعوّل على الحواضن الاجتماعية والقبلية المحسوبة على النظام السابق، خاصة في المنطقتين الوسطى والجنوبية، واستثمر هذا المعطى للسيطرة على بنغازي ودرنة والهلال النفطي والجفرة وسرت والجنوب، كما وظفه خلال الحرب الأخيرة على طرابلس في مناطق بني وليد وترهونة وتخوم طرابس.

 

 

مبدئيا، قد يكون حفتر المتضرر الأبرز من ظهور سيف القذافي وترشحه للانتخابات، في حال قبول ترشحه وفي حال إجراء الانتخابات أصلا. فالأكيد أن سيف سيقضم نسبة من الأصوات من رصيد المشير زيادة عما يذهب إليه الكثير من المتابعين عن جزء آخر من الرصيد تبخر بفعل الفشل العسكري الذي انتهت إليه معركة طرابلس وكلفتها البشرية العالية من الحزام القبلي الداعم لعملية الكرامة في المنطقة الشرقية. وعليه قد تكتسب الأخبار المسربة عن صدام كان وشيكا بين قوات المشير وقوات سيف في سبها بعض المصداقية.

لا يختلف الجدل المتصاعد بشأن ترشح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة كثيرا عن الجدل المرافق لترشح حفر وسيف، وإن اختلفت السياقات. فالرجل اعتبر نفسه المستهدف الرئيس من القوانين الانتخابية التي صاغها عقيلة صالح، ولم يفوت أي فرصة، خلال الأيام الأخيرة، للتنبيه إلى ما يعتبره مخاطر محدقة بالاستحقاق الانتخابي في حال المضي فيه دون تعديل القوانين التي تحكمه. ورغم الإشكال القانوني الذي يواجهه، فقد تقدم بملف ترشحه، مساء اليوم، قبل إغلاق أبواب مكتب المفوضية بقليل.

 

وفي ظل الغموض الذي يكتنف الاتصالات والمساعي الداخلية والإقليمية والدولية لتأمين موعد 24 ديسمبر وإجراء الاستحقاق دون حوادث كبرى، يبدو أن الدبيبة خير المرور إلى السرعة القصوى وفرض أمر واقع، وهو يدرك، مسبقا، أن مفوضية الانتخابات والنائب العام وجهاز الأمن قد لا يكون لهم حول ولا قوة في البت في ملفات المرشحين وتقرير أمر مصيري سيحدد وجهة البلاد لأمد طويل.

في انتظار الحسم في قائمة المرشحين المقبولين لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الأولى في تاريخ ليبيا، يظل الجدل متصاعدا، وتظل الخشية قائمة من تداعيات القبول والرفض، على حد سواء. وفي كل الأحوال لا يتوقع المراقبون المنصفون استقرارا آليا للأوضاع سواء قبلت ملفات سيف وحفتر والدبيبة أو رفضت، غير أن حسابات الغيورين، وما أكثرهم في كل زمان ومكان، قد تعدّل المشهد وتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

في الأوقات الحرجة، على النخب والعقلاء أن يكونوا على درجة من الذكاء والفطنة وبعد النظر لاجتراح فتاوى وحلول حتى لو استحكم المشهد، كما استحكم في القول المأثور عن رجل من العرب رأى زوجته تصعد السلّم، فخاطبها: أنت طالق إن صعدت، وطالق إن نزلت، وطالق إن وقفت.