الانتخابات الليبية: التدخل الخارجي صوت في صناديق الاقتراع

أضحى الحديث عن التدخل الإقليمي والدولي في المشهد الليبي من البديهيات الذي لا تطلب دليلا، ولم يعد المتدخلون، أنفسهم، يخفون الأمر.. تدخلات أدناها التأثير على القرار السياسي وأشدها التدخل العسكري المباشر.

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: أضحى الحديث عن التدخل الإقليمي والدولي في المشهد الليبي من البديهيات الذي لا تطلب دليلا، ولم يعد المتدخلون، أنفسهم، يخفون الأمر.. تدخلات أدناها التأثير على القرار السياسي وأشدها التدخل العسكري المباشر.

حتى يكون الحديث موضوعيا في أمر بالغ الخطورة والتأثير على مجريات الحدث الليبي وعلى مستقبل البلاد، لابد من الإقرار بأن التدخل في حد ذاته ليس أمرا جديدا ولا خاصا بالحالة الليبية، ولا هو سلوك مرفوض في كل الأحوال، إذ من المتعارف عليه أن للدول، كل الدول صغيرها وكبيرها، مصالح، وأن مصالحها قد تقتضي أن تكون حاضرة في مشهد سياسي وعسكري خارج حدودها، جلبا لمصلحة أو درءا لخطر يهددها. وعليه فإن مفاهيم مثل "السيادة الوطنية الكاملة" و"الاستقلال التام" و"اللاءات" هي مفاهيم نسبية وتحمل مقادير من المثالية والشعبوية في مشهد معولم تشتبك فيه المصالح والتحالفات وتتداخل بنسق سريع.

وزيادة على التدخل الحاصل في كل دول العالم، بما في ذلك الدول العظمى، فإن الكيانات الرخوة تكون أكثر قابلية للتدخل وتوفر بيئتها الأمنية والسياسية الهشة فرصا للمتصارعين لإيجاد مواطئ أقدام. ومن المؤكد أن دولة مثل ليبيا؛ التي تحوز ثروات ريعية طائلة وتشهد انفلاتا أمنيا وانقساما مؤسساتيا واجتماعيا، توفر كل الشروط التي تغري الفاعلين الإقليميين والدوليين بالتدخل والتأثير على مجريات الأحداث فيها.

منذ اتفاق الصخيرات، أواخر 2015، كانت كل مؤسسات الحكم نتيجة قرار إقليمي ودولي. فالمجتمع الدولي، ممثلا في بعثة الأمم المتحدة للدعم، هو الذي أشرف على ولادة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، وهو الذي منح موافقته لبقاء مجلس النواب ولتحويل المؤتمر الوطني العام إلى مجلس أعلى للدولة. والمجتمع الدولي هو الذي أشرف، أيضا، على ولادة المجلس الرئاسي بصيغته الجديدة وحكومة الوحدة الوطنية، وحدد أدوار مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهو الذي رسم خريطة الطريق، وهو الذي يتابع مدى التزام كل الأطراف بها وصولا إلى الانتخابات المبرمجة أواخر الشهر القادم.

 

 

وقبل ذلك كان للمعطى الإقليمي والدولي دوره في إطلاق "عملية الكرامة" وفي التشظي الذي أصاب مؤسسات الحكم والمؤسسات السيادية وفي ظهور حكومتين؛ في طرابلس والبيضاء، وانخراط الفرقاء في حرب استنزاف طويلة، وصولا إلى الهجوم الذي شنته قوات "القيادة العامة" على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، بدعم معلن من دول مصر والإمارات والسعودية، وآخر خفي من دول أوروبية، وقابله دعم معلن للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني من قبل دولة تركيا؛ التي كان لطيرانها المسير وخبرائها العسكريين الدور الحاسم في فشل الهجوم وتدشين ملتقى الحوار السياسي الليبي، بالتوازي مع دعم سياسي من دول أخرى مثل قطر والجزائر.

 

 

على بعد شهر ونصف الشهر من الانتخابات المبرمجة أواخر العام الجاري، وفق خريطة الطريق المنبثقة على ملتقى الحوار السياسي، تتصاعد حدة التجاذب السياسي وتتراكم المؤشرات إلى إمكانية العودة إلى مربع الانقسام. فمازال قانون انتخاب الرئيس وقانون انتخاب مجلس النواب محل خلاف بين المعسكر المحسوب على "القيادة العامة" وبين مكونات سياسية وجهوية عديدة ترى أن هذا القانون قد فصّل على مقاس شخصيات ومناطق بعينها.

 

 

وعلى وقع تصاعد حدة الخلافات تتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية ويسعى كل طرف لتعزيز مواقعه من خلال الاستناد إلى داعمين خارجيين. ورغم أن جلّ الأطراف الإقليمية والدولية ذات العلاقة بما يجري في ليبيا تكتفي، علنا، بالتعبير عن دعمها المسار السياسي والانتخابي فإن المطلعين على تفاصيل المشهد الليبي يدركون، جيدا، أنها لم تكن بمنأى عن  كل التطورات التي تشهدها البلاد، بما في ذلك إصدار القوانين الانتخابية، وأنها حريصة كل الحرص على حضور حلفائها في المشهد السياسي والمؤسساتي القادم.

وفي السياق ذاته، لا يمكن فصل أهداف الزيارات المتسارعة التي تؤديها أطراف الصراع الليبي إلى عواصم إقليمية ودولية عن الموعد الانتخابي المبرمج أواخر العام الحالي، من خلال حشد الدعم وتقديم الوعود، إذ يدرك مختلف الفرقاء أن العامل الإقليمي والدولي سيكون رقما من أرقام الناخبين، وأن الدعم المالي والعسكري والسياسي والإعلامي سيكون له تأثيره على الناخب، ويرقى الأمر إلى درجة البحث عن كفيل قادر على تولى مهمة التأثير في عواصم القرار الكبرى.

 

 

في مشهد سياسي وأمني اختلط فيه الحابل بالنابل؛ مثلما هو حال المشهد الليبي، قد تتراجع المبادئ وتسقط المحرمات وتنتفي اللاءات، ويصبح فيه الاستقواء بالقاهرة وأبوظبي وأنقرة والدوحة وباريس وواشنطن وموسكو وتل أبيب نفسها مفتاحا لولوج المشهد القادم.. قد يكون ما يروج من أخبار، بين الفينة والأخرى، صحيحا وقد لا يكون، ولكن، في ظل سلوك بعض النخب المتصارعة، حاليا، فإن للخارج صوته في صناديق الاقتراع المنتظرة.



تقرير ليبيا المستقبل

ليبيا المستقبل: أضحى الحديث عن التدخل الإقليمي والدولي في المشهد الليبي من البديهيات الذي لا تطلب دليلا، ولم يعد المتدخلون، أنفسهم، يخفون الأمر.. تدخلات أدناها التأثير على القرار السياسي وأشدها التدخل العسكري المباشر.

حتى يكون الحديث موضوعيا في أمر بالغ الخطورة والتأثير على مجريات الحدث الليبي وعلى مستقبل البلاد، لابد من الإقرار بأن التدخل في حد ذاته ليس أمرا جديدا ولا خاصا بالحالة الليبية، ولا هو سلوك مرفوض في كل الأحوال، إذ من المتعارف عليه أن للدول، كل الدول صغيرها وكبيرها، مصالح، وأن مصالحها قد تقتضي أن تكون حاضرة في مشهد سياسي وعسكري خارج حدودها، جلبا لمصلحة أو درءا لخطر يهددها. وعليه فإن مفاهيم مثل "السيادة الوطنية الكاملة" و"الاستقلال التام" و"اللاءات" هي مفاهيم نسبية وتحمل مقادير من المثالية والشعبوية في مشهد معولم تشتبك فيه المصالح والتحالفات وتتداخل بنسق سريع.

وزيادة على التدخل الحاصل في كل دول العالم، بما في ذلك الدول العظمى، فإن الكيانات الرخوة تكون أكثر قابلية للتدخل وتوفر بيئتها الأمنية والسياسية الهشة فرصا للمتصارعين لإيجاد مواطئ أقدام. ومن المؤكد أن دولة مثل ليبيا؛ التي تحوز ثروات ريعية طائلة وتشهد انفلاتا أمنيا وانقساما مؤسساتيا واجتماعيا، توفر كل الشروط التي تغري الفاعلين الإقليميين والدوليين بالتدخل والتأثير على مجريات الأحداث فيها.

منذ اتفاق الصخيرات، أواخر 2015، كانت كل مؤسسات الحكم نتيجة قرار إقليمي ودولي. فالمجتمع الدولي، ممثلا في بعثة الأمم المتحدة للدعم، هو الذي أشرف على ولادة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، وهو الذي منح موافقته لبقاء مجلس النواب ولتحويل المؤتمر الوطني العام إلى مجلس أعلى للدولة. والمجتمع الدولي هو الذي أشرف، أيضا، على ولادة المجلس الرئاسي بصيغته الجديدة وحكومة الوحدة الوطنية، وحدد أدوار مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهو الذي رسم خريطة الطريق، وهو الذي يتابع مدى التزام كل الأطراف بها وصولا إلى الانتخابات المبرمجة أواخر الشهر القادم.

 

 

وقبل ذلك كان للمعطى الإقليمي والدولي دوره في إطلاق "عملية الكرامة" وفي التشظي الذي أصاب مؤسسات الحكم والمؤسسات السيادية وفي ظهور حكومتين؛ في طرابلس والبيضاء، وانخراط الفرقاء في حرب استنزاف طويلة، وصولا إلى الهجوم الذي شنته قوات "القيادة العامة" على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، بدعم معلن من دول مصر والإمارات والسعودية، وآخر خفي من دول أوروبية، وقابله دعم معلن للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني من قبل دولة تركيا؛ التي كان لطيرانها المسير وخبرائها العسكريين الدور الحاسم في فشل الهجوم وتدشين ملتقى الحوار السياسي الليبي، بالتوازي مع دعم سياسي من دول أخرى مثل قطر والجزائر.

 

 

على بعد شهر ونصف الشهر من الانتخابات المبرمجة أواخر العام الجاري، وفق خريطة الطريق المنبثقة على ملتقى الحوار السياسي، تتصاعد حدة التجاذب السياسي وتتراكم المؤشرات إلى إمكانية العودة إلى مربع الانقسام. فمازال قانون انتخاب الرئيس وقانون انتخاب مجلس النواب محل خلاف بين المعسكر المحسوب على "القيادة العامة" وبين مكونات سياسية وجهوية عديدة ترى أن هذا القانون قد فصّل على مقاس شخصيات ومناطق بعينها.

 

 

وعلى وقع تصاعد حدة الخلافات تتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية ويسعى كل طرف لتعزيز مواقعه من خلال الاستناد إلى داعمين خارجيين. ورغم أن جلّ الأطراف الإقليمية والدولية ذات العلاقة بما يجري في ليبيا تكتفي، علنا، بالتعبير عن دعمها المسار السياسي والانتخابي فإن المطلعين على تفاصيل المشهد الليبي يدركون، جيدا، أنها لم تكن بمنأى عن  كل التطورات التي تشهدها البلاد، بما في ذلك إصدار القوانين الانتخابية، وأنها حريصة كل الحرص على حضور حلفائها في المشهد السياسي والمؤسساتي القادم.

وفي السياق ذاته، لا يمكن فصل أهداف الزيارات المتسارعة التي تؤديها أطراف الصراع الليبي إلى عواصم إقليمية ودولية عن الموعد الانتخابي المبرمج أواخر العام الحالي، من خلال حشد الدعم وتقديم الوعود، إذ يدرك مختلف الفرقاء أن العامل الإقليمي والدولي سيكون رقما من أرقام الناخبين، وأن الدعم المالي والعسكري والسياسي والإعلامي سيكون له تأثيره على الناخب، ويرقى الأمر إلى درجة البحث عن كفيل قادر على تولى مهمة التأثير في عواصم القرار الكبرى.

 

 

في مشهد سياسي وأمني اختلط فيه الحابل بالنابل؛ مثلما هو حال المشهد الليبي، قد تتراجع المبادئ وتسقط المحرمات وتنتفي اللاءات، ويصبح فيه الاستقواء بالقاهرة وأبوظبي وأنقرة والدوحة وباريس وواشنطن وموسكو وتل أبيب نفسها مفتاحا لولوج المشهد القادم.. قد يكون ما يروج من أخبار، بين الفينة والأخرى، صحيحا وقد لا يكون، ولكن، في ظل سلوك بعض النخب المتصارعة، حاليا، فإن للخارج صوته في صناديق الاقتراع المنتظرة.