سيف القذافي: جدل الحقائق والأمنيات

خليفة علي حداد (ليبيا المستقبل): لم يكن المشهد السياسي والأمني في ليبيا في حاجة إلى قادح جديد للجدل والخلاف حين نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية ما قالت أنه لقاء مع سيف الإسلام القذافي، من مقره في الزنتان، في الـ30 من يوليو المنقضي. فعلى بعد عشر سنوات من إلقاء القبض على الرجل أثناء محاولته الفرار إلى الجوار الإفريقي، جرت مياه كثيرة في الساحة الليبية، وتغيرت معطيات، وعقدت تحالفات ونقضت أخرى، ودارت حروب ومعارك، وقامت حكومات وبرلمانات وسقطت أخرى، وتدخل متدخلون إقليميون ودوليون لدعم هذا الطرف أو ذاك.. ليبيا اليوم، وبكل المقاييس، لم تعد ليبيا 2011..

المزيد من الملفات الخاصة

تقرير ليبيا المستقبل

لم يكن المشهد السياسي والأمني في ليبيا في حاجة إلى قادح جديد للجدل والخلاف حين نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية ما قالت أنه لقاء مع سيف الإسلام القذافي، من مقره في الزنتان، في الـ30 من يوليو المنقضي. فعلى بعد عشر سنوات من إلقاء القبض على الرجل أثناء محاولته الفرار إلى الجوار الإفريقي، جرت مياه كثيرة في الساحة الليبية، وتغيرت معطيات، وعقدت تحالفات ونقضت أخرى، ودارت حروب ومعارك، وقامت حكومات وبرلمانات وسقطت أخرى، وتدخل متدخلون إقليميون ودوليون لدعم هذا الطرف أو ذاك.. ليبيا اليوم، وبكل المقاييس، لم تعد ليبيا 2011..

لاشك أن للصورة وظائف كبيرة في التواصل والتسويق والإقناع وتوجيه الرأي العام، وهو ما بدا جليا في الظهور المفترض لسيف القذافي.. لحية منسدلة بعناية؛ اختلط فيها الأسود بالأبيض؛ واعتادها الناس في المجتمعات التقليدية المحافظة، دليلا عن الحكمة والوقار والهدوء.. ورأس معمم وعباءة سوداء من القماش الفاخر كالمرجعيات الدينية ومشائخ العلم، وكرسي فخم مذهب ارتبطت رمزيته بالملك والسلطة والجاه.. هكذا أراد سيف القذافي المفترض أن يظهر، أو هكذا أريد له..

لا تمنع سطوة الصورة والجدل الذي تبعها من طرح أسئلة بعيدة عن العواطف الجياشة للمهللين واللاعنين.. أين الحقيقة من الأمنيات في الظهور المفترض لسيف القذافي؟ ما الذي تغير في المشهد الليبي منذ الغيبة الكبرى لسيف؟ وما الذي تغير في سيف نفسه؟ وهل الطريق سالكة لسيف، فعلا، ليكون رقما يكسر المعادلات الجارية؟

لم تسلم الصورة التي نشرتها "نيويورك تايمز" من التشكيك في حقيقتها.. هل هي صورة سيف فعلا أم أن ما يجمع صاحبها بسيف مجرد شبه وتشابه؟ وبعيدا عن الأحكام القاطعة، فإن هذا التساؤل يظل مشروعا في ظل المؤثرات التقنية الرهيبة التي يشهدها عالم الصورة، وفي ظل عدم تأكيد الأمر من أي مصدر موثوق آخر شاهد سيف وعاينه.. الأمر، حتى الساعة، يتعلق بظهور مفترض لا بظهور قطعي وثابت..

من باب الاستشراف وبناء الفرضيات، لنفترض أن صاحب الصورة هو، فعلا، سيف بشحمه ولحمه وعمامته وكرسيه المذهب.. كيف يفكر الرجل وكيف يرى نفسه ويرى ليبيا بعد عقد من الغياب؟

عنونت صحيفة "نيويورك تايمز" مقابلتها المفترضة مع سيف بـ"ابن القذافي مازال حيا، ويريد استعادة ليبيا".. ويبدو أن الصحيفة صاغت الجملة الثانية من عنوانها بناء على ما أفصح عنه سيف في المقابلة.. "استعادة ليبيا"، بما تحمله من مضامين تحيل إلى "ملكية افتكت عنوة ودون وجه حق" في وقت سابق.. يقول سيف: "لقد اغتصبوا بلادنا وأذلّوها. ليس لدينا مالٌ ولا أمنٌ ولا حياة. إذا ذهبتَ إلى محطة الوقود، فلن تجد وقودًا. نحن نصدّر النفط والغاز إلى إيطاليا. نحن نضيء نصف إيطاليا ونعاني من انقطاع الكهرباء. ما يحدث تخطّى حدود الفشل. إنه مهزلة".. ويضيف: "إن ما حدث في ليبيا لم يكن ثورة. يمكنك أن تسميها حربًا أهلية أو أيام شؤم، لكنها لم تكن ثورة".. حين سأله الصحفي عن خطته للعودة إلى المشهد السياسي في ليبيا، أجاب: "لقد قضيتُ عشر سنوات بعيدًا عن أنظار الليبيين. عليك أن تعود إليهم خطوةً خطوة. مثل راقصة تعرٍّ”، مضيفا "عليك أن تلعب بعقولهم قليلًا"..

ثلاثة عناوين كبرى في لقاء سيف المفترض: ليبيا كانت لنا وافتكت منا.. من افتكوا منا ليبيا فاشلون.. عازمون على العودة.. عودتنا ستكون متدرجة ووفق خطة دعائية تتلاعب بالعقول..

هل توقف زمن سيف القذافي وتفكيره السياسي في 2011.. شواهد كثيرة في اللقاء المفترض تدفع في اتجاه هذا الاستنتاج.. ولكن هل توقف المشهد السياسي والأمني والاجتماعي الليبي في تفاصيله أواخر 2011؟ وهل ظلت الحاضنة السياسية والاجتماعية المفترضة لسيف نفسها حاضنة 2011؟

لا يتطلب الأمر كثيرا من الشواهد للجزم بأن المشهد يختلف، جذريا، عما كان سائدا سنة 2011 وحتى سنتي 2012 و2013.. الأحداث في ليبيا متسارعة والمواقف متبدلة والتحالفات متقلبة.. من قاتل مع سيف وأبيه سنة 2011 انتشر، اليوم، بين قوات المشير خليفة حفتر، في الأغلب، وقوات الحكومات المتعاقبة على طرابلس، بصفة أقل، فيما غادر آخرون المشهد وانزووا في ليبيا وخارجها، وانتصب البعض الآخر لحسابه الخاص بسلاحه ومسلحيه وكتائبه..

ما يقال عن الحاضنة العسكرية والأمنية يقال مثله عن الحاضنة الاجتماعية والقبلية.. لم تعد الاصطفافات نفسها اصطفافات 2011، ولم يعد النظام الذي يوزع الغنائم والأعطيات والمناصب نفسه، وسارت حشود ومكونات وحواضن كثيرة وراء الماسكين الجدد بمواقع النفوذ والمال..

التعاطي الإقليمي والدولي نفسه تغير.. ظهر متدخلون ورعاة جدد، بعضهم يوفر الغطاء السياسي والإعلامي والمالي والبعض الآخر جاء بقواته وطائراته وعساكره وانخرط في قتال الإخوة الأعداء.. قد يكون لسيف رعاة وداعون إقليميون كما لغيره، وهذا معطى ذو دلالة في المشهد الليبي المتخم بالصراعات والتدخلات..

هل يكون سيف رقما يكسر المعادلات الجارية في ليبيا؟

كان الرجل صريحا، في لقائه المفترض، أنه عائد إلى المشهد، وأنه يمثل الحل لفشل الآخرين.. قد يكون موعد 24 ديسمبر القادم؛ التاريخ المقرر للانتخابات العامة، نصب عيني الرجل وهو يبشر بعودته، وهو يدرك، جيدا، أن أكثر من نصف القرار الليبي في يد المجتمع الدولي الذي قرر خريطة طريق للمتصارعين في ليبيا، وأن أي عودة مفترضة وجب أن تكون تحت ما تقرر..

وإلى حين 24 ديسمبر القادم، لازالت مذكرة الجلب التي أصدرتها محكمة الجنايات الدولية فاعلة، ولازال حكم الإعدام الذي أصدرته محاكم طرابلس قائما وإن تباينت ردود الفعل بشأنه، ويضاف إلى كل ذلك مذكرة الضبط التي أصدرها المدعي العام العسكري منذ أيام..

السياسة عالم اللامتوقع الذي يأبى الثبات.. ولكن قراءة المشهد السياسي واستشرافه، برصانة، بناء على مقدمات ومعطيات وفرضيات من شروط النجاح..



تقرير ليبيا المستقبل

لم يكن المشهد السياسي والأمني في ليبيا في حاجة إلى قادح جديد للجدل والخلاف حين نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية ما قالت أنه لقاء مع سيف الإسلام القذافي، من مقره في الزنتان، في الـ30 من يوليو المنقضي. فعلى بعد عشر سنوات من إلقاء القبض على الرجل أثناء محاولته الفرار إلى الجوار الإفريقي، جرت مياه كثيرة في الساحة الليبية، وتغيرت معطيات، وعقدت تحالفات ونقضت أخرى، ودارت حروب ومعارك، وقامت حكومات وبرلمانات وسقطت أخرى، وتدخل متدخلون إقليميون ودوليون لدعم هذا الطرف أو ذاك.. ليبيا اليوم، وبكل المقاييس، لم تعد ليبيا 2011..

لاشك أن للصورة وظائف كبيرة في التواصل والتسويق والإقناع وتوجيه الرأي العام، وهو ما بدا جليا في الظهور المفترض لسيف القذافي.. لحية منسدلة بعناية؛ اختلط فيها الأسود بالأبيض؛ واعتادها الناس في المجتمعات التقليدية المحافظة، دليلا عن الحكمة والوقار والهدوء.. ورأس معمم وعباءة سوداء من القماش الفاخر كالمرجعيات الدينية ومشائخ العلم، وكرسي فخم مذهب ارتبطت رمزيته بالملك والسلطة والجاه.. هكذا أراد سيف القذافي المفترض أن يظهر، أو هكذا أريد له..

لا تمنع سطوة الصورة والجدل الذي تبعها من طرح أسئلة بعيدة عن العواطف الجياشة للمهللين واللاعنين.. أين الحقيقة من الأمنيات في الظهور المفترض لسيف القذافي؟ ما الذي تغير في المشهد الليبي منذ الغيبة الكبرى لسيف؟ وما الذي تغير في سيف نفسه؟ وهل الطريق سالكة لسيف، فعلا، ليكون رقما يكسر المعادلات الجارية؟

لم تسلم الصورة التي نشرتها "نيويورك تايمز" من التشكيك في حقيقتها.. هل هي صورة سيف فعلا أم أن ما يجمع صاحبها بسيف مجرد شبه وتشابه؟ وبعيدا عن الأحكام القاطعة، فإن هذا التساؤل يظل مشروعا في ظل المؤثرات التقنية الرهيبة التي يشهدها عالم الصورة، وفي ظل عدم تأكيد الأمر من أي مصدر موثوق آخر شاهد سيف وعاينه.. الأمر، حتى الساعة، يتعلق بظهور مفترض لا بظهور قطعي وثابت..

من باب الاستشراف وبناء الفرضيات، لنفترض أن صاحب الصورة هو، فعلا، سيف بشحمه ولحمه وعمامته وكرسيه المذهب.. كيف يفكر الرجل وكيف يرى نفسه ويرى ليبيا بعد عقد من الغياب؟

عنونت صحيفة "نيويورك تايمز" مقابلتها المفترضة مع سيف بـ"ابن القذافي مازال حيا، ويريد استعادة ليبيا".. ويبدو أن الصحيفة صاغت الجملة الثانية من عنوانها بناء على ما أفصح عنه سيف في المقابلة.. "استعادة ليبيا"، بما تحمله من مضامين تحيل إلى "ملكية افتكت عنوة ودون وجه حق" في وقت سابق.. يقول سيف: "لقد اغتصبوا بلادنا وأذلّوها. ليس لدينا مالٌ ولا أمنٌ ولا حياة. إذا ذهبتَ إلى محطة الوقود، فلن تجد وقودًا. نحن نصدّر النفط والغاز إلى إيطاليا. نحن نضيء نصف إيطاليا ونعاني من انقطاع الكهرباء. ما يحدث تخطّى حدود الفشل. إنه مهزلة".. ويضيف: "إن ما حدث في ليبيا لم يكن ثورة. يمكنك أن تسميها حربًا أهلية أو أيام شؤم، لكنها لم تكن ثورة".. حين سأله الصحفي عن خطته للعودة إلى المشهد السياسي في ليبيا، أجاب: "لقد قضيتُ عشر سنوات بعيدًا عن أنظار الليبيين. عليك أن تعود إليهم خطوةً خطوة. مثل راقصة تعرٍّ”، مضيفا "عليك أن تلعب بعقولهم قليلًا"..

ثلاثة عناوين كبرى في لقاء سيف المفترض: ليبيا كانت لنا وافتكت منا.. من افتكوا منا ليبيا فاشلون.. عازمون على العودة.. عودتنا ستكون متدرجة ووفق خطة دعائية تتلاعب بالعقول..

هل توقف زمن سيف القذافي وتفكيره السياسي في 2011.. شواهد كثيرة في اللقاء المفترض تدفع في اتجاه هذا الاستنتاج.. ولكن هل توقف المشهد السياسي والأمني والاجتماعي الليبي في تفاصيله أواخر 2011؟ وهل ظلت الحاضنة السياسية والاجتماعية المفترضة لسيف نفسها حاضنة 2011؟

لا يتطلب الأمر كثيرا من الشواهد للجزم بأن المشهد يختلف، جذريا، عما كان سائدا سنة 2011 وحتى سنتي 2012 و2013.. الأحداث في ليبيا متسارعة والمواقف متبدلة والتحالفات متقلبة.. من قاتل مع سيف وأبيه سنة 2011 انتشر، اليوم، بين قوات المشير خليفة حفتر، في الأغلب، وقوات الحكومات المتعاقبة على طرابلس، بصفة أقل، فيما غادر آخرون المشهد وانزووا في ليبيا وخارجها، وانتصب البعض الآخر لحسابه الخاص بسلاحه ومسلحيه وكتائبه..

ما يقال عن الحاضنة العسكرية والأمنية يقال مثله عن الحاضنة الاجتماعية والقبلية.. لم تعد الاصطفافات نفسها اصطفافات 2011، ولم يعد النظام الذي يوزع الغنائم والأعطيات والمناصب نفسه، وسارت حشود ومكونات وحواضن كثيرة وراء الماسكين الجدد بمواقع النفوذ والمال..

التعاطي الإقليمي والدولي نفسه تغير.. ظهر متدخلون ورعاة جدد، بعضهم يوفر الغطاء السياسي والإعلامي والمالي والبعض الآخر جاء بقواته وطائراته وعساكره وانخرط في قتال الإخوة الأعداء.. قد يكون لسيف رعاة وداعون إقليميون كما لغيره، وهذا معطى ذو دلالة في المشهد الليبي المتخم بالصراعات والتدخلات..

هل يكون سيف رقما يكسر المعادلات الجارية في ليبيا؟

كان الرجل صريحا، في لقائه المفترض، أنه عائد إلى المشهد، وأنه يمثل الحل لفشل الآخرين.. قد يكون موعد 24 ديسمبر القادم؛ التاريخ المقرر للانتخابات العامة، نصب عيني الرجل وهو يبشر بعودته، وهو يدرك، جيدا، أن أكثر من نصف القرار الليبي في يد المجتمع الدولي الذي قرر خريطة طريق للمتصارعين في ليبيا، وأن أي عودة مفترضة وجب أن تكون تحت ما تقرر..

وإلى حين 24 ديسمبر القادم، لازالت مذكرة الجلب التي أصدرتها محكمة الجنايات الدولية فاعلة، ولازال حكم الإعدام الذي أصدرته محاكم طرابلس قائما وإن تباينت ردود الفعل بشأنه، ويضاف إلى كل ذلك مذكرة الضبط التي أصدرها المدعي العام العسكري منذ أيام..

السياسة عالم اللامتوقع الذي يأبى الثبات.. ولكن قراءة المشهد السياسي واستشرافه، برصانة، بناء على مقدمات ومعطيات وفرضيات من شروط النجاح..