أهم الأخبار

حوار: الطاهر العبيدي يلقى عليه القبض متلبسا في تونس؟!

الطاهر العبيدي | 2016/10/17 على الساعة 17:03

 

حاورته عن المركز الدولي للتواصل الإنساني بباريس د. مريم خوري


لماذا ألقي القبض على "الطاهر العبيدي"؟ ومن هي الجهة التي اعتقلته؟ ولماذا الآن؟ وما هي التهمة الموجهة له؟ لمعرفة كل تفاصيل وحيثيات هذا الاعتقال، ندعوكم جميعا لتكونوا شهودا على هذا الحوار...

- سافرت في الفترة الأخيرة إلى تونس للاطمئنان على الوالد والوالدة وأخواتك البنات، فكيف تغيّر برنامجك من زيارة الأهل والبلد إلى فعل إعلامي وحراك ثقافي، وصلتنا أصداءه وتفاعلاته هنا في باريس؟

بداية أشكرك سيدتي على هذه اللفتة والاهتمام، ومن خلالك أحيي كافة أعضاء "المركز الدولي للتواصل الإنساني بباريس" وعلى رأسهم الصديق العزيز الكاتب المتميز "جوزيف غطاس كرم"، لجهودهم المتعددة الأبعاد، هذه الأسرة المتنوعة الاختصاصات والرؤى، والملتقية حول المشترك الإنساني.

"كنت حاضرا منذ سنة 93 إلى سنة 2011 ليس كشاهد فقط، بل كأحد الفاعلين في هذا الحراك، الذي توّج بتهاوي نظام القهر والاستبداد"

الحقيقة كما تفضلت كانت زيارتي إلى تونس لرؤية الوالد والوالدة والاطمئنان على صحتهما، غير أنه ألقي عليّ القبض متلبّسا بحملي لدفاتر المهجر من طرف القاضي "نبيل السمعلي"، بتواطؤ مع السجين السياسي السابق المناضل "مراد العوني"، وبسند مستتر وإيعاز خفي وراء الستار، من طرف شريك النضال، وصديق المنفى أستاذ الرياضيات بباريس"منصف بوسحاقي"، الذين مشكورين جدّا ثلاثتهم قد جعلوا من زيارتي رحلة تحت الأضواء.. وقد شرّفني رئيس المكتب الجهوي "لهيئة الحقيقة والكرامة بالكاف" الأستاذ "نبيل السمعلي" بجلسة حوارية مفتوحة مع  طاقم المكتب، الذين وجدتهم من الشباب والشابات المثقفين ومن ذوي الحس الوطني الراقي. فكانت جلسة حميمية، تطرّقت فيها بشكل عمودي وأفقي حول الفعل المهجري الذي مهّد للثورة، وساهم في تشقيق جدران الاستبداد. وكان حصنا واقيا للداخل وسندا له وبمثابة الرئة التي يتنفس بها، حيث ضل المهجر حاضرا في كل المحطات سواء من خلال الانخراط أو المبادرات ومساهما مساهمة فعّالة في التعريف بالمظالم، من خلال الاشتغال على ثلاثة مستويات الجانب السياسي والإعلامي والحقوقي، فكان كتيبة إسناد للداخل، ومنخرطا في عملية فك الحصار، وتعرية نظام الاستبداد، والمساندة والتضامن، وخلق المبادرات، وإحراج النظام أمام العالم من خلال التحركات والاحتجاجات، وإضرابات الجوع، والاعتصامات والتحركات ونشر العرائض، وغيرها من أشكال المقاومة السلمية المدنية. ليضلّ المهجر طيلة 20 سنة حاضرا وحيويا، ومناهضا لسياسة الاستفراد وخنق الحريات وعسكرة البلاد. وقد كنت حاضرا منذ سنة 93 إلى سنة 2011 ليس كشاهد فقط، بل كأحد الفاعلين في هذا الحراك، الذي توّج بتهاوي نظام القهر والاستبداد.

 

 

- من هي الجهة التي قامت بدعوتك للإلقاء محاضرة وتكريمك وتشريف كتابك حفريات في ذاكرة الزمن؟

الدعوة جاءت من طرف "هيئة الحقيقة والكرامة"، لقد رتّب هذا اللقاء كل من رئيس "المكتب الجهوي بالكاف لهيئة الحقيقة والكرامة"، "نبيل السمعلي"، بالتنسيق مع الأستاذ "عادل المعيزي" رئيس "لجنة حفظ الذاكرة"، والآنسة "بسمة الهمامي"، والمناضل "خالد الكريشي" نائب رئيس "هيئة الحقيقة والكرامة". ليكون الموعد يوم الجمعة 25 أوت 2016. وقد كنت من اختار عنوان المداخلة "ذاكرة المهجر"، الذي هو ركن اكتب باسمه منذ سنوات بعد الثورة بموقع "الصحفيين التونسيين بصفاقس". وكنت أنوي التطرّق في هذه المحاضرة إلى الجوانب الثلاث السياسي والإعلامي والحقوقي منذ سنة 1993 إلى عام 2011، بحكم معايشتي لهذه المرحلة من الفعل المهجري. غير أنه تغير البرنامج بطريقة غير مفهومة، واكتفيت بالحديث باختصار عن رحلة التيه إلى المنفى ومعاناة عائلتي.

- من هي الشخصيات التي التقيتها في مؤسسة "هيئة الحقيقة والكرامة"، وهل قابلت السيدة "سهام بن سدرين"؟

لقد تشرّفت بالتعرف على الأستاذ "نبيل السمعلي" رئيس المكتب الجهوي "لهيئة الحقيقة والكرامة بالكاف"، وقد لمست فيه إلى جانب رحابة الصدر والحماس المعقلن، وفهم المعادلات السياسية، والحرص على إنجاح التجربة والنباهة والأفق الرحب، والانفتاح في التعامل. وجدته ودودا ومسكونا بالوعي الوطني، والحرص من موقعه على تجسيد مسار العدالة الانتقالية. كما اكتشفت العديد من أعضاء هيئة "الحقيقة والكرامة" المنحازين للذوق والإبداع، فتعرّفت عن قرب على الأستاذ "عادل المعيزي" رئيس "لجنة حفظ الذاكرة"، الذي يحمل بين طياته شاعرا يكتب للإنسان للحلم للوجع للأرض للوطن، كما تدل آثار ديوانه "يوميات شعرية".

"جمعتني و"سهام بن سدرين" سنوات النضال المشترك، وليس بيني وبينها أي مشكلة أو صدام"

كما التقيت هاتفيا ضمن مكالمة حميمية مطوّلة رئيس المكتب الجهوي "لهيئة الحقيقة والكرامة بمدينة جندوبة" الأستاذ "معز العكايشي"، الذي وجدته فارسا من فرسان الكلمة الواعية التي تؤسس لنحت الوعي والذوق، من خلال مساهماته ودواوينه الشعرية المنحازة للإبداع. فقد استطاع الجمع في توليفة استثنائية بين ثنائية الاختصاص في القانون والميولات الشعرية، التي هي هاجسه من أجل تثوير ثقافة التفعيلة المستيقظة من بين حنايا وهضاب مدينة "بلاّريجا". دون نسيان زميل النضال في السنوات العجاف، وأعوام الاستبداد، المحامي "خالد الكريشي" نائب رئيس "هيئة الحقيقة والكرامة"، الذي اختار منذ زمن الكتابة بحبر يحمل عبير القيروان، ولون المدن العطشى للعدل والإنصاف. ليكون كاتبا وشاعرا يعتني بجمال العبارة، واستنطاق الصمت المدجج، مثلما يترجمه كتابه "مرايا العشق ومرايا الثورة"..وبذلك أكون قد التقيت كتيبة إسناد من الشعراء، الذين تمركزوا على حدود التماس، من أجل التصدي للرداءات ومن أجل كتابة انقلابية ضد سكونية الحجر وضد الصمت المتواطئ، إضافة إلى الآنسة "بسمة الهمامي" عن "هيئة حفظ الذاكرة"، التي رأيت فيها المرأة التونسية المنحازة للفعل والإنجاز، والمنتصرة على الثرثرة والكلام..وعن السيدة "سهام بن سدرين" فإني لم ألتقيها، ولا أرى سببا مقنعا لهذا الغياب، فقد برّر عدم حضورها بأنها مسافرة. وللإشارة فقد جمعتني و"سهام بن سدرين" سنوات النضال المشترك، وليس بيني وبينها أي مشكلة أو صدام.

- ما هو الموقف الذي بقي أثرا ومؤثرا في ذهنك أثناء المحاضرة؟

قبل دخولي لقاعة المحاضرة، فاجئني ابن العم وابن الخالة المحامي "مراد العبيدي"، حيث كان قد سألني يوما قبل الموعد، إن كنت قد أتيت معي من باريس ببدلة، فأجبت بالنفي لأن الطقس شديد الحر، لاكتشف أنه اشترى لي بدلة وأصرّ أن أرتديها قبل دخولي للمحاضرة. مضيفا أن هذا يوم عرسك. واضطررت إلى تغيير ثيابي في سيارته دقائق قبل المحاضرة. وكان هو من يقوم بضبط البدلة، وترتيب ربطة العنق، وقفل أزرار القميص، ورشّ العطر. ورغم أني أكبر منه سناّ، إلا أني أحسست أني أخوه الصغير الذي يعتني به. حيث كان يتفقد كل كبيرة وصغيرة. لقد كان موقفا مؤثرا جدا، جعلني أشعر بخليط من المشاعر، التي ضلت  متحجرحة في الذاكرة والوجدان تجاه هذه الحركة المعبّرة  والنبيلة، التي تعكس قمّة الأخوّة الصادقة. ما جعلني لأوّل مرة  أنتصر على ذاك الوجع المر، الذي ضلّ يصاحبني طيلة حياتي ويؤرقني، وهو فقداني لأخ من رحم أمي، ليكون هذا اليوم انتصارا على أرقي المزمن، حين اكتشفت أخ لي يسمى "مراد بن الحاج علي العبيدي"، أثبتت وجوده العديد من المواقف الصادقة، والتعامل الأخوي التلقائي، والكثير من المعاملات الراقية تجاه عائلتي طيلة سنوات غيابى في المنفى..كما كانت زوجته المحامية "نجيبة زكي" مسرورة جدا باكتشاف عم لأبنائها خصوصا وأن زوجها هو الأخر لا يملك أخ بيولوجي.

- أنت أحد الفاعلين الإعلاميين في المهجر، ومنذ 20 سنة كنت حاضرا إعلاميا وميدانيا ومنخرطا في كل المبادرات. فلماذا هذه المرة فقط وقع الانتباه إليك، وإلى كتابك "حفريات في ذاكرة الزمن" بعد مرور 6 سنوات من الثورة التونسية؟

"وبعد الثورة لا أحد حاول حتى الاتصال بي. وليس هذا من باب المنّ أو الشكوى والتباكي، بل تأكيدا على قيمة إنسانية نبيلة وهي الوفاء"

سئلت هذا السؤال من طرف الزميلة الصحفية بوكالة تونس إفريقيا للأنباء "أمل إدريس" مشكورة جدا على جهدها وحوارها معي. وللإجابة عن سؤالك فأنا أحيلك أولا على الزملاء الصحفيين التونسيين على اختلاف توجهاتهم، الذين كنت سندهم أعوام الحصار وهم يشهدون بذلك. فقد تبنيت قضاياهم باسم "منظمة الصحفيين الأفارقة بالمنفى" التي كنت الكاتب العام لها ثم رئيسها. وقد قمنا بنشر مئات العرائض والبيانات جمعنا فيها العديد من صحفي العالم للمساندة والتضامن، والضغط على نظام بن علي، وساهمنا في العديد من التحركات لفائدة زملائنا. وكنا في حالة استنفار مستمرة كلما تعرّض أي صحفي تونسي للمضايقات أو التتبعات، وعلى سبيل الذكر لا الحصر أسوق لك بعض أسماء الصحفيين الذين ساندتهم، ولنا في ذلك وثائق تاريخية تدعم قولنا منهم مثلا "الفاهم بوكدوس"، "لطفي حجي"، "نقابة الصحفيين"، "رشيد خشانة"، "محمد الفوراتي"، "شهرزاد عكاشة"، "عادل الثابتي"،"سهام بن سدرين"، "سليم بوخذير"، "عمر المستيري"، " محمد الحمروني" وغيرهم... وبعد الثورة لا أحد حاول حتى الاتصال بي. وليس هذا من باب المنّ أو الشكوى والتباكي، بل تأكيدا على قيمة إنسانية نبيلة وهي الوفاء، الذي للأسف استبدل بالنكران والجحود. كما أحيل جزء من سؤالك على السياسيين سواء من كان فيهم في الحكم أو المعارضة، الذين غطيت إعلاميا كل تحركاتهم ومبادراتهم، وحاورت أغلبهم في الصحافة العربية الدولية، وكذلك الحقوقيين الذين سوّقت صحفيا فعلهم وانجازاتهم، وكنت منخرطا في حراكهم من أجل الاستنصار للوطن الحر.. وأستسمحك هنا أن أحيّي الزملاء والأصدقاء في موقع "الصحفيين التونسيين بصفاقس" الذين كانوا عائلتي، وكانوا أوفياء لمعنى الزمالة، ويقدرون قيمة النضال الإعلامي.. كما أحيي المذيعة المتميزة "حليمة الهمامي" في إذاعة "الصراحة أف أم"، التي كانت على تواصل معي منذ الثورة، هذه الإعلامية الجريئة التي تجمع بين المهنية وشيم الوفاء، كما أحيي الصديق الصحفي "هادي يحمد" الذي بقي وفيا لصداقة النضال.

من قابلت من السياسيين التونسيين؟

"جالست الصديق الفيلسوف "الحبييب الشارني" الذي هو الآخر كان مهموما بالوجع الثقافي"

لا أحد منهم، وفي المقابل التقيت الصديق العزيز في بيته وأسد النضال "نجيب الحسني" وكان لقاء ممتعا، فيه الكثير من الود وذكريات النضال المشترك، وحديثا من القلب إلى القلب، واسترجاع لبعض صفحات البلد.. كما قابلت بعض المثقفين، منهم الأستاذ "رضا حمدي" مؤلف كتاب "رؤيا خير الدين باشا"، هذا الكتاب المهم، والذي يعتبر وثيقة نادرة تجمع بين التاريخ والسياسة والاجتماع، كتبت بعيون مفتوحة على الماضي للاستلهام من أجل تعزيز وإسناد الحاضر، والاستفادة عند استشراف الآتي.. وكان اجتماعا مثمرا وقد اقترحت عليه تجميع بعض المثقفين الأحرار، لبعث مركز دراسات في الفكر السياسي يعتني بالمبدعين، ويساهم في نشر ثقافة الفكر النير والحر، وقد تفاعل إيجابيا مع مقترحي. كما جالست الصديق الفيلسوف "الحبييب الشارني" الذي هو الآخر كان مهموما بالوجع الثقافي، ويعتبر أن الثورة التونسية تبقى ثورة عرجاء ما لم يتجند لها المثقفون، وما لم يكن لهم دور في مرافقة الثورة نحو التنضيج والانطلاق، والمشاركة الفاعلة في تنمية العقول، وتجسيد ثقافة المؤسسات.. كما كان لي حديث مع السجين السياسي السابق، الذي اعتقل وهو طالب في الحقوق  "رياض الخياري"، المهتم بالطرح الفكري، ومستاء من القحط الثقافي، ويبحث قبل المرور وطي الصفحات إلى إعادة قراءة موضوعية نقدية لمحنة الإسلام السياسي في تونس. كما لم يفتني لقاء صديق الطفولة والصبا والشباب "الحبيب بورزقي"، المثقف الحر، وصاحب الوعي الذي يختزن تاريخا معبأ بالمعرفة والاطلاع والقراءات المتنوعة والذات المخفية والرفض القطعي والمستتر لكل الرداءات وعسكرة البلاد  بحكم موقعه الحساس سنوات الاضطهاد والجمر ليظل ذاك الشريف  المنحاز من وراء عيون العسس والوشاة إلى شرفاء وأحرار الوطن . هذا وقد عرفت عن قرب صاحب كتاب "مضايا صراع الذاكرة والجدار"، "مراد العوني"، وقد رافقني في بعض السفرات من مدينة "الكاف" إلى تونس العاصمة، فعرفت فيه الإنسان الريفي الكريم، ذو القيم والأخلاق، سريع الولوج إلى القلب، لا تفارقه البسمة التلقائية. كما وجهه البريء الذي يحمل دون طلاء الطيبة المتأصلة، والود العفوي. وبين تقاسيم هذا الوجه الأليف كان يخبئ مسحات من حزن خفي ومن وجع مستتر، طبعته سنوات السجن وعذابات المعتقلات، ومع ذلك ما يزال يشتعل حيوية وحركية، منتصرا على كل ما فات من أعوام زمن المحنة، وزمن الغصّة، وزمن الغمّة..كما تواصلت هاتفيا مع الصديق "مهدي الغربي" بالسويد مؤسس "تونس نيوز"، هذه المدرسة الإعلامية التي كانت زمن المنفى خيمة منصوبة لكل لألوان السياسية والفكرية دون تمييز ولا إقصاء، ووجدته جدا مستاء وهو الآخر يحمل وجعا عنوانه عدم الوفاء، الذي لا يستثني منه أحدا، سواء حكومة أو معارضة، أو إعلاميين أو نشطاء.

كلمات مفاتيح : تونس، الطاهر العبيدي،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل