أهم الأخبار

خواطر خاطرة.. المولد الشريف بين عهدين

محمد نجيب عبد الكافي | 2022/10/12 على الساعة 18:04

مرّ قبل يومين مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وأنا قابع في بلاد الغربة، حيث لا شيء من أجواء ومباهج وأضواء وأفراح هذه المناسبة الكريمة الشريفة العظيمة. حزِنَت النفس بدل الفرح والبهجة، وثقُل البعد والغربة طوال اليوم والليلة، وتزاحمت الأفكار، وهاجت الأحاسيس، وسيطرت الذكريات، فبدت وجوه عُرفت، وأصوات سُمعت، بالذكر والترتيل والأناشيد ارتفعت، وقناديل لمعت، وأهازيج تُليت، وأفواج الأطفال ترنحت، بجديد الملبوس فرحت، مشاعيلها وشموعها رفعت، وقصائد المديح أنشدت، في كل حي وشارع مرّت، ذكّرت فأنطقت السامعين، صلواتهم على النبي المصطفى الأمين، أبي الزهراء فاطمة، فبرز الإيمان في الخشوع، والتأثر في الدموع، دموع التقوى وعميق الإيمان، بالله الديان، ونبيه الإنسان، باعث الرحمة والحنان، موحد الخلق بتوحيد الرحمن، الذي وعد المؤمنين منهم بالجِنان، حيث قاصرات الطرف لم يطمثهن قبلهم إنس ولا جان.

فقدتُ كل هذه المظاهر البهيجة، والأجواء الدينية المهيجة، لكل شعور وذكرى، فعوضت الواقع بالخيال. نزلت إلى مكتبتي، وبحثت عن كتابي الذي دونت في صفحاته "عادات الليبيين في المواسم الدينية" وجعلت أقرأ وأتخيّل: حتى روت نفسي بجميل ما تذكرت، ولطيف ما تخيلت، إلى أن وسوس الشيطان فذكرني بالواقع اليومي، فإذا بي في ليبيا اليوم، ألمس الشقاق والتفرقة، بعد التوحد والوحدة، والتشاتم والتقاتل، بعد التلطف والتسامح، والخنوع والتبعية، بعد الأنفة والشموخ، وانتهيت عند "أنا والغريب على ابن عمّي، بعد" أنا وابن عمّي على الغريب.

سبحانك ربي مغيّر الأحوال. وصدق من قال: "النار تخلّف الرّماد" فها نحن نلاحظ "بئس الخلف لنعم السلف" بدل  نعم الخلف لخير سلف". فبقيت أدعو الله أسأله الهداية، لكل ضال عن السبيل السوي، والرعاية لكل مخلص سار على السبيل المستقيم، وبجاه من نحتفل بذكرى مولده الشريف، أن يزرع في قلوب الجميع بذور الإيمان والتحلي بالحنان، وأن يوحد كلمة شعوبنا ويهديها الى السراط المستقيم، لأننا في عصر قلَّت فيه الرحمة، وطغى القوي بقويته، وخضع الضعيف لمحنته، فأهملت القيم، وكثرت النقم، حتى أصبحنا لا نصدق ما نشاهد في ليبيا أو نسمع عنه، ولا يسعني في هذه المناسبة الكريمة إلا التذكير بقول الله عز وجل، عسى أن يكون في تذكيري كلامَ الخالق الهادي، إثارةُ الضمائر، وتحسيس العقول والقلوب. يقول سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانً}. ألف الله بين قلوب إخواننا الضالين، أو المغرورين، حتى تعود ليبيا لما كانت عليه وأحسن. إني وأمثالي الذين عرفنا ليبيا وما فيها وعليها، لا نزال آملين أن نرى ليبيا حرة من أي تأثير أو خداع فاسد مضر، ونراها ترفل في العز والاستقلال في الرأي والقرار والعمل، تحتل أو تعود الى مرتبتها في الصف الأول ضمن المجموعة العربية، ومن الأوائل في إطار المجموعة الدُّولية. هذا وإني وأمثالي واثقون بأن بليبيا سينهض المصلحون فيها فيعملون بقوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون.

وبما أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فإننا لا نيأس بل نأمل وسيحقق أملنا قريبا بحول الله وعونه، وبتصميم وعزيمة الكثيرين في كل ركن من أركان ليبيا العجوز الفتية، فتُبعث فتكون عبرة ومثالا يقتدى.

محمد نجيب عبد الكافي 

مدريد 10-10-2022

* الصورة: احتفالات المولد النبوي الشريف طرابلس، تصوير علي جواشي.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل