أهم الأخبار

يونس الفنادي: الميعاد وحكاياته مع الدكتور برهانة

ليبيا المستقبل | 2022/05/11 على الساعة 22:25

ليبيا المستقبل: عندما خصّني الصديق العزيز الدكتور/ علي برهانه بنسخة من إصداره الجديد (حكايات الميعاد: حكايات من المأثور الشعبي الليبي) في لقاء جمعنا خلال شهر رمضان المبارك، لم ألتفت في حينها إلى ذاك العمل البحثي التجميعي الذي يوثق لعدد كبير من الرواة المختلفة أعمارهم ومدنهم وجنسهم الذكوري والأنثوي وأسلوب سردهم الشفهي والكتابي.

وحين تمعّنتُ مؤخراً في صفحات الكتاب وجدتُ أن تصنيفه يتعدد بين الأدبي والتراثي والتاريخي والاجتماعي لما يقدمه من أحاديث وحكايات ومعلومات، ويتيحه من استنتاجات يمكن الوصول إليها أثناء تأمل تلك الروايات المحكية والبحث في ثنايا سطورها وما تحمله من قيم إنسانية وإرث إبداعي وتقاليد وطنية ومعلومات ومعارف جمة.

ولقد أجاد الدكتور علي برهانة في اختيار الأستاذ/ عبدالرحمان أيوب لتقديم كتابه، ليس بحكم متانة العلاقة الشخصية الثنائية بينهما فحسب، بل لدرايته بقيمة هذا العمل ومصاحبته لمؤلفه واطلاعه على جوانب من المعاناة التي كابدها في الاهتمام بالموروث الشعبي شعراً وحكاياتٍ وغيرها، وبالتالي مثّلت المقدمة إضافةً مهمة للتعريف بحكايات الميعاد.

ويمكن أن نقسم الكتاب الذي جاء في حوالي مائة وخمسين صفحة إلى جزئين، يختص الأول بالميعاد وتعريفه ومدى ارتباطه بالحكي والقص والسرد، ثم المجال الجغرافي والاجتماعي والوسط التعليمي الذي تتنشر فيه حكايات الميعاد، ولغتها الفنية المكثفة الخاصة أو التفصيلية السردية الوافية، وسياقاتها وأسلوبها السردي المتباين بين الشفهي العفوي والكتابي الدقيق.

كما يتناول المؤلف في هذا الجزء تعريف "المصطلح" وقضيته الشائكة بعدم الاتفاق على مفهوم ثابت ومحدد ومشترك حياله وهو ما يجعل الجدال مستمراً حول تصنيف بعض الموروثات الشعبية، وقد استعرض الدكتور علي برهانة مقترحين في هذ الجانب الأول للأستاذ عبدالحميد يونس، والثاني للأستاذ مصطفى يعلى، محاولاً الجمع بينهما لاعداد منهج موحد للدارسين المختصين. ويختم المؤلف هذا الجزء بتوضيح عملية جمع الحكايات التي خبرها بحكم أصوله ونشأته في عائلة بدوية تعتمد على التعبير الشفهي وسرعة البديهة، ومحيطٍ اجتماعيٍ أسري وقبلي به العديد من الرواة الذين تعامل معهم مباشرةً، ونقل عنهم حكايات الميعاد وذكر جلَّهم بالاسم، وهذا بلا شك جهد توثيقي يستمد معلوماته من أصولها الحقيقية ومصادرها الأساسية مما يجعله يتميز بدرجة عالية من المصداقية والصحة والدقة.

ويعتبر الجزء الأول تمهيداً وافياً وإعداداً كافياً لمنح القاريء دخولاً سلساً للتجول في دروب الجزء الثاني الذي سمّاه (المتن) وهو عنوان جامع يشير إلى المحتوى العام والمضمون الأساسي للكتاب وهو الحكايات، وتحديداً حكايات الميعاد، أي هدرزة اللقاءات أو قصص وروايات الجلسات النوعية الخاصة أو العامة أثناء المناسبات كافةً.

وجاء (المتن) متضمناً أربعة أنواع من الحكايات هي: الأسطورية، والمثلية، والشعبية، والمرحة. وقد حظيت "الحكايات الشعبية" بنصيب وافر ومساحة أكبر في (المتن) والكتاب بشكل عام، وهي تتسلسل بأرقام متتابعة محددة بأسماء رواتها، ومشروحة بهوامش سفلية تزيدها توضيحاً وفهماً من خلال تقريب معانيها لذهن وفكر القاريء.

وفي خاتمة كتابه (حكايات الميعاد) يحث الدكتور علي برهانة على الاهتمام بالموروث الشعبي وجمع حكاياته وأشعاره وكل ما يتعلق به، وهذا بلا شك يبرز غيرةً شخصية ًوعشقاً لتراث هذا الوطن، واعتزازاً بالانتماء إليه وبذل الكثير من الجهود الإبداعية التي تعزز هويته الليبية وتظهرها في مثل هذه الأعمال.

وأخيراً.. إن كانت (سيرة بني هلال) أو (السيرة الهلالية) في بحوثها ودراساتها الحديثة في ليبيا قد ارتبطت بالدكتور علي برهانة، فإن (حكايات الميعاد) تظل امتداداً إبداعياً لكل ذاك الشغف والعشق والجهد والمثابرة التي ولدت معه منذ بدايات وعيه المبكر بهذا الموروث الوطني، فعمل على إهداء المكتبة الليبية والعربية هذا الإنجاز النفيس المهم الذي يتيح لكل من الباحث المتخصص في الدراسات التراثية، والقاريء للأدب الشعبي، والعاشق المتأمل والمتدبر في الحياة الماضوية فضاءاتٍ واسعةً من الحكايات التراثية الممتعة بجميع أنواعها المتعددة ومعانيها ودلالاتها الإنسانية العميقة.

فالشكر كل الشكر على هذا الجهد الذي بذله المؤلف في (حكايات الميعاد) الذي أمل أن يحظى باهتمام المؤسسات الوطنية المتخصة في التاريخ والأدب والتراث، ونقود الأساتذة الأكاديمين المتخصين، وتحفيز البحاث الشباب للسير على درب الشيخ الشاب الدكتور علي برهانه مع وافر تمنياتي له بدوام الصحة والتوفيق والمزيد من العطاء.

يونس شعبان الفنادي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل