أهم الأخبار

خواطر رمضانية.. حل العيد فأهلا

محمد نجيب عبد الكافي | 2022/04/27 على الساعة 14:44

يهل العيد ومعه تهل الأفراح، وتُبعد الأتراح، ويعم السرور والانشراح، خاصة لدى الأطفال بما ينتظرون من ملبوس جديد، وهدايا العيد، والمرطبات اللذيذة الشهية. يحل العيد وينتهي الصيام، فيتوّجه الصائمون بالزكاة والصلاة، وبما أمر الله وأوصى من تسامح، وعفو، وغفران خطايا وسيئات، بين المؤمنين. كل هذا يأتي بعد أداء صلاة العيد والعودة إلى البيت ودفئه، وأجوائه المرحة الفرحة…

لكن لا نبالغ إذا قلنا، إن أبرز شخصية يوم العيد هي "بوطبيلة " الذي كان يرافق الصائمين طوال الشهر المبارك، بطوافه على بيوتهم موقظا إياهم كي يتناولوا سحورهم فيمسكون. اسمه واحد في كثير من البلدان الإسلامية، ولو أن بعض الشرقيين يسمونه المسحراتي. رغم أن مهنة "بوطبيلة" أو طبال السحور في طريقها إلى الاندثار، أو قل اندثرت، فإن هذه الشخصية لا تزال ومازالت حاضرة في الذاكرة، وفي بعض الأحياء، ومازال بوطبيلة بعد نهاية شهر رمضان، يُعبّر عن تهانيه بالعيد، لأهالي الحي الذي يجول فيه بطبلته، باعثًا الفرحة في قلوب الأطفال، الذين كثيرًا ما يلاحقونه منشدين وراءه، بعد أن سلموه ما كتب الله من أجر، كلفهم أولياؤهم بتسليمه إياه. 

عادات عيد الفطر كثيرة، يختلف فيها ما ليس فرضا أو سنة، بين بلد وبلد، ومدينة وأخرى، وحتى بين الأحياء والعائلات. اندثر كثير من تلك العادات، وصمد البعض، فها نحن نذكر منه ما لا يزال عالقا بالذاكرة، أو محافظة عليه بعض العائلات هنا وهناك. ألطف هذه العادات، أو من ألطفها، ما كان يسمّى في تونس مثلا، حق الملح يقصدون ثمنه أو مقابله. وحق الملح هو هدية تقدم للمرأة يوم العيد، مقابل اضطرارها أحيانا -عند إعدادها الطعام الرمضاني لأسرتها- إلى تذوّق الأكل دون ابتلاعه، للتأكد من اعتدال ملوحته. 

أما طقوس هذه العادة، فهي تبدأ بما هو شائع، مثل خروج الرجال مبكرا لأداء صلاة العيد، وتبقى النسوة في البيت للاهتمام بملابس الأطفال، وتحضير الطعام، وترتيب البيت، ووضع البخور، ثمّ تتزين وتلبسن الجديد، وفي النهاية تُحضرن القهوة والمشروبات والحلويات، في انتظار عودة المصلين، إن لم تكن بينهم وأحضرن ما هو واجب قبل الخروج إلى الصلاة. بعد العودة، تأتي العادة الشاملة التي لا تغيب عن مكان وهي "لمّة العائلة" إذ تجتمع العائلات في بيت واحد، لتناول وجبة الغداء، بعد الجولات على الأقارب والأصدقاء والجيران، والتهنئة بالعيد. يبدأ الأنس في هذه اللقاءات، وتصفو القلوب والأنفس، ويطلب العفو عما ارتكب من أخطاء بين البعض والبعض، وتتبادل التهاني والتمنيات، حول المشروبات والحلويات والمرطبات. 

عُرفت في تونس، كما أسلفنا، عادة كانت تسمّى حق الملح التي تتمثل في تناول الزوج مشروبه، لكنه لا يرجع الفنجان أو الكأس فارغا، بل يضع فيه خاتما أو قطعة مصوغ (ذهب) أو نقودا، ليكون هدية لزوجته، تعبيرا منه على امتنانه وشكره إياها على مجهودها الذي بذلته خلال شهر رمضان المبارك. أكلات وأطباق يوم عيد الفطر، متعدّدة بتعدد المناطق والمدن والقرى والعائلات، فتختلف باختلاف الأذواق، وما ورثته الأجيال بالتتالي. فما يلفت الأنظار منها يوم العيد، هو إصرار الأغلبية على ارتداء اللباس القومي الجميل، وهو رغم التشابه، يختلف بين المناطق الليبية الكثيرة الشاسعة. عيد الفطر يأتي بعد شهر الصيام، أي بعد الجوع وكثرة الشهوات، فلا غرابة أن تكثر وتختلف أنواع الأطباق يوم العيد. فهنا العصيدة، وهناك مقطع الحليب، وبعيدا عنه طبق السمك. في الجنوب يُقدّم طبق “أساروف” أي طلب المغفرة عما أوتي من أخطاء وزلات، وطبق “التارويث”، وهو عبارة عن طبق من عشبة الملوخية. هذه الأكلة هي طبق يوم العيد في تونس أيضا. 

ما دمنا بتونس، فلنذكر منها عادة غريبة، وضحها الأستاذ رمزي المحواشي، المختص في علم الأناسة أو الأنثروبولوجيا، والباحث بالجامعة التونسية. يقول الأستاذ: ”الاحتفال في بعض القرى مثل السرس، ودشرة نبّر، والدهماني، والطويرف، وغار الدماء، من ولاية الكاف، مكانه الأساسي مقبرة القرية، التي تتحول إلى المكان الأهم في الاحتفال، في تماه بين الموت والحياة، إذ تزول تلك الحدود الواهية بين الحياتين، فتتحول دموع ذكرى الميت إلى نوع من الاحتفال، واستحضار روح الميت من أجل المشاركة في فرحة العيد". عادة غريبة حقا. لكن إن نظرنا فيها بعين البصيرة والتفهم، وجدنا فيها تعبيرات عديدة أولها عن إيمان باليوم الآخر، والحياة الآخرة، فلقاء الصالحين والأحبّة، بين يدي الله وبعد الحساب. لله في خلقه شؤون، ومنه نسأل لكم ولنا قبول الصيام والدعاء، وتثبيت الإيمان، وكل عيد والجميع بخير وسلام.

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 14-4-2022

* الصورة: عدسة الفنان المهندس علي العكشي.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل