أهم الأخبار

خواطر رمضانية.. شهر شعبان

محمد نجيب عبد الكافي | 2022/04/13 على الساعة 20:41

كان شهر شعبان، ويا ليت ما كان عاد، شهر الاستعداد والتهيئة لشهر رمضان الكريم، الذي كان له – لعله لا يزال – في قلوب الناس وعواطفهم، مشاعر جمعت بين الروحاني الإيماني، وبين الدنياوي المادي، تتجلّى وتظهر في تصرفاتهم وأقوالهم وما يفعلون. 

كان شهر شعبان، خاصة نصفه الأخير، فترة الاستعداد وإحضار حاجيات ولزوميات الشهر الفضيل، شهر العبادة والتقوى، وشهر الأطعمة والمحليات الخاصة، غير مألوف بعضها، يحتاج إلى مواد نادرة تُجلب من الخارج بعناية التجار المتخصصين. تكثر طلبات النساء، وبكثرتها تفرغ جيوب الرجال وتتعب أرجلهم، فتثقل سلالهم بما يشترون، وهم طائعون لا يشتكون، لأنهم للذيذ الطعم منتظرون. كثرة طلبات النساء هذه، تأتي لهن بأتعاب، هن بها راضيات فرحات، لأنهن بما سيصنعن مما طلبن من لذائذ طيبات، سيُفرِحن أعزاءهن صغارا وكبارا…

بإرادة ورغبة، يشمرن على سواعد الطحن، والغربلة، استعدادا للعجن، والصنع، والتلوين، صحبة جارات وصديقات، تُدعَوْن للمشاركة فيما سيُعد ويحضر، لأن النسوة عرفن، وآمنّ، وطبّقن، التآزر والتعاون، أكثر من الرجال، فتراهن متعاونات متآزرات في معظم أشغالهن الكبيرة. 

وهذا التعاون يتم خلال سهرات مليئة بالضحك والمؤانسة، وسرد النوادر، واللطائف، دون أن تخلوَ من الشاي وغيره من المشروبات. كانت أواني الطبخ الأساسية معظمها مصنوع من المعادن، كالحديد والنحاس، وغيرهما من معادن، تحتاج إلى تجديد حمايتها "بالتقزدير" ولو مرّة كل سنة، وليس أحسن وأفضل مناسبة من شهر رمضان…

لذا، ما أن يدخل شهر شعبان، حتى تسلم الأواني للرجال، وما عليهم سوى الطاعة والامتثال، فيحملون الأواني داكنة اللون سوداء، ويعودون بها بيضاء لماعة كأنها صنعت من الفضة الصافية. تختلف العادات والتقاليد والحاجيات بين المدن والقرى، وبين المناطق والجهات، كما تختلف أيضا بين العائلات، ومستوياتها الاجتماعية الثقافية…

هذه الفوارق الاجتماعية الثقافية المادية، هي التي تسيطر وتؤثر على نوعية الاحتياجات المشترات والمقتنيات. أهمها وأكثرها طلبا، حسب ما لاحظنا في صغرنا، وما علمنا قديما، نذكر الدقيق اللين – الفارينة – والسميد، ودقيق الشعير، ليّنه وخشينه، لأن كثير العائلات، لا في القرى والبوادي فحسب، بل حتى في بعض المدن، تحافظ على صنع خبزها بنفسها…

يأتي بعد هذا التمر ثم المكسرات مثل اللوز بأنواعه، والجوز، والفستق، والبندق، والجلجلان، وغيرها، مشفوعة ببعض العطورات، التي توضع في المرطبات والحلويات، مثل العطرشية، وماء الورد، والزهر. معظم هذه المواد تصنع أو يستخرج منها وبها أنواع شهية لذيذة من الأطباق والأكلات الخفيفة مثل المحلبية أو المهلبية، والبوزة، والزرير، والمقروض، وأنواع كثيرة مختلفة حسب المناطق في البلد الواحد…

ثلاث مرطبات حلوة شهيرة، لا تغيب عن مائدة أي بيت من بيوت أقطار مغربنا العربي، وهي الزلابية، والمخارق، والمقروض، وهي على ما يبدو من أصل أمازيغي، تخصص في صنعها مع الإسفنج المسمى "فطائر" رجال من بلدة بأقصى الجنوب التونسي تسمى غُمْراسِن، انتشروا واشتهروا بصناعتهم، حتى أصبحت نوعا من الاحتكار. "فالغمراسني فطايري" تجده لا في القطر التونسي وحده، بل في الجزائر وليبيا وحتى في الإسكندرية…

وبما أننا في الحديث عن تونس فنودع من يقرأ هذه الخاطرة قائلين: “صحّة شرِيبْتِكْ" وهي من مجاملات التونسيين بعد الإفطار الذي لا يخلو منه طبق الشربة. كلوا هنيئا واشربوا مريئا، وإلى خاطرة أخرى، دمتم في يمن وسلام.

محمد نجيب عبد الكافي

مدريد في 1-4-2022

- راجع: محمد نجيب عبد الكافي: خواطر رمضانيّة.. هل شهر الصيام

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل