أهم الأخبار

الذاكرة الليبية: في ذكرى وفاة المؤرخ الليبي محمد بازامة

محمد العنيزي | 2022/03/22 على الساعة 20:02

الذاكرة الليبية: في ذكرى وفاة المؤرخ الليبي محمد بازامة.. محمد بازامة يكتب بنغازي

الحديث عن المؤرخ الراحل محمد بازامة هو بمثابة الولوج إلى حقل معرفي بات ينهل منه الباحثون والمؤرخون بعد أن ترك لنا إرثا تاريخيا من خلال إصداراته التي بلغت 21 مؤلفا في التاريخ الليبي والعربي…

يعود نسب محمد بازامة إلى قبيلة المجابرة التي تقطن جنوبا في مدينة جالو.. وهو من مواليد مدينة بنغازي عام 1923م. كتب بازامة التاريخ بأسلوب سرد أدبي ولم يسلك نهج اللغة الأكاديمية الجافة ووصل إلى المتلقي بكل سهولة.. واستطاع كواحد من أهم المؤرخين الليبيين أن يبني جسرا رابطا بين ماضي البلاد وحاضرها.

لم ألتق به في حياته لكنني تعرفت عليه في سن مبكرة من خلال إطلاعي على إصداره الأول كتاب (بداية المأساة أو التمهيد السياسي للإحتلال الإيطالي) الذي طبع بالمطبعة الأهلية لصاحبها الأستاذ مصطفى بن عامر عام 1961م وكان الكتاب مذيلا بإهداء من المؤلف إلى والدي الأديب أحمد العنيزي رحم الله الجميع.

كان ذلك في سنوات السبعينيات من القرن الماضي حين تعرفت من خلال كتاب بازامة على المؤامرات التي كانت تحيكها الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا (الثعلب الماكر).. وأطماع الحكومة الإيطالية بعرضها لمسألة احتلال ليبيا على مجلس النواب الإيطالي الذي وافق بالإجماع إلا صوتا واحدا.

وما يجعلنا ننظر بكل تقدير واحترام لهذه التجربة الليبية الفريدة هو عصامية صاحبها.. ورغم أن التاريخ دراسة منهجية متخصصة.. لم يكن بازامة خريجا من إحدى الجامعات أو أكاديميا بقدر ما كان هاويا للبحث في كتب التاريخ مع احترامنا لكل جهود الأكاديميين.. واستطاع أن يجمع كما معرفيا هائلا من خلال إلمامه بالمصادر التاريخية التي تعتبر الركيزة والأساس لكل مؤرخ أو باحث في التاريخ.. وهو أمر ليس من السهل تحقيقه لولا أن حب المعرفة والإطلاع كان من أولوياته.

ثمة عامل آخر ساعد بازامة وكان داعما قويا له في إطلاعه على كتب التاريخ التي لم تصل إلينا باللغة العربية وهو إجادته للغة الإيطالية التي كتب بها مؤلفه (جزيرة سردينيا) وأذكر أن والدي الكاتب أحمد العنيزي قد بدأ بترجمة هذا الكتاب ونقل مقدمته إلى اللغة العربية لكن تدهور حالته الصحية حالت دون ذلك إلى أن رحل عن دنيانا ولم يكمل مشروعه.

بنغازي في كتابات بزامة

لابد للباحث في تاريخ مدينة بنغازي من التوقف عند محطة تاريخية هامة لمعرفة تاريخ المدينة من خلال المؤلفات الثلاثة التي وضعها المؤرخ محمد بازامة وتعتبر من أهم المصادر في التاريخ الليبي وهي:

1) بنغازي متصرفليك:

مؤلف من ثلاثة أجزاء تناول فيها المؤرخ تاريخ برقة في العهد العثماني الأول ثم العهد القرمانللي والعهد العثماني الثاني.. ويصنف هذا الكتاب ضمن كتب الحوليات التي تؤرخ للأحداث التاريخية في تسلسل زمني متعاقب وهو من الحوليات الإقليمية التي تختص بالتأريخ لمنطقة معينة أو إقليم معين.. ويعتبر من أهم الحوليات في المكتبة العربية. 

عبر هذا المؤلف نطلع على أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في تلك الحقبة الزمنية والتي تغيب عن مناهجنا المدرسية وكان من المفترض أن تطلع عليها الأجيال الحالية من طلاب المدارس والأمر المؤسف أن هذا الكتاب وكل كتب بازامة لم تصدر إلا في طبعة واحدة نفدت ولم تعد موجودة في المكتبات رغم احتياج الباحثين وطلبة قسم التاريخ بالجامعة لهذه المصادر.. واذكر أنني اعتمدت بشكل أساسي في كتابة مقالتي عن المعارض السياسي القاضي سليمان تربل على رسالة الوالي علي رضا الجزائري إلى الأستانة التي أوردها بازامة في  الجزء الثالث لكتاب بنغازي متصرفليك والخاص بحقبة العهد العثماني الثاني.. ومن الأحداث الراسخة في الذاكرة الشعبية التي أوردها المؤرخ محمد بازامة في كتابه هذا (عام القطامة) الذي تناقلته الحكايات المتواترة عن المجاعة التي حلت بالبلاد حيث يقول:

”في عام  1872م أصيبت البلاد بالجدب نتيجة غياب الأمطار و حدثت مجاعة خطيرة جعلت الناس في برقة يأكلون (القطامة) وهي بقايا دقيق القمح بعد غربلته وتستخدم في العادة أكلا للحيوانات.. فعرف ذلك العام بعام القطامة“. 

2) بنغازي عبر التاريخ:

هذا الكتاب يعتبر أهم المراجع التي تناولت تاريخ مدينة بنغازي وقد أصدره بازامة في عام 1968م.. ويقول في مقدمته: ”إن معالجة التاريخ أمر صعب وإن كان لا يدرك صعوبات الكتابة فيه إلا من تجابهه هذه الصعاب وتتحداه.. ولولا لذة الكشف ولولا الأمل في التوفيق لما تعرض للتاريخ كاتب.. ولولا الإحساس بقوة الصلة بين الإنسان وماضيه لما اهتم بالبحث المضني في زوايا التاريخ باحث“.

بين يوسبيريدس وبرنيس أو برنيتشي ثم برنيق بعد الفتوحات العربية واكوية الملح يمضي بنا بازامة في سرد تاريخ المدينة التي عاش فيها حياته باحثا ومدققا في زوايا التاريخ الليبي.. حتى يصل إلى اسم مرسى ابن غازي الذي ورد في عام 1579م على خريطة للجغرافي التونسي علي بن أحمد الشرفي حيث كانت المراكب التجارية ترسو عند مرفأ تعلوه ربوة يطل منها ضريح الولي الصالح سيدي غازي القادم من البر الغربي.. وسيرتبط فيما بعد اسمه بالمدينة حسب الروايات الشعبية المتواترة.. التي تقول أن اسم بني غازي يتكون من شطرين الأول (بني) وهو في اللهجة المحكية يعني البناء والثاني (غازي) وهو اسم الشيخ غازي بمعنى أن الإسم كان يشار به إلى ناحية البناء المقام على الربوة وهو ضريح الولي سيدي غازي..لكن بازامة لم يرجح هذه الرواية استنادا على اسم مرسى ابن غازي الوارد في الخريطة المشار إليها.. كما يورد بازامة ماذكره انريكو أوغستيني في كتابه سكان برقة عام 1921م.. أن أول قدوم للسكان إلى هذه المدينة يعود إلى 450 عاما أي في سنة 1470م تقريبا.. وهوتاريخ يسبق ظهور اسم مرسى ابن غازي على الخريطة السابق ذكرها بحوالي 118 عاما.. لكن أوغستيني لم يذكر الكيفية أو المصدر الذي توصل به إلى هذه المعلومة.

وفي إطار بحثه في المراجع التاريخية يعثر بازامة على أخبار عالم شهير من علماء مدينة مكناس في (تاريخ الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى) للشيخ أحمد بن خالد السلاوي.. وهو الشيخ الإمام غازي بن أبي عبدالله محمد بن غازي.. ومن خلال المقارنة الزمنية والبحث  يرجح بازامة أن سيدي غازي الذي ورد اسمه في الرواية الشعبية هو هذا الشيخ الذي هاجر من مدينة فاس بعد أن تعرض للإهانة ووصل إلى هذا المكان واستقر به وبعد وفاته أقيم له ضريح فوق الربوة المطلة على الشاطيء تكريما له وتبركا به.. ليصبح هذا الضريح معلما بارزا للمراكب القادمة من البحر.. وقد أزيل هذا الضريح في سنوات السبعينيات من القرن الماضي اثناء حكم القذافي لتفقد المدينة أهم معلم من معالمها ويظل اسمه في عبارة شعبية تقول (سيدي غازي اللي مبنية عليه بنغازي).. كما يتغنى به أبناء المدينة عندما يرددون (سيدي غازي ياحامي برقة.. يافزاع نهار الشرقة).

3) المدينة الباسلة (وهو الجزء الثاني من كتاب بنغازي عبر التاريخ):

يقول في مقدمه كتابه المدينة الباسلة: ”تخيرت له اسم المدينة الباسلة لأن مادة الكتاب مركزة على استبسال أهلها في الدفاع.. ولكن لا يعني هذا أن صفة البسالة والإستبسال وقف عليها.. فكل مدينة وكل قرية وواحة لها تاريخها البطولي في ذود بنيها ومن خف لنجدتهم من مواطنيهم عنها وفي بسالة“.

يتحدث بازامة في كتاب المدينة الباسلة عن العدوان الإيطالي على المدينة منذ يوم 19 أكتوبر 1911م (يوم معركة جليانة واحتلال المدينة).. حتى يوم 13 أبريل 1913م.. لمدة  543 يوما رغم أنها تعتبر فترة زمنية قصيرة لكن القتال فيها كان شرسا وهزائم الإيطاليين فيها كانت مفزعة بالنسبة لقيادتهم التي أذهلها الموقف وغامت في ذاكرتها صورة النزهة البحرية المتوجهة إلى الشاطيء الرابع.

اعتمد بازامة في كتابته للتاريخ على الإستنتاجات بعد استقراء الأحداث واحتل مكانة بارزة بين المؤرخين الليبيين والعرب.. وبتاريخ 23/3/2000م انتقل إلى جوار ربه بعد أن ترك لنا عديد المؤلفات في التاريخ الليبي والإسلامي وكتب باللغتين العربية والإيطالية من خلال مؤلفين نال بهما ميدالية الجمهورية الإيطالية.

محمد العنيزي

راجع: 

- سالم الكبتي: بازامة.. تجربة عصامية

- المؤرخ محمد مصطفى بازامه.. في ذكرى رحيله

- في مثل هذا اليوم غادرنا المؤرخ محمد مصطفى بازامه

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل