أهم الأخبار

الشاعر مصطفى العربي (3) العثور على اللؤلؤة الضائعة

د. الصديق بشير نصر | 2022/03/12 على الساعة 14:35

شكر وامتنان:

أخيراً، وبعد البحث عن الشاعر الضائع مصطفى العربي، عثرنا على تلك الجوهرة المكنونة في جوف الصدف. فشكراً لمجلة «ليبيا المستقبل»، ولرئيسها الأستاذ حسن الأمين، ولكل الأصدقاء الذين أعياهم البحث معنا عن تلك اللؤلؤة الضائعة...

مصطفى العربي شاعرٌ ليبي كبير، ولِد في مدينة الرقيعات في عام 1960، وعاش في ضواحي طرابلس، بمنطقة (الجدَيْدَة) ودرس في مدارسها، ثم انتقل إلى منطقة قصر بن غشير، وأكمل دراسته الإعدادية والثانوية فيها. والتحق بكلية التربية في قسم اللغة العربية بجامعة طرابلس وتحصل على الليسانس في عام 1982، وعمل مذيعاً بإذاعة الوطن العربي، وكان مذيعاً ناجحاً، وكان السرُّ في نجاحه إتقانه العربية، وصوته القويّ الرخيم. غادر وطنه ليبيا في عام 1992 ليحطّ به الرحال في بلجيكا وقد هِيض جناحُه، وبذلك يكون قد سلخ من عمره ثلاثين عاماً في الاغتراب، أو ما يسميه هو بــ (المنفى الاختياري). ويبدو أنّ شاعرنا عاش تجربته غربةً واغتراباً، وذلك شأنُ كثيرٍ من الشعراء المبدعين حتى لكأن الغربة والاغتراب وصفان لازمان لكل شعرٍ جيد.

اختار الشاعر مصطفى العربي المنفى طوعاً واختياراً، وسألته عن دواعيه إلى الهجرة، وهل هي دواعٍ سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية؟ فأجاب: إنها أكبر من كلّ ذلك. إنها مشكلة ثقافة وإحساس بثقل الانتماء إلى وسط تشعر أنه لا يشدّك فيه إلا سماؤه وأرضه، وبحره وشجره. وعبّر عن ذلك بقوله في رسالةٍ كتبها إليّ: ”أمّا سؤالكم عن دواعي المنفى الاختياري وأسبابه، فإنّ دواويني  كلّها وحياتي كلّها، وكلّ ما جرى ويجري في ليبيا اليوم ليس سوى جزء بسيط من الإجابة عن هذا السؤال“. ولعله يعني عدم الانسجام مع مجموع تلك المنظومات التي تحيط به، والتي ربما أحدثت فيه آثاراً غير ظاهرة جعلته يخلد إلى السكينة في جزائر بعيدة يطلب فيها راحة قلبه المعنّى وعقله المكدود.  

قبل أن يهاجر مصطفى العربي إلى بلجيكا نُشِر له ديوانه (الورد الأبيض) في عام 1980، ونُشر له ديوان واحد في مهجره بعنوان (ليس معي إلا الحب)، عن الدار الأندلسية للتراث والنشر في عام 2021، على نفقة أحد أصدقائه. وله عدا ذلك سبعة دواوين مخطوطة، جميعها كتبها قبل أن يغادر البلاد، باستثناء الأخير (مزامير الغربة) كتبه في بلجيكا. والدواوين هي:

  • أنا طفل في العشرين
  • توقيعات بأسماء حبيباتي
  • أغاني بورقراق
  • أنت فقط حبيبتي
  • أصداف ولآلئ
  • بروق ورعود
  • مزامير الغربة

ومصطفى العربي فضلاً عن كونه شاعراً فهو خطاط مبدع، وله مجموعٌ يضم لوحاته الفنية بالخط العربي لم يُطبع بعد.

ومن روائع شعر مصطفى العربي قصيدته الطويلة المسماة (معلقة الضاد) التي يتكلم فيها عن صاحبة الجلالة  العربية الحسناء، تلك التي هام بحبها كما هام بحبها مجانين اللسان والبيان، فأظهر وجوه العبقرية فيها ببيان شعري ساحر، وأهداها إلى روح أستاذ الجيل عبد الله الهوني، وإلى مجمع اللغة العربية الليبي والمجامع الأخرى. وأحسب أنّ هذه الملحمة التي تقع في 198 بيتاً  من أجود ما كُتِب في محاسن اللغة العربية. وأحسن هذا الشاعر إذ سجّلها بصوته الرخيم، ومشقها بخطه الأنيق، فأتاح للسامعين من عشاق العربية أن يتمتعوا بسماعها على (الرابط التالي

وسجّل مختارات من قصائده بصوته، انتخبها كما يبدو من ديوانه الأخير (ليس معي إلا الحب). من تلك الروائع قصائده في طرابلس والوطن، تلك القصائد التي ربما تشي بقرب أوبة الطائر المهاجر إلى وكره، وأنّ الحب الذي ظلّ يعتمل في جوفه نحو ذلك الوطن الجريح ما عاد يقدر على إخفائه، إذ برّح به الشوقُ فبدأ يبوح به في إشراقاتٍ وضيئةٍ عذبة. أشتم في قصائده الجديدة المسجلة بصوته أنّ روح الشاعر مصطفى العربي بدأت تهدأ وتَكنُّ، وكانت من قبلُ في ديوانه الأوّل (الورد الأبيض) جامحةً كالعاصفة الهوجاء، بل الإعصار يكتسح ما يعترض سبيله. تذكرني تجربة مصطفى العربي بالنورس الطموح جوناثان ليفنغستون سيجل Jonathan Livingston Seagull  بطل رواية ريتشارد باخ Richard Bach. ذلك النورس الذي يخترق أجواز الفضاء فوق طاقته حتى تتمزّق نياط قلبه، أو ينكسر جناحاه ليكتشف ما وراء الحاجز الذي لا يستطيع بطبعه أن يتخطاه. وحسبه أن يحيا بعد ذلك، ولو لحظةً قصيرة، وهو يسبر كنه تلك العوالم الخفية المحجّبة التي ظلّت وستظل محجّبةً عن النوارس الأخرى، وكأنّه يستعير قول ذلك العارف: ”لحظة كشفٍ تعدل الزمان كلّه“.

يذكرني مصطفى العربي أيضاً بشهاب الدين السهروردي المقتول، العارف القلق، الذي صوّر وحدتَه وعزمه على الرحيل، بقوله:

 

(أقول لجارتي والدمعُ جــاري  * *  ولي  عزمُ  الرحيلِ عن الديار)

(ذريني أن أسيرَ ولا  تنــــــوحي  * *   فإنّ  الشُّهْبَ أشرفُها السّواري)

(وإنّي في الّظلامِ رأيتُ ضـــوءاً  * *   كأنّ   الليل َ بُـــدّل  بالنهـــار)

(إلى كم أجْعلُ الحيّاتِ صَـــــحبي * *  إلى كم أجعل التنينَ جـــاري )

(وأرضــى بالإقـــامة  في فـــلاةٍ  * *  وفي ظُـلمِ العناصِر أين داري؟)

(ويبدو لي من الزّوراءِ بــرقٌ  * *  يذكّـــرني بها قــربُ المـــزار)

(إذا أبصرتُ ذاك النورَ أفنى   * *  فمـــا أدري يميــني مــن يســـاري)
 

فهل غادر مصطفى العربي مراتعَ صباه لمّا أحاطت به الحيّاتُ والأفاعي، وجاورته التنانينُ تلفحه بسعير نيرانها؟. هل أدرك مبكراً سرّ النعيم الكذوب الذي يعيشه قرناؤه، فاختار الفرار من (أفاعي الفردوس) التي حذّر منها رصيفُه إلياس أبو شبكة قبل أكثر من نصف قرن في قصيدته (القاذورة) من ديوانه  أفاعي الفردوس)، التي يقول فيها:
 

(حلمتُ بدنيا ليتها لا تبدّدُ  * *  لذائذُ  أحلامي ولا كان لي غدُ)

(أضُنُّ بإنشادي على الناس سحرَها  * *  وهل في الورى أُذن إذا قمتُ أُنشِدُ)

(وأُوقِظْتُ مذعـوراً إلى شــرِّ هاجسٍ  * *  كــأنّيَ روحٌ فـي جُـثامٍ مُشَـــرّدُ)

(نُفيقُ من الحُلْمِ الشّهيِّ إلى رؤىً  * *   كــوابيس  فـي  يقــظاتنا  تتسـرّد)

(فألقيتُ دُنـــيا من فواجعها الورى  * *  على بـابها  لـوحٌ مـن الـرقِّ أسـودُ)

(قرأتُ عليه أحـرفاً خـطّها اللظـى  * *  يــروعك منهــا اثنـان: سجنٌ مؤبّدُ)

(فطــوفتُ في عُمْــرٍ من الليل والخنا  * *  يُعــربدُ والأرجـــاسُ تُــرغي وتُـــزبدُ)

(وللحمــأ الغـــالي نشــيشٌ  ونشْــوةٌ  * *  كـــأنّ الــورى مُسْـــتنقعٌ يتَنهّـــدُ)

(وأغمدتُ في صُلْبِ الدُّجَنّةِ ناظري * *  وفي كُــلِ جَــفنٍ لي مــن الهُـدبِ مِبردُ)

(فــابصرتُ أطبــاقاً  تُعمّدها يــدٌ  * *  أصـــابعٌ من عــظمٍ  وتصبــغها يـــدُ)

(وشاهدتُ في الأطباقِ مفسدةَ الورى * * تــمور بهــا الديـدانُ سكرى تُعــربد)
 

مصطفى العربي، صوت من (أصوات أجنحة جبريل) كما يرسمه السهروردي، يسعى جاهداً ليتخلّص من قماطه في ليلة انجاب فيها الغسق عن قبّة الفلك اللازوردي. وبعد أن تملّكه اليأسُ يمضي في ضوء  مصباحه الشحيح يتلمّس دربه، فدخل في دهاليز، ونفذ إلى صحارى وبساتين. رمال الصحراء علمته الشدّة والجَلَد، وورود البساتين وأزاهيرها هذّبت روحه وعلمته كيف ينتشي بالجمال.

هو ذاك مصطفى العربي (سيمورغ) الشعراء العرب، ملك الطيور الأسطوري في (منطق الطير) لفريد الدين العطّار. يظل يبحث لاهثاً عن أسرار الوجود لا يني ولا يهدأ، وربما تتقطّع أنفاسُه حيناً، ولكنه لا يلبث أن ينهض من جديد فيغذّ في سفره، لا يعنيه كثيراً أن يبلغَ غايته، ولكن حسبه أن يسلك مسلك الواصلين، فيكون له شرف المحاولة. 

عانى مصطفى العربي من القلق الوجودي، وقد انعكس على قصائده الأولى، ولكنه عاد في قصائده الأخيرة يطلب النيرفانا، أو البلوغ إلى حالة الاستقرار والانعتاق الشعوري من كلّ أثقال الجسد التي تكبّل الروح بالاستغناء عن ملذات الحياة، وإن كان هذا المطلبُ يشفّ عن بقايا ثورةٍ دفينةٍ في أعماقه، نستخلصها من (النيرفانا).

يقول العربي في قصيدته نيرفانا مخاطباً وطنه ليبيا:
 

(يا ليبيا والبؤسُ يجلدني * * أهواك لم أجزع ولم أخُنِ)

(كُرمى لعينيك اصطبرتُ على * * رملِ المرارة حادياً ضعني)

(وعلى بحار الهول مزدرياً * * لعواصف الأحقاد والدّخَنِ)

(بُشرى السعادةِ ملءُ أشرعتي * * والحبُّ كلّل وردُه سُفني)

(يقسو الظلامُ فلا تزيد  به * *  إلا سناً وتـــألّقاً مُدني)

(كم قيّدوني وانتصرتُ على * *   كبلي وذلُّ النير والرّسنِ)

(كم حاولوا تكميمَ أخيلتي  * *   بهراءِ كلِّ خُـــرافةِ يـَــفَنِ)

(كم حاولوا وأدي فقمتُ لهم * * ونفضتُ رمْلَ القبرِ والكَفَنِ)

(مهما قَسَوا وتغطرسوا شططاً ** فأنا أنا فصلُ الشّذى الهتنِ)

(متوهجٌ رغم الدجى فــرحاً * *  متفائلٌ في السرّ والعلن)

(تشدو شحاريري قصائدها * *   وتطير من فنَنٍ إلى فننِ)

(فتميّزي يا نــارَهم غضباً * *  وبكلِّ بغضٍ فيك محتَقَنِ)

(زيدي عذابات الدّنا مضضاً * * وتهاطَلي  بالحقد والإحَنِ)

(صُبّي مراراتٍ مُحَنظلةً  * *  وتلبّدي فِتناً على فِتَن)

(وتجــبّري ما شئتِ يعصمني  * *  صبري وروحُ الله في بدني)

(زيدي لظىً وقساوةً  فأنا * * أيوبُ عصري واسعُ العطنِ)

(جَلْدٌ على مضّ النوازلِ لم * * تحْلُل عُرا صبري يدُ المحنِ)

(أبداً أُلاقي الهمَّ مبتسماً   * *  بتفاؤلٍ كـــالطّودِ مُتّزنِ)

(إنّ الأسى ليَخِرُّ في خجلٍ * * دوني ويبدي ذلّ مُمتَهنِ)

(والصبرُ يَعْيى عن مُصابرتي * * من ذا يُغالبُ سيفَ ذي يزن)

(أنا يا أبالسةُ الأسى رجلٌ  * *  لا ينحني للبؤس والشجنِ)

(واليأسُ ليس بمعجمي أبداً * * لكَأنه في الأصلِ لم يكنِ)

(فعزيمتي من جلمدٍ نُحِتت  * *  وإرادتي أقوى من الزمن)

(وكرامتي لا تُشترى أتَرى * *   لكرامة الإنسان من ثمن؟)

(أنا شاعرٌ والشعرُ ذا شرفٌ * * وأمانةٌ في عُنْقِ مؤتمَنِ)

(زيدوا الحصارَ فقلعتي هزِئت * * بحصاركم عزّت على الوهنِ)

(شُكّوا أظافركم بأوردتي * *  وتمصمصوها مصّ مضطغن)

(مُدّوا أمامي رملَ قسوتكم * * مُدوا صحارى الشوكِ في سنني)

(أنا واحةُ الإصرار قد عجزت * * صحراؤكم عن أن تُجفّفني) 

(مذ كنتُ أعرفها وتعرفني * * رجلاً أمام السّهلِ والحزَنِ)

(من يوم ميلادي أُكابدها * * زحفاً على (قعمولها) الخَشِنِ)

(فرداً عصامياً ومعتصماً * * بالنفسِ لا بالأصلِ والدّمنِ)

(فرداً فلا امرأةٌ ولا ولدٌ  * * كلا ولا كالناسِ من سكنِ)

(من يوم ميلادي الغريب بها * * وحدي وسافي القيظ يسفعني)

(من يوم ميلادي الغريب أجل ** في موطني أحيا بلا وطنِ)

(لكنني والفقرُ  يَعْصُرني  * *  وزعازعُ الحِــرمان تجلِدُني)

(ما اهتزّ إيماني ولا انكسرت * * روحي ولم أرضَخ ولم ألِنِ)

(صافي الضمير سريرتي بَرَدٌ * * برِئت من (البترول) والعفَنِ)

(لي  كبرياء الشّنفرى فيَدِي * * لم تُخنَ   للصدقاتِ والمِنَنِ)

(أطوي على خمْصي وما ركعت * * نفسي لسمسارٍ ولا وثنِ)

(مهما تشاجرتِ الرماح على * * صدري وزادت حُلكةُ الدّجنِ)

(لا تعرف الشكوى السبيلَ إلى * * نفسي ولا يصل الأسى قُنني)

(أبداً جـــــراحي لا لسانَ لها * *  وأنا أميرُ القولِ واللسَنِ)

(رغم العذاب فإنني رجلٌ  * *   نرفانة الأفراح تغمرني)

(عمري ترانيمٌ وطالعةٌ  * *   من عمْقِ عمْقِ جحيمهم مُزُني)

(أهوى الجمالَ وسيرتي سَفرٌ * *  في الحبّ من حَسَنٍ إلى حَسَنِ)

(وَشْمٌ على ذَقْنِ العذابِ أنا  * *  بــاقٍ  بـرغم تقــادُمِ الزمنِ)

 ويمكن الاستماع إلى هذه القصيدة بصوت الشاعر على هذا (الرابط)

وفي قصيدة لمصطفى العربي بعنوان (يا أيها القلب السماوي) يفصح فيها عن مكنونات نفسه، تلك المخفيات والمستورات التي ربما تحرّج أن يذكرها لي في حديثه الهاتفيّ معي. وهنا يأتي الدور الناقد إذ يستنطقّ النصّ، ويستكشف ما طُوِيَ في تلافيفه وتضاعيفه من أسرار. وقصيدة (يا أيها القلب السماوي) واحدة من لآلئ مصطفى العربي، نجتزئ قدراً منها، على أن نعود في لاخق الأيام ونفرد له مقالات نقدية موضوعية تتحرّر من الذاتية التي قد يقع في أسرها الناقد لفرط محبة أو لفرْطِ كراهية.

يقول (ابن العربي) مصطفى محمد في قصيدته (يا أيها القلب السماوي)، وكأنه - يعاتبُ نفسه أو يرثيها - أو أنه يُشعرنا بأنه قد طلّق الشعرَ طلاقاً بائناً، وإن كنّا بعدَ أن تعرّفنا إليه مؤخراً، أدركنا أنه لم يكن إلا طلاقاً رجعياً عاد إلى قارئيه بعقد جديد:

يا أيها القلبُ السّماويُّ المعـــذّبُ ها هنا

من ذا الذي ألقاك في كون الضلالة والخنا

يا أيها القلبُ السماويُّ الغريبُ عن التراب

ماذا جنيت من الترابِ سوى الكآبة والعذاب

ماذا جنيتَ سوى الوجوم ونوحك المرّ المذاق

أنت الغريبُ بلا صحابٍ في الدُّنا وبلا رفاق

لا سيءَ في الدنيا يَسُرّك فهي عندك من سراب

وسرورُها ترحٌ وضحكتها عويلٌ وانتحـاب

وشروقُها كغروبِها وحضورُها مثلُ الغياب

فيها استوت ألحــانُها بنعيقِ ذيّـــاك الغراب

ساعاتُها كقـــرونِها.. عمرانُها مثل الخـراب

فلم ارتحلتَ عن السماء وخضْتَ في رهَجِ التراب

قد كنتَ في دنيا الصباحة والوضاءة والجمال

في النور والطهر الحبيب تجوبُ في أفْقِ الخيال

لا شوكَ يُدمي أخمصيك ولا كلال ولا ملال

كلا، ولا  تخشَ التعاسة والزمانةَ والزوال

تشدو على تلك النجومِ وفوق ذاك الزمهرير

بين الزغاريد التي تسمو بأجنحة  السرور

والورد والنسرين في دنيا الطهارة والشعور

قد كُنتَ عبقريّ السّحرِ دفّاقَ الشعور

تحسو بإبريق السعادة ما نما فـي مُهجتــِكْ

شعراً يُرى لا يَمّـحي حتى ولــو هلك الفَلَكْ

قد كنت في دنيا الطلاقة والخلود الحالمة

أُواه يا قلبيَ الغريبَ مهــولةٌ ذي الخـاتمة

ما عُدتَ تعْزِفُ بالمعازفِ لحنَكَ الحُلْوَ الرخيم

ما عُدتَ تنثُرُ زهرَك المحبوبَ للشفقِ العظيم

كلا ولا وشّحتَ صدرَ الليلِ بالحُلمِ البديع

أتُراك متّ ولم تَعُدْ تهوى أزاهيرَ الربيع

فمن الذي يُحيي القلوبَ وأنت فارقتَ الحياة

هذي الزهــورُ نوادباً تبكي عليك مع البكاة

غسَلَتْكَ ياقلبي الغريب بدمعـها ودمــائها

والشمسُ قــد لفّــتك كَفــنٍ بصوبِ ضِــيائها

قد جلّل الدنيا النواحُ ورانَها ليــلُ الأســـى

وبكى النهــارُ عليك ياقلبيَ وأطيافُ المسا

كلٌّ بكى لكنّ عينَك يا فُــؤادي مُطــبقة

يا ذا الغــريبُ أنا صهيرٌ في سعير البوتـقة

حسبنا هذا القدرُ من التعريف بالشاعر مصطفى العربي، وإلى لقاء.

د. الصديق بشير نصر

راجع:

الجزء الأول

الجزء الثاني

 

 

يونس شعبان الفنادي | 14/03/2022 على الساعة 22:40
أحسنت دكتور
شكراً دكتور على هذا المجهود الذي أثمر في التواصل مع الشاعر والزميل القديم في إذاعة صوت الوطن .. الحمد لله على هذا التلاقي وهذا التحليل في نصوصه الشعرية الممتعة
سعدون اسماعيل السويح | 13/03/2022 على الساعة 09:31
نيرفانا
هذا التعليق تحية للشاعر ولمكتشف هذه الجوهرة الشعرية ومافتئ عزيزنا د صديق صياداللولوء المكنون لا يخشى الغوص في اعماق البحر. مصطفى العربي يمثل جوهر الشعر والشاعر.. تلك الروح التي تبحث عن كنه الاشياء وتعيش قلقها الوجودي بحثا عن النيرفانا ابتداء من الشنفرى الذي هتف من اعماق الصحراء؛ ولي دونكم اهلون ..الى المتنبي الذي كان يركب القلق ، ويضيق بسكنى الجسد شعر مصطفى العربي توق الى معراج الروح ..نورس يريد ان يطير حتى يتجاوز حاجز اللغة نحو المطلق، ولسان حاله يقول : يقولون لي ما انت في كل بلدة وما تبتغي .. ما ابتغي جل ان يسمى. فلتحلق ايها الشاعر نحو النيرفانا .. نحو لحظة التجلي والكشف قدر الطيور التحليق وقدر الشاعر الشعر : فكرت ان دفاتري هي ملجأي ثم اكتشفت بان شعري قاتلي ! كل الشكر لصديقنا العالم النبيل د صديق ولنورسنا الشاعر ولعل له اوبة الى شواطئ طرابلس فلنا جميعا مواعيد لن نخلفها مع تلك الحسناء
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل