أهم الأخبار

"السرايا".. دراما ليبية تستحضر معركة القرمانليين

ليبيا المستقبل | 2022/03/01 على الساعة 16:45

ليبيا المستقبل (الحبيب الأسود – العرب اللندنية): تعود بعض المسلسلات الليبية للبحث في لحظات فارقة من تاريخ البلاد، فتقتبس منها مواضيع تثري بها السهرات الرمضانية، لكنها مواضيع تبدو في مجملها قريبة من الواقع المعيش الذي لا يزال تتحكم فيه توازنات سياسية تحاول الدراما أن تخفف من وطأتها وتداعياتها على الحياة اليومية عبر جرعة فنية ذات مستوى جيد ترتقي بالمشهد الثقافي الليبي وتلحقه بركب الإنتاج المغاربي والعربي.

سيكون للجمهور الليبي والعربي موعد في رمضان القادم مع واحدة من أكثر القصص دموية في تاريخ الصراع على السلطة بطرابلس، وهي تلك المتعلقة بالصراع الكبير الذي حدث بين عامي 1783 و1795 بين أبناء علي باشا القره مانلي على حكم إيالة طرابلس الغرب.

والمسلسل الذي يحمل عنوان "السرايا" سيعرض على قناة "سلام" لصاحبها رجل الأعمال الملياردير علي الدبيبة، وقد أشرف على إنتاجه وليد اللافي، وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية في حكومة عبدالحميد الدبيبة، والذي يتولى كذلك مهمة رئيس مجلس الإدارة بشبكة "سلام" الإعلامية، والتي سبق لها أن قدمت عدة أعمال مستوحاة من التاريخ الليبي من بينها "زنقة الريح" و"الزعيمان" و"غسق".

< بحث في التاريخ

ويجمع المسلسل من جديد بين الثنائي سراج الهويدي في التأليف وأسامة رزق في الإخراج، وذلك في سياق رحلة من التعاون المشترك بينهما، وفرت لهما الكثير من النجاحات، وساعدتهما على تكريس تجربة متفردة يمكن اعتبارها الأكثر نضجا واكتمالا في الرؤية المعرفية والجمالية في تاريخ الدراما الليبية، لاسيما في ظل ما توفر لهما من إمكانيات مادية ساعدتهما على تجنيد كفاءات مهمة في تنفيذ مشاريعهما التي يقدمانها بمعدل عمل في كل عام، ولكن في إطار عادة ما يكون باذخا من حيث الديكورات والملابس والخدع ومواقع وآليات التصوير.

أما عن بطولة العمل فيشارك فيها عدد من الفنانين الليبيين البارزين من بينهم حسن قرفال وفتحي كحلول وأنور التير وعلي شول وصلاح الأحمر وعبدالباسط بوقندة ولبنى عبدالحميد وسلمى الزرواق وبسمة الأطرش وثريا محمد وربيع العبيدي وعبدالله الفنادي ومهند كلاش، ونخبة من الوجوه الشابة مثل محمد بن ناصر وإبراهيم خيرالله وبعض الممثلين التونسيين.

وكالعادة يعتمد فريق مسلسل "السرايا" على عدد من الكفاءات التقنية التونسية، مثل بشير المهبولي في إدارة التصوير وبسمة الذوادي في تصميم الملابس، وهو أمر بات معتادا في الأعمال الضخمة التي تنتجها شبكة "سلام".

تدور أحداث المسلسل في إطار تاريخي بين العامين 1783 و1795، حيث كان حسن بك ابن علي باشا معروفا بحسن معاملته للرعية وبشجاعته وبسالته في الذود عن بلاده، وببصيرته وحسن تدبيره لشؤون الناس، من جهة، وباعتباره وليا للعهد ووريث العرش من جهة ثانية، وهو ما منحه محبة أهل طرابلس وولاءهم لسياسته وتقديرهم لحكمته، بينما أثار عليه حقد وكراهية شقيقيه أحمد ويوسف لاسيما بعد إصابة الوالي علي باشا بمرض السل في ديسمبر 1787 لتدخل معركة الخلافة طورا خطيرا في ظل الحديث عن إمكانية تنازل الوالي عن العرش لولي العهد، وهو مقترح تم طرحه لكن الأخوين أحمد ويوسف رفضاه بشدة.

وفي السابع من شهر يوليو 1790 عاد يوسف القره مانلي، والذي لم يكن يتجاوز السابعة عشرة من عمره، من مهمة كان يقوم بها خارج طرابلس، واتجه مباشرة إلى جناح والدته "للّا حلّومة" ليسلّم عليها، وكان مصحوبا ببعض عبيده عندما أعلن لها نيته التصالح مع أخيه الأكبر حسن بك الذي كان يتولى منصب ولي العهد، وذلك بعد خلافات بينهما.

أرسلت "للّا حلّومة" في طلب حسن الذي كان في جناحه مع زوجته "للّا عويشة"، وعلم أن أخاه يوسف جاءه أعزل من السلاح بنية الصلح، فلبى دعوة والدته، وكان في البداية قد حمل مسدسين وسيفا لكن زوجته استهجنت منه ذلك، وحذرته من أن ذهابه وهو مدجج بالسلاح لملاقاة أخيه سيثير غضب سكان السرايا والعاملين فيها، فاستجاب لدعوتها بترك المسدسين والاكتفاء بحمل سيفه كرمز للوجاهة في ذلك العهد.

وعندما وصل إلى جناح والدته طلبت منه التجرد من سيفه احتراما لمقامها والدخول لملاقاة أخيه، ففعل ذلك واتجه معها إلى الأريكة حيث أجلست "للا حلومة" ولديها على جانبيها في الأريكة، وأخذت بيد كل منهما لعقد الصلح بينهما، وطلبت إحضار المصحف للقسم عليه فسارع يوسف إلى الوقوف لإحضاره، ونادى العبيد لمساعدته على ذلك، فمدوا له مسدسا بدل المصحف وبسرعة أطلق النار على ولي العهد.

كان المشهد داميا، ففي البداية نهض حسن مادا يده إلى السيف يبغي التصدي لأخيه، بينما كانت بعض الشظايا قد أصابت الوالدة، وأصيب يوسف بجرح بسيط في وجهه، فأمسك بالمسدس الثاني وأفرغ رصاصاته في جسد أخيه، ودعا عبيده إلى الإجهاز عليه للتأكد من مقتله.

كانت "للّا حلّومة" قد أغمي عليها من هول الفاجعة، وسمعت “للّا عويشة” الجلبة والضجيج فهرعت إلى المكان لترى جثة زوجها الملطخة بالدماء، بينما كان يوسف قد فر مع عبيده إلى خارج القلعة، وانقسم أهل طرابلس إلى قسمين وعمت الفوضى وانتشر السلاح. وبينما أقر علي باشا بتكليف ابنه أحمد بالحلول مكان ولي العهد المغدور حسن، واصل يوسف حبك مؤامراته لافتكاك مقاليد حكم طرابلس، إلى أن جاءته فرصة الانطلاق مع شقيقه أحمد نحو مصراتة لمعاقبة بعض القبائل البدوية المتمردة، وقد نجح لاحقا في عقد توافقات مع زعماء قبليين بعد أن وعدهم بالمال والجاه مقابل دعمه في الاستيلاء على الحكم.

>  إسقاط على الواقع الليبي

وخلال النصف الأول من العام 1973 نفذ يوسف حصارا على طرابلس لمدة 50 يوما واشترط لفكه تنازل والده وشقيقه عن الحكم وطلب الباشا النجدة من باي تونس، وأعلن عن مكافأة لمن يأتيه برأس ابنه يوسف، باعتباره متمردا، وفر ولي العهد الأمير أحمد خوفا على حياته من عنجهية شقيقه.

يحمل المسلسل الكثير من الإسقاطات من خلال مواقف الصراع على السلطة، والخلافات الحادة حول تقييم المسؤوليات ضمن توازنات مناطقية وقبلية في منطقة الغرب الليبي التي كانت معروفة بطرابلس كبلد تتراوح مساحته بين الحدود مع تونس غربا وسرت شرقا وتخوم فزان جنوبا. وسيكون "السرايا" أبرز الأعمال الدرامية التي تهتم بفترة الاحتلال العثماني وخاصة فترة حكم الأسرة القرمانلية، وهي أسرة تُنسب إلى إقليم قرمان بالأناضول، وقد حكمت طرابلس مدة قرن وربع القرن تقريبا.

وكان قد تم التعرض لتلك الفترة من خلال "حرب السنوات الأربع"، وهو مسلسل سوري أنتج في عام 1980 عن قصة وسيناريو وحوار وإنتاج داوود شيخاني وإخراج هيثم حقي، ومن بطولة أسعد فضة ورضوان عقيلي وعدنان بركات وعبدالرحمن أبوالقاسم وجيانا عيد، وبمشاركة عدد من الفنانين الليبيين المعروفين مثل يوسف خشيم ومحمد الزعلوك وحسن قرفال ولطفي بن موسى وعمران المدنيني. وتم التركيز فيه بدوافع سياسية على تجسيد الحرب التي قامت بين حاكم طرابلس يوسف باشا القره مانلي وأخيه أحمد باشا القره مانلي، وحرب طرابلس التي استمرت أربع سنوات، حيث يبين العمل مطامع الحكومة الأميركية في ليبيا، وكذلك محاولة الولايات المتحدة احتلال الشواطئ الليبية بأكبر أسطول بحري في ذلك الوقت وبوجود أكبر سفينة بحرية وهي “فيلادلفيا” ذات الأربع والأربعين مدفعا.

ويبين المسلسل طريقة أسر السفينة وطاقمها وتدميرها من قبل الريس مراد آغا دون إراقة قطرة دم واحدة.

وتتميز تلك الفترة التاريخية بالثراء الكبير من الناحية الدرامية، سواء من حيث الصراع الداخلي حول الحكم وحركات التمرد القبلية أو من حيث الصراع مع الأميركيين والأوروبيين حول القرصنة في البحر الأبيض المتوسط، والتي كانت صناعة وعادة أحدثها العثمانيون ودفعت نحو حروب ومواجهات منها أول حرب خاضتها البحرية الأميركية خارج ديارها في بدايات القرن التاسع عشر، وهو ما يجعل من بعض الفاعلين في تلك الفترة محل تناقض في المواقف، ومن بينهم شخصية يوسف القره مانلي الذي اغتال شقيقه وتمرد على والده وخاض الحروب الدامية من أجل السلطة وساند حملات القراصنة ورعاها وأعلن الحرب على الولايات المتحدة ودخل معها في مواجهات لا تزال آثارها إلى اليوم في نشيد البحرية “المارينز” واعترضته الكثير من القلاقل والثورات الشعبية إلى أن اضطر إلى التنحي عن الحكم في عام 1832 لصالح ابنه علي الثاني، وفي السادس والعشرين من مايو 1835 وصل الأسطول التركي إلى طرابلس وألقى القبض على علي باشا ونقل إلى تركيا، وانتهى بذلك حكم القرمانليين في ليبيا.

صحيفة العرب اللندنية، الجمعة 2022/02/25

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل