أهم الأخبار

مذكرات عبد السلام جلود: أعطينا رفعت الأسد 200 مليون دولار ورتّبت خروجه من سورية (3 - 5)

ليبيا المستقبل | 2022/01/12 على الساعة 11:40

ليبيا المستقبل (العربي الجديد): عبد السلام جلود رئيس وزراء ليبيا الأسبق (من 16 يوليو/تموز 1972 حتى 2 مارس/آذار 1977). ولد في 15 ديسمبر/كانون الأول 1944. كان ممن الضباط البارزين ممن شاركوا في ثورة الفاتح من سبتمبر 1969. وظل طويلا في مواقع الحكم في بلاده بقيادة معمر القذافي. اعتبر الرجل الثاني في ليبيا، فقد تولى مهام ومناصب حساسة في النظام: وزير الداخلية والحكم المحلي، المالية، الاقتصاد والصناعة، وعضو الأمانة العامة لمؤتمر الشعب العام (مجلس الرئاسة)، فضلا عن أن له أدواره في ملفات عربية، منها في أثناء الحرب الأهلية في لبنان. نشبت في العام 1992 خلافاته مع القذافي، فترك المشهد الرسمي نهائيا. وبعد اندلاع الثورة في 17 فبراير/ شباط 2011، غادر ليبيا إلى الخارج. يستعرض في كتاب مذكّراته "الملحمة"، والذي يصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فصولا عديدة من سيرته، الشخصية والسياسية، ويضيء على علاقات ليبيا الدولية والعربية في زمن القذافي. ويكشف تفاصيل ومعلومات مثيرة، سيعرف القارئ كثيرا منها لأول مرة. ينشر "العربي الجديد" أجزاء ومقاطع منه في خمس حلقات. وفي الحلقة الثالثة يكشف عن تقديم ليبيا إلى رفعت الأسد لشقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، عند تمرّده على سلطة شقيقه، 200 مليون دولار. وإن جلود نفسه ساهم في ترتيب خروجه من سورية. ويتحدث عن تفاصيل مداولاته في بيروت ودمشق مع القوى اللبنانية والفصائل الفلسطينية والرئيس حافظ الأسد في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، ويروي إنه تعرض للموت أكثر من 14 مرة.

الحرب الأهلية في لبنان

حينما دخلت سورية، في نيسان/ أبريل 1976، في مواجهة عسكرية مع فصائل الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، بعد أن كانت تقف معها خلال اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، رأيت في هذا الأمر مؤامرة كبرى تستهدف تدمير سورية معنويًّا، وتدمير الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ماديًا، وشعرنا بأن شيئًا ما يُخطط للمنطقة، وأن هناك مؤامرة ضد "قوى الصمود العربي"، تهدف إلى "تدمير سورية" والثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. لم نكن في ليبيا نعرف هذا الأمر بالضبط، ولكننا شعرنا بأن ما يجري يخدم المؤامرة. بعد ذلك دعونا إلى اجتماع لقوى الصمود في طرابلس لمناقشة هذه التطورات، وقد حضر إلى طرابلس الرئيس الجزائري بومدين وياسر عرفات، وعقدنا اجتماعًا شاركت فيه أنا والأخ معمّر وبومدين وعرفات، وتقرّر في الاجتماع أن أسافر إلى دمشق للقاء الرئيس حافظ الأسد. بالفعل، توجهت إلى دمشق وكان يرافقني وزير التعليم الجزائري. كانت المهمة في البداية أن أطلب من الرئيس حافظ الأسد باسم ليبيا والجزائر عدم الانجراف في المؤامرة التي تخطط لضرب سورية والفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية.

ولكن بعد اللقاء مع الرئيس الأسد، ثم الإخوة في القيادات الفلسطينية في سورية، اتخذت قرارًا بعدم العودة إلى طرابلس إلا بعد "القضاء على المؤامرة" وإعادة اللحمة بين سورية والثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. ولذلك أعطيت الأولوية في هذه الجهود لوقف إطلاق النار. وللتاريخ وللحقيقة، وجدت الرئيس الأسد متألمًا، وكأنّ أمرًا ما فُرض عليه وهو يريد مخرجًا. كان الرئيس الأسد واعيًا بالمؤامرة، إذْ طلب مني البقاء في دمشق ومواصلة جهودي للتهدئة. كانت المشكلة التي واجهتني هي أن سورية ترفض أن يُسجل عليها "أنها قاتلت الثورة الفلسطينية" والحركة الوطنية اللبنانية، بينما كان الفلسطينيون يصرّون على الإشارة إلى "أن القتال يدور بين سورية من جهة، والثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى". وأخيرًا، بعد 48 ساعة من الحوارات المتواصلة، وبعد التفكير العميق، نجحت في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار "بين القوتين المتحاربتين" من دون ذكر اسم هذه القوات، وقد يكون هذا أول وقف لإطلاق النار من دون تحديد اسمي الطرفين المتحاربين، وكان الاتفاق ينصّ على ما يلي:

1 - وقف إطلاق النار فورًا بين القوتين المتحاربتين.

2 - وقف تقدّم القوات المتجهة إلى بيروت وبقاؤها في أماكنها في ضهر البيدر وجزين، حيث توجد فرقتان سوريتان كانتا تتقدمان من الجبل في اتجاه بيروت، وقد وصلتا إلى ضهر البيدر، بينما كانت هناك فرقة أخرى تتقدم على محور جزين - صيدا، والأخيرة تعرضت لكمين فلسطيني خطط له العقيد سعيد مراغة أبو موسى، وتمكن فيه من الاستيلاء على بعض المدرعات.

3 - يفرج الفلسطينيون عن مصباح البديري قائد الجيش الفلسطيني الذي اعتُقل بعد أن انشقّت وحدات الجيش وانضمت إلى ياسر عرفات، وبعض القيادات البعثية التابعة لسورية ممن أخذهم الفلسطينيون رهائن.

كانت لسورية كتائب وحدات خاصة في منطقة المطار ورأس بيروت. في اليوم التالي لوقف إطلاق النار، فوجئت بالرئيس الأسد يطلبني على الهاتف، وكان منزعجًا جدًّا، وقال لي حرفيًّا: "هؤلاء الأوباش مش هم اللي يحرروا فلسطين، الجيش السوري هو الذي سوف يحرّر فلسطين، لن أسمح بإهانة الجيش السوري، وأنا مُتحلل من وقف إطلاق النار، وسوف أعطي الأمر للقوات أن تزحف عليهم، وسأطلب من الطيران أن يقصفهم". ثم قال: "هناك كتيبة سورية خاصة في رأس بيروت ما زالوا يحاصرونها، وهناك ثمانية جنود جرحى يمنعوننا من إخلائهم"، فقلت له: "يا أخ الرئيس أعطني فرصة وأرجوك أن تؤجل هذا القرار وأنا أتعهد بحل الموضوع"، فقال: "من هنا، أي من دمشق، لن تتمكّن من عمل شيء، والذهاب إلى بيروت فيه خطر حقيقي عليك"، فقلت له: "سأذهب إلى بيروت من أجل هذا، ولكنْ لدي شرطان، الأول أن ترسل معي قيادات سياسية وعسكرية، لأنني لا أريد أن أضع نفسي - أو أجدني - مع ضباط لا يستطيعون اتخاذ قرار؛ الثاني لا أريد أن تضعني في بيروت غطاءً، والصواريخ والدبابات السورية تقصف وتقتل"، فقال لي بكل شهامة: "يذهب معك ناجي جميل ومحمد حيدر". كان ناجي جميل عضو القيادة وقائد القوات الجوية، وكان محمد حيدر عضوًا في القيادة القُطرية ونائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ثم قال لي: "خلال وجودك في بيروت، القوات السورية ستكون تحت إمرتك، لكن أرجو أن تعطيهم حق الدفاع عن النفس"، فوافقت، وكان إلى جانبي أحمد جبريل، فأخذ الهاتف مني وقال للرئيس حافظ الأسد حرفيًّا: "يا سيادة الرئيس، إذا كنت تعتقد أننا سوف نقابلكم بالورود، فأنتم مخطئون، لا تقل لي زهير محسن والبديري - العميد مصباح البديري رئيس أركان جيش التحرير الفلسطيني في سورية - ولا عاصم قانصوه ولا بطيخ، بدكم تمرّوا على جثثنا". أرسلت سورية برقية إلى قواتها في لبنان، تعلمهم فيها بتوجّهي إلى بيروت، وكذلك فعل الفلسطينيون. لكن ولأن الفلسطينيين غير مُنظمين، فإن البرقية لم تصل إلى القيادات. غادرت أنا وأحمد جبريل ومحمد حيدر وناجي جميل والمرافقون على متن أربع طائرات عمودية. ونظرًا إلى أنّ الفلسطينيين ميليشيات غير منضبطة. ولأن البرقية لم تصل، فقد اعتقدوا - ومعهم الحركة الوطنية اللبنانية - أن هذه الطائرات هي طائرات دعم للقوات السورية في بيروت، فأمطرونا بوابل من قذائف مضادّات الطائرات ومن كل الجهات.

 

 

كنا في حالة خطر حقيقي، بحيث إنّ القذائف كانت تستهدفنا من كل الاتجاهات، وسيطر الخوف على الجميع، وشعرت بأن ناجي جميل ومحمد حيدر كانَا في أشد حالات الخوف، فقال لي ناجي جميل حرفيًّا: "يا أخ عبد السلام أنت تريد أن تموت فلماذا جئت بنا معك؟"، وقال محمد حيدر: "يا أخ عبد السلام لو كان الواحد على الأرض يمكن أن ينبطح أو يختفي خلف عمود أو حائط، أما في الجو فلا شيء". ثم نهض أحمد جبريل واتجه نحو غرفة القيادة وكان شجاعًا ومتماسكًا، وأخذ يوجه الطيّار ويطلب منه القيام بمناورة. وبالفعل، اتجهت الطائرات صوب البحر بعيدًا عن المطار، ثم هبطت على شاطئ البحر بعيدًا عن المدرج. نزلنا مسرعين. بدأ القصف بالمدفعية والهاونات والرشاشات، وممّا زاد الطين بلة أن القوات السورية شرعت في الردّ على مصادر النيران لإسكاتها. استفز القصف الفلسطينيين واللبنانيين، فزادوا من قصفهم لنا. وبعد أن نجونا من موت محقق في الجو، بدأنا رحلة الموت الثانية؛ إذْ تعرضنا لقصف شديد، اضطرّنا إلى الزحف والمناورة والتسلل خفية، وذلك حتى لا نتعرض للقنص، ساعات في اتجاه المطار حتى تمكنت القوات السورية القريبة من المطار من نجدتنا. بعد أن استرحنا قليلًا في مقر القوات السورية في المطار، اتصلت بالفلسطينيين. تحدثت مع نايف حواتمة وأبو إياد (صلاح خلف) ، وطلبت منهما إبلاغ بقية القادة بالحضور إلى المطار، لكنهما رفضا هذا الطلب، فغضبت من هذا التصرف وأنهيت المكالمة. بعد منتصف الليل، عاودت الاتصال بالقيادات الفلسطينية وألححت عليهم أن يحضروا إلى المطار، فلم يوافقوا، فقلت لهم: "أريدُ أن أسألكم سؤالًا محدّدًا، ثم أجيبوا عنه بعد تفكير لأنه في ضوء هذا الجواب سوف أتصرف؟". ثم وجهت إليهم السؤال التالي: "لماذا لا تريدون الحضور. هل أنتم خائفون على حياتكم من السوريين؟ أم تريدون المباحثات في أرض محايدة؟"، فردّوا "أنهم يخشون على حياتهم"، وعندئذ قررت الذهاب إلى بيروت للاجتماع بهم. في الطريق تعرضت مرات عدة للرماية بالرشاشات وقذائف "آر بي جي" (RPG) في الذهاب والعودة. كانت رحلة موت ثالثة حيث كانت النيران تطلق علينا من كل الاتجاهات، واضطررنا مراتٍ عدة إلى أن نختبئ في السيارات، ولولا العناية الإلهية لكان الموت محققًا. ولمّا أنجدتنا القوات السورية، وكانت الاشتباكات متواصلة بقوة، أخذ أحمد جبريل شرشفًا أبيض وبشجاعة نادرة أخذ يهرول بين المقاتلين طالبًا منهم وقف الاشتباكات. وجدت الفلسطينيين متشنجين ومتشككين في نيات السوريين، وكان من الصعب التفاهم معهم. وتجاه خطورة الوضع، قررت أن أهب حياتي لهذه المهمة القومية، وهي إنقاذ سورية من التدمير المعنوي، وإنقاذ الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية من التدمير المادي، وضرورة عودة التحالف من جديد بين سورية والثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية؛ فالتزمت بأن أظلّ في لبنان وسورية حتى القضاء على المؤامرة. في أحد الأيام قررت أن أذهب لمقابلة بيار الجميّل في بكفيا بالمنطقة الشرقية من بيروت، ورافقني رئيس جهاز أمن عرفات أبو علي حسن سلامة إلى منطقة المتحف، وهناك وجدت بشير الجميّل (نجله) في انتظاري. ركبت سيارة خاصة بحراسة مشدّدة وكنت أجلس بين بشير [الجميّل] وأبو علي حسن سلامة.

ما إن وصلت حتى عقدت مع بيار الجميّل اجتماعًا مطوّلًا، وقد لاحظت وأنا أدخل وجود كتابات على الجدران بالخط العريض تقول: "لا لسورية لا للفلسطينيين لا للعرب". بعد الاجتماع تحدثنا إلى الصحافيين. قال بيار الجميّل: "سورية أعدى أعدائي، يكفي أنها لم تعترف بلبنان ولا تقيم معه سفارة، ولكن أنا غرقان، امتدت لي يد، أمسكت بها". فاجأتني الكتابات على الجدران كما فاجأتني تصريحات الجميّل. كان بشير الجميّل شابًّا شهمًا وشجاعًا. كانت له عينَا صقر. في البداية أقمت في بيروت في ضيافة أحمد جبريل في شقة بمنطقة الحمراء. والواقع أنني كنت أغيّر السكن باستمرار.

في أحد الأيام، كنت في شرفة الشقة وكانت هناك سيّدة عجوز في شرفة الشقة المجاورة، فجأة سألتني: "هل أنت السيد جلود؟" فقلت: "نعم"، فقالت: "كنا نعتقد أنك كبير في السن وبجسم ضخم. ولكن أنت شاب". ثم سألتني: "هل زرت لبنان من قبل؟"، قلت مازحًا: "لا، يظهر أن عظمي عظم حرب"، فأخذت تحدثني عن لبنان بمرارة وألم ثم قالت: "غريب لم تزر لبنان في أيام عز لبنان"، ثم قالت: "إن شاء الله يعود لبنان وتزوره لترى لبنان على حقيقته"، ثم قالت: "سمعنا في الأخبار أنك تسافر إلى سورية لمقابلة حافظ الأسد"، وأضافت: "أنا مسيحية من منطقة الأشرفية، أُرغمت على ترك منطقتي، وأنا الآن أعيش مع المسلمين، قُلْ لحافظ الأسد إذا كان يريد أن يقف مع المسيحيين فيجب عليه أن يقف مع المسلمين".

استمرت رحلة الموت والجهاد نحو 58 يومًا، كنت خلالها أعقد الاجتماعات المطوّلة مع قيادات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة شهيد فلسطين كمال جنبلاط. كان محسن إبراهيم وجورج حاوي في موقف انتهازي، يذهبان في الصباح الباكر إلى المختارة للقاء كمال جنبلاط ليعرفا منه كيف يفكر وماذا يريد أن يطرح في الاجتماع، وحينما نجتمع مع قيادات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، يقوم محسن إبراهيم وجورج حاوي بطرح أفكار جنبلاط، ليقنعَا الآخرين بأن هذه أفكارهما، وأن أفكارهما هي ذاتها أفكار جنبلاط. كان بعض القادة الفلسطينيين يأتي متأخرًا للاجتماع، وكان جنبلاط يقول مازحًا: "الفلسطينيون مثل الأرتستات يناموا بالنهار ويصحوا بالليل". كان الشهيد كمال جنبلاط يقول لي: "في سبيل عروبة لبنان والثورة الفلسطينية قبلنا بتدمير لبنان". وكان يقول لي: "لقد ربحنا شعبًا مقاتلًا، الشاب اللبناني المعروف بطول شعره ونعومة أظافره، أصبح يمتشق الكلاشينكوف و'الآر بي جي' في هذا الشارع قتال، وفي الشارع الخلفي الرقص والغناء. لم يعد اللبناني يخاف الموت".

في هذا الوقت، كانت هناك قوات ليبية بقيادة الشهيد عبد السلام سحبان تقاتل مع الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وكان الفلسطينيون واللبنانيون يسألونني: "هل كل الليبيين شجعان مثل عبد السلام سحبان؟" وكنت أرد عليهم: "عبد السلام أقل واحد شجاعة بيننا"، فكانوا يقولون لي: "يا أخ عبد السلام. هذا هلبة عليك (أي كثير عليك)".

في أحد الأيام، كنت أتناول الغداء مع عرفات، وبعد دقيقة واحدة فقط من مغادرتنا صالة الطعام، سقط صاروخ في الصالة ودمّرها تمامًا. لقد تعرّضت للموت مرّات كثيرة تجاوزت 14 مرة، وكانت "القوات المسيحية"حين تعلم بأن طائرة عمودية قادمة من دمشق لنقلي، تقوم بقصف مكثف بالقذائف والقنابل لمنعي من المغادرة. فكنت أضطرّ إلى السفر بالسيارة عبر الحواجز، وكان السفر برًّا أمرًا محفوفًا بالمخاطر، لكنني كنت أفضل الموت من أجل أن أتوصل إلى اتفاق نهائي يحفظ الثورة الفلسطينية ويبقي التحالف الثلاثي قائمًا. رفض بعض الفلسطينيين تنفيذ الاتفاق، لأنهم كانوا لا يزالون يشككون في النيات السورية، ورفضوا أيضًا في البداية الإفراج عن الأمين العام لحزب البعث اللبناني عاصم قانصوه وزوجته، وقائد جيش التحرير الفلسطيني في سورية اللواء البديري. وهؤلاء كان يحتجزهم أبو العباس، جبهة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولكن بعد الضغط وبعد جهد مُضنٍ، تمكّنت من الإفراج عنهم واصطحبتهم معي في الطائرة العمودية إلى دمشق، وكانت هذه خطوة مهمة جدًّا ومفتاحًا للحل. ثم ركزت في المرحلة الثانية على سحب القوات السورية من بيروت والمطار؛ إذْ كان يتمركز فيهما نحو ثلاثة ألوية خاصة. وبعد رحلات مكوكية بين بيروت ودمشق، تمكنت من تحقيق المرحلة الثانية وهي سحب القوات السورية، ولم يكن هذا أمرًا سهلًا. ولكن العزيمة، والإرادة الثورية التي لا تكل ولا تمل، والثقة بالنفس، والعناية الإلهية، كانت هي العوامل التي ساعدتني في تحقيق هذا الهدف. كان السوريون يرفضون الانسحاب قائلين: "لن ننسحب بناءً على طلب الفلسطينيين. هذا شأن سوري - لبناني". وكثيرًا ما هددت الإخوة في سورية بقطع مهمتي والعودة إلى ليبيا، بل كثيرًا ما كنت أطلب من الطيارين أن يذهبوا إلى المطار لتجهيز الطائرة استعدادًا للعودة إلى ليبيا. وبالطبع لم أكن أنوي العودة، ولكنني كنت أمارس الضغط على الأطراف كلّها لإقناعها بضرورة التجاوب مع مبادرتي للحل، وأقول - للتاريخ - إنني وجدت من الرئيس الأسد كل تشجيع، وكان يطلب مني البقاء ومواصلة المهمة. وفي كل مرة كنت أحزم فيها حقائبي وأجهز السيارات للذهاب إلى المطار، يلحق بي عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي ومحمد حيدر وناجي جميل لإقناعي بالعدول عن قرار السفر. كان الرئيس الأسد واعيًا بحجم المؤامرة، وكان يريد الخروج من هذا "المأزق" .

في عام 1979، كان صدام حسين نائبًا للرئيس العراقي أحمد حسن البكر، ولكنه كان يتمتع بالسلطة الحقيقية. حينما كنت في دمشق، اتصل بي هاتفيًّا عدّة مرات وقال لي: "السوريون ينفذون مؤامرة ويريدون استخدامك كغطاء. لا تسمح لهم أن يفعلوا ذلك"، وكنت أضحك وأسخر من هذا الكلام وأقول له: "يا أخ صدام أنا أعرف ماذا أفعل. قرار بقائي في دمشق هو قرار شخصي وليس قرار القيادة في ليبيا. اتخذت هذا القرار على مسؤوليتي رغم معارضة القيادة. أرجوك لا تحاول أن تقنعني بأمر آخر".

بعد وقت طويل من العمل الصبور والجهد الصادق والغضب والمشاجرات والمشادات، والأخذ والرّد، تغلب العقل أخيرًا على التهور، وانتصرت إرادة الأمة. لقد قمت بجولات مكوكية بين بيروت ودمشق، تارة بطائرة عمودية، ومرات بواسطة السيارات.

كان الشكّ هو المسيطر في أجواء الأطراف الثلاثة (سورية، والفلسطينيين، والحركة الوطنية اللبنانية)، وبصفة أخصّ بين الفلسطينيين والسوريين. حاول الفلسطينيون أن يستغلوا وقف إطلاق النار مع سورية لتحقيق نصر عسكري على "المسيحيين"، فقاموا بعدّة محاولات هجومية باءت كلها بالفشل رغم التسليح والعدد.

كانت الروح المعنوية القتالية عند الفلسطينيين، عكس الطرف الآخر، شبه منعدمة؛ وقد لاحظت وجود فجوة بين القيادات والمقاتلين، وأن المقاتلين لا يثقون بقياداتهم لأنها كانت تعيش "حياة ترف" وكل زعيم من حوله الخدم والحشم، وأستثني من ذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (جورج حبش) ، وجبهة النضال الشعبي، وياسر عرفات شخصيًا. لقد كان عرفات، رغم توجهاته الاستسلامية وإفساده المتعمد للثورة والفدائيين والمناضلين، ورغم شرائه للذمم وإمبراطوريته التي خلقها في لبنان وتآمره على الحركة الوطنية اللبنانية، رجلًا بسيطًا ونظيفًا ويعيش حياة بسيطة جدًّا على المستوى الشخصي. لقد كانت كل القيادات السياسية الفلسطينية في بيروت - عدا خليل الوزير (أبو جهاد) الذي كان في الجبل - قد استباحت لبنان، وخاصة المناطق الإسلامية، وعملت على "منع" قيام حركة وطنية قوية. وبالفعل، فقد أضعفتها وحولتها إلى "تابع"، في حين كان ينبغي لها أن تكون هي الأساس الذي يستند إليه التحالف، كما كان من المفترض أن يكون الفدائي الفلسطيني "ملاكًا" على الأرض في سلوكه وتصرفاته. لقد حدث العكس، فالقيادات والمقاتلون الفلسطينيون، يمارسون "سياسة تخويف" اللبنانيين و"يعيثون" فسادًا في لبنان؛ وهكذا غاصت الثورة في المستنقع اللبناني. والواقع أن الثورة الفلسطينية انتهت أخلاقيًّا منذ ذلك الوقت، فجاءت "النهاية السياسية" نتيجة لـ "النهاية الأخلاقية".

وهنا أورد مقارنة واضحة بين الثورتين الفلسطينية والجزائرية: كان المجاهد الجزائري، في الثورة الجزائرية، يعيش حالة من الانضباط العالي، بحيث يبدو "ملاكًا". وأذكر أنني حينما كنت صغيرًا في الخمسينيات، وكان الشعب الليبي يحتضن الثورة الجزائرية بقرار شعبي، وليس بقرار النظام الملكي العميل، كانت العائلات الليبية تسعد باستقبال مجاهد جزائري، بل كانوا يتبركون بوجوده بينهم، لأنهم يرون فيه "ملاكًا على الأرض"؛ وهكذا اكتسب المجاهد الجزائري والثورة الجزائرية سمعة أسطورية.

في الجانب الآخر، كانت سمعة المقاتل الفلسطيني والقيادات سيئة بين الجماهير اللبنانية والعربية. في إحدى المرات حصلت من السوريين على موافقة الانسحاب، وذهبت إلى بيروت. مكثت في العاصمة اللبنانية لأشرف على تنفيذ قرار الانسحاب، ولكنّ السوريين لم يفوا بوعدهم؛ فذهبت للقاء الرئيس الأسد وأنا في حالة غضب عارم. لما وصلت وجدت أن ملك الأردن حسين بن طلال يقوم بزيارة لدمشق، وعلمت أن الرئيس الأسد سيكون في توديع الملك في أحد المطارات العسكرية، فذهبت على الفور إلى المطار، وبقيت بعيدًا عن صالة الضيوف بالقرب من إحدى "الهناجر". لمّا أقلعت طائرة الملك حسين، توجهت وأنا أهرول إلى الرئيس حافظ الأسد، فوصلت وهو يهمّ بركوب السيارة فناديته: "أخ الرئيس، أخ الرئيس أريد أن أتحدث معك". ثم قلت: "الموقف خطير، ويبدو أنه لا توجد رغبة في الوصول إلى حل، وإذا لم تتح لي فرصة اللقاء بكم فسوف أضطرّ إلى المغادرة"، فقال لي: "العراقيون قتلوا أحد أعضاء القيادة القومية وظروفي اليوم صعبة". وتحت إلحاحي، وكان الرئيس الأسد رجلًا شهمًا على الدوام، قال لي: "سأطلبك، ولكن في وقت متأخر من الليل"، فقلت له: "أنا مجاهد. في أي وقت يسمح وقتكم أنا جاهز". وبالفعل طلبني الرئيس الأسد حوالى الساعة الواحدة والنصف ليلًا، وقال لي: "استمر بمهمتك ولا تيأس وما بيكون إلا الخير". وبالفعل، صدرت الأوامر في اليوم التالي بتنفيذ الانسحاب. بعد أن أكملت القوات السورية انسحابها، بدأت المرحلة الثالثة، وهي المصالحة وعودة التحالف الطبيعي.

 

 

جئت إلى دمشق صحبة القيادات الفلسطينية بواسطة طائرة عمودية، وتوجهنا فورًا للقاء الرئيس الأسد. وحينما استقبلنا ألقيت كلمة قلت فيها حرفيًا: "لقد أمضيت مدة ثمانية وخمسين يومًا بعيدًا عن ليبيا، وأنتم تعرفون حاجة ليبيا إلي فأنا رئيس الوزراء، ونحن نخوض حربًا في تشاد وقد تعرضت للموت المُحقق أكثر من 14 مرة، ولكنني سعيد لأنني تمكنت من تحويل الرصاص إلى قبلات". وكنت أشير إلى العناق بين القيادات الفلسطينية والرئيس الأسد وتقبيلهم له، ثم انسحبت من اللقاء وتركت القيادات مجتمعة معه. ومن المؤسف أنّ عرفات حاول أن "يبيع" هذا الإنجاز الثوري والتاريخي للمملكة العربية السعودية. لقد تألمت كثيرًا حين علمت بذلك، ولكن القيادات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وقفت ضد محاولة عرفات هذه، فاضطرّ إلى التراجع، ثم صرّح في مؤتمر صحافي: "إن الرائد عبد السلام جلود وثورة الفاتح يستحقان أرفع وأرقى وسام قومي". في هذا السياق، أريد أن أورد شيئًا مهمًا: إن قرار بقائي 58 يومًا كان قرارًا شخصيًا، وكان الأخ معمّر معارضًا لبقائي خارج ليبيا كل هذا الوقت، وخاصة في لبنان، وكان خائفًا عليّ، بل إنه رفض أن يتحدث معي هاتفيًّا. وقال لأبو بكر يونس: "سأتحدث مع عبد السلام فقط لمّا يعود من دمشق، وأن يعدني بأنه لن يذهب مرة أخرى إلى بيروت". لقد اتخذت قراري هذا من أجل سورية ولبنان ومن أجل فلسطين، قضية الأمة المقدسة. إن النظام العربي الرسمي عجز عن عمل أي شيء. وكذلك جامعة الدول العربية التي بدت عاجزة هي أيضًا. شكلت جامعة الدول العربية لجنة برئاسة أمينها العام محمود رياض وعدد من الوزراء العرب (وزير خارجية السعودية سعود الفيصل، ووزير خارجية الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح) ولكنها لم تفعل أي شيء، وحدث أن اجتمعت باللجنة الوزارية في دمشق قبل سفري إلى بيروت، وأبلغتهم بقرار سفري، فقال لي محمود رياض: "أنت مجنون تذهب إلى بيروت؟"، فقلت له: "لأنني مجنون سأذهب إلى بيروت".

 

 

بعد الاحتلال الصهيوني لبيروت عام 1982، كان جورج شولتز، وزير الخارجية الأميركي، يريد شخصيًّا أن يحقق "نصرًا" أو نجاحًا على غرار نجاح كيسنجر في كامب ديفيد. كان يريد أن يحقق تصوّر بن غوريون، حين قال: "أنا لا أعرف الدولة العربية الأولى التي ستعترف بإسرائيل، لكن الدولة الثانية ستكون لبنان". سافرت إلى سورية وعقدت اجتماعات عدة مع الإخوة السوريين والفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط. اتفقنا نحن الأطراف الأربعة (ليبيا، وسورية، والحركة الوطنية اللبنانية، والفصائل الفلسطينية باستثناء حركة فتح)، على مقاومة الاحتلال الصهيوني في لبنان والقوات الغربية التي تحتله والمعسكر الانعزالي، القوات اللبنانية والكتائب، واتفقنا على ما يلي:

1 - إنشاء غرفة عمليات مشتركة يوجد فيها ضباط سوريون وليبيون وفلسطينيون والحركة الوطنية اللبنانية.

2 - تزويد ليبيا للفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بالسلاح والذخيرة.

3 - تدفع ليبيا مرتبات المقاتلين الفلسطينيين ومقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية.

4 - ترسل ليبيا دبابات ومدرعات ومدفعية ووسائط دفاع جوي بأطقمها الليبية على أن تتمركز مع قوات جنبلاط وأحمد جبريل وجورج حبش في منطقة الجبل.

لقد قمت بدور كبير في إقناع الأطراف بضرورة البدء بمقاومة الاحتلال الصهيوني، وقامت ليبيا بتنفيذ ما التزمت به. وبدأت هذه الأطراف في المقاومة بعد أن تخلصت الفصائل والحركة الوطنية اللبنانية من "هيمنة" عرفات على القرار. لقد كان لانتفاضة الضاحية وانتفاضة الجبل الدور الأساسي في انتصار المقاومة وهزيمة العدو الصهيوني والغربي والانعزالي. أسقطت المقاومات الأرضية طائرتين أميركيتين حاولتا شنّ غارات على منطقة الجبل، ووقع أحد الطيارين في الأسر، وأعتقد أنّ الطائرتين أسقطتهما قوات الدفاع الجوي الليبي المتمركزة في منطقة الجبل، حيث كانت عربات "م1" الروسية الصنع متمركزة هناك. ثم كان للعمليات الجهادية الانتحارية التي حدثت في صيدا ضد مركز القيادة الصهيونية هناك، والتي نفذها الفلسطينيون، ثم العمليات الجهادية الانتحارية التي نفذها حزب الله على القوات الأميركية والفرنسية، أثرٌ هائلٌ في بث الرعب في القوات الأميركية والفرنسية والبريطانية والصهيونية، فانسحبت من لبنان، كما انسحبت القوات الصهيونية من معظم الأراضي اللبنانية نحو الشريط الحدودي. ولكي يعوّض الغرب هزيمته هذه، حشد ما بين أربعين إلى خمسين قطعة بحرية قبالة السواحل اللبنانية، بما فيها حاملات الطائرات.

وكان السؤال: ضد من؟ كل هذا الحشد البحري ضد مقاومة شعبية؟ لقد انتصر لبنان لأنه لا توجد حكومة يمكن إلحاق الهزيمة بها؟ لا يوجد جيش يمكن أن يهزم. كانت هناك مقاومة شعبية وهذه لا يمكن هزيمتها، كان عمودها الرئيس الشيعة والدروز، وبالطبع لا يمكن تجاهل دور الفصائل الفلسطينية في تحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالقوات الصهيونية والغربية والانعزالية، نعم الشعب لا يُهزم أبدًا، ولكن الجيوش تُهزم. لقد أراد الأميركيون الانتقام لهزيمتهم، وانطلاقًا من المثل الشعبي "عصا الذلال طويلة" (أي عصا الجبان طويلة)، أحضر الأميركيون البارجة "نيوجيرسي" وكان ذلك بطلب من أمين الجميّل. صبّ الأميركيون جام غضبهم على لبنان، ووجهت [البارجة الحربية] "نيوجيرسي" قنابلها الضخمة ضد المسلمين ومناطق الجبل في محاولة يائسة. كانت حكومة أمين الجميّل قد وقّعت اتفاقًا مع الصهاينة في 17 أيار/مايو 1983، وكانت قوات الحركة الوطنية اللبنانية وأمل وحزب الله والفصائل الفلسطينية على بعد كيلومتر واحد أو كيلومترين من قصر بعبدا. وكان يمكن إلحاق الهزيمة بأمين الجميّل ومعسكره الانعزالي، ولكن نظرًا إلى الضغوط الأميركية على سورية، ونظرًا إلى تخوّفها من أن تكون الحرب إسلامية - مسيحية، ولأن سورية تولي أهمية خاصة لأوضاع المسيحيين في المشرق العربي - وحتى لمسيحيي سورية نفسها - فقد امتنعت عن إلحاق الهزيمة العسكرية بالقوات الانعزالية واحتلال قصر بعبدا. وبدلًا من ذلك اشترطنا نحن وسورية لإيقاف القتال أن يلغي الجميّل اتفاق 17 أيار. زار أمين الجميّل العواصم الغربية طالبًا النجدة، زار باريس وواشنطن، ولكن الرعب الذي أصاب هذه العواصم من العمليات الانتحارية جعلها تتخذ موقفًا سلبيًّا من مناشداته، وطلب الرئيس الأميركي ريغن ووزير خارجيته شولتز من أمين الجميّل، العمل على إقناع سورية وليبيا بـ "تجميد اتفاق 17 أيار" بدلًا من إلغائه. بعد باريس، زار الجميّل المغرب وطلب من الملك الحسن الثاني القيام بوساطة مع ليبيا، وإقناعها باستقبال الجميّل، فاتصل الملك الحسن الثاني بالأخ معمّر عارضًا عليه طلب الجميّل. اتصل الأخ معمّر بي وأجرينا مناقشة عبر الهاتف وتداولنا حول موضوع الزيارة. في الواقع، كنت ضد زيارة الجميّل، ولكن الأخ معمّر قال لي: "زيارته لليبيا تعني اعترافه واعتراف الغرب بأن الحل في طرابلس ودمشق وليس في باريس وواشنطن"، فغيّرت موقفي. وبالفعل، قام الجميّل بزيارة طرابلس، وكنت في استقباله بالمطار، ثم توجهنا مباشرة للقاء الأخ معمّر. حينما وصلنا إلى الخيمة وجدنا الأخ معمّر قد أحضر جهاز فيديو وعرض على الجميّل شريطًا تلفزيونيًا للبارجة "نيوجيرسي" وهي تقصف منطقة الجبل. بعد الترحيب به، ضغط الأخ معمّر على زر الفيديو وقال مخاطبًا الجميّل: "انظر إلى نيوجيرسي وهي تمطر لبنان بالقذائف؟ كيف تستعين بقوة أجنبية ضد شعبك؟ أو ضد جزء من شعبك؟ أنت بهذا العمل أثبتّ أنك لست رئيس كل لبنان. أنت رئيس لجزء من الشعب اللبناني". شعر أمين الجميّل بالحرج الشديد، ثم حاول إقناع الأخ معمّر بأن "نوافق على تجميد الاتفاق" بدلًا من "إلغائه".

وكاد الأخ معمّر يوافق لولا أنني تمسكت بالإلغاء، وقلت له: "هذه خطة أميركية لأن عام 1983 سنة ميتة في السياسة الأميركية لأنها سنة انتخابات، وبعد الانتخابات ونجاح ريغن، سيعود لمحاربتنا بقوة؛ ومن ثمّ يجب أن نغتنم الفرصة". وبالفعل، رفضنا مقترح التجميد وأصررنا على الإلغاء. في الطريق إلى المطار، قال لي أمين الجميّل: "كنت أعتقد أنني سأجد صعوبة في إقناع القذافي، وإذا بي أجد صعوبة في إقناعك أنت".

إن العمليات الفدائية الجهادية ضد القوات الأميركية والفرنسية، وكذلك ضد قيادة القوات الصهيونية في صور، إحقاقًا للحق، كانت بسبب الروح الجهادية التي أطلقتها وبشرت بها وحرضت عليها الثورة الإسلامية في إيران، بقيادة الإمام الخميني. وأذكر أنني قمت بزيارة لإثيوبيا بعد هذه العمليات الجهادية، فقال لي الرئيس منغيستو هيلا مريام: "أنتم العرب قد لا تعرفون قيمة العمل الذي قمتم به. كان العالم قبل هذه العمليات الانتحارية يتغنّى بالعمليات الفدائية التي قام بها الطيّارون اليابانيون ضد الأسطول الأميركي في ميناء بيرل هاربر في 7 كانون الأول/ ديسمبر 1941. أنتم بهذه الأعمال تقدمون أرقى أنواع العمل الفدائي". كان العمل الفدائي يعني تفجير قنبلة عن بُعد، أو الهجوم الخاطف على هدف محدد، ولكن أن "يُلغم" الإنسان نفسه أو يقود سيارة "مُلغّمة"، وهو أول من يكون الضحية؛ فهذا أمر لم يعرفه النضال من قبل. لقد قمنا بممارسة ضغط شديد، وحرّضنا الفصائل الفلسطينية والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي اللبناني، وكنّا نضرب لهم المثل بحزب الله والمقاومة الإسلامية لنغيظهم ونستفزهم ونشجعهم ونقول لهم: "أنتم لا تملكون العقيدة ولا الجرأة التي يتمتع بها المقاتل الإسلامي في حزب الله والمقاومة الإسلامية". كل ذلك كان بهدف تحفيزهم على محاكاة تجربة حزب الله في القيام بالعمليات الاستشهادية. وبالفعل، نجحنا مع الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي؛ إذ قاما بعمليات استشهادية. وكنّا نريد أن تستفيد الفصائل الفلسطينية، وأحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، من هذه التجربة وهذه الروح الاستشهادية التي خلقتها الثورة الإسلامية في إيران وفي صفوف الشباب الشيعة. لقد كنت معجبًا بهذه الثورة، ومعجبًا بهذه العمليات الاستشهادية وبحزب الله والمقاومة الإسلامية. إنها النموذج الذي كنّا نفتقده. وأذكر أنني في لقاء مع الرئيس الأسد، قال لي: "في إحدى زيارات مساعد وزير الخارجية الأميركية ريتشارد ميرفي، وبينما كنت مجتمعًا به قال لي: نحن في أميركا لا نفهم كيف أن حزب البعث العلماني وسورية القومية تتحالف مع الأصوليين في لبنان، وكان بذلك يشير إلى حزب الله، فرددت عليه بالقول: "إذا كانت الأصولية هي العودة إلى الجذور فأنا أصولي، ثم إنّ هؤلاء يقاتلون عن سورية والأمة".

ذهبت مرة أخرى إلى سورية والتقيت بالإخوة من الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. وبمبادرة من ليبيا، اتفقنا نحن الأطراف الأربعة (ليبيا، وسورية، والفصائل، والحركة) على ضرورة تكثيف العمليات الفدائية ضد القوات الصهيونية في جنوب لبنان وفي فلسطين. التزمت ليبيا، طبقًا لهذا الاتفاق بتمويل العمليات الفدائية فضلًا عن الدعم المقرر أصلًا؛ نظرًا إلى حاجة هذه العمليات النوعية إلى إمكانيات وتقنيات خاصة. اقترحت على الإخوة في سورية أن نعمل معًا ومع حزب الله وأمل وأحزاب الحركة الوطنية اللبنانية على تفجير "انتفاضة" شعبية مسلحة ضد القوات الصهيونية في الجنوب اللبناني. وللأسف، فإن هذا النوع من الأعمال الجريئة لم يكن يلقى الفهم الكامل ولا التجاوب، نظرًا إلى العقلية العربية المحافظة التي لم تتعلم "روح المجازفة"؛ ذلك أنّ المنهج العام محافظٌ بطبيعته، من البيت إلى الجامعة. حينما تفجّرت ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة، كانت الأمة العربية تقبع تحت كابوس هزيمة 1967. ورغم الشعارات التي شدّد عليها مؤتمر الخرطوم (لا للاعتراف، لا للمفاوضات، لا للصلح)، فإنّ عدوان 1967 لم يكن فقط هزيمة عسكرية للعرب، بل كان هزيمة أيديولوجية أجهضت "فكرة الثورة العربية"، فجرى استبدال شعار "وحدة الهدف" بشعار "وحدة الصف". كان نموذج القومية العربية هو النموذج الفاشي الدكتاتوري، أي حكم الفرد/الأسرة/العائلة/القبيلة؛ لم يكن عند العرب أيّ نموذج سياسي يمكن اعتماده. وبدلًا من ذلك، كانت هناك "إقطاعيات" سياسية خلقت أنظمة تعتمد على أجهزة بوليسية وقمعية وأجهزة استخبارات ووحدات عسكرية قبلية. ولكل هذه الأسباب وقعت الهزيمة. نحن لم يهزمنا العدو، ولكن هزمتنا الدكتاتورية. نحن شعوب مهزومة من الداخل، وأنظمتنا أنظمة عائلية/عشائرية/قبلية. كان ياسر عرفات في زيارة لليبيا في عام 1973، وفوجئنا حين طلب منّا طائرة خاصة لنقله إلى القاهرة. وبعد وصوله بساعات، شاهدناه يحضر مع الخائن السادات جلسة ما يسمى مجلس الشعب المصري الذي أعلن فيه "زيارة فلسطين المحتلة"، وشاهدنا عرفات وهو يصفق. لقد تآمر عرفات على تدمير الثورة من الداخل. كان يفسد الذمم والكوادر والمناضلين، وأعتقد أن دول الخليج بدأت بدعمه، حينما تأكدت أن الدعم لا يقود إلى التحرير، وإنما إلى تدمير الثورة وخلق "سلوك غير ثوري". إنه البترودولار، عماد الثورة المضادة.

في 21 آب/ أغسطس 1982، قرّرت منظمة التحرير الفلسطينية الخروج من بيروت. طلبنا من القيادات الفلسطينية أن "ترفض" هذا القرار، وأن يفضل الفلسطينيون "الانتحار" على الخروج المُذل. لقد كان خروجًا مُذلًّا؛ ليس للثورة وحدها، بل لكل الأنظمة العربية والجماهير العربية. في هذا الوقت، أدخل عرفات والنظام السياسي العربي المستسلم الثورةَ في "حمّام للتبريد". قال لنا عرفات مرات كثيرة: "هذا هو عصر الدولار السعودي"، وكان يعبّر بذلك عن الدور التخريبي الذي تؤديه السعودية من شراء ذمم وضمائر السياسيين والمثقفين والصحافيين العرب، وحتى "الثوريين العرب". قاد عرفات والرجعية العربية والملك الحسن الثاني والنظام المصري عملية حمّام الماء البارد أو عملية تدجين الثورة وترويضها. وإذا كانت قرارات القمة العربية تؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فإن هذه القرارات تبدو في ظاهرها تكريسًا للهوية الفلسطينية. أما في الواقع، فإن منظمة التحرير هي "ثوب" مصمم لعرفات، وحينما يقال "منظمة التحرير" فإن المقصود ياسر عرفات. أفرغ عرفات مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من محتواها، وركّز كل شيء في يده وضمن بطانته. كان يقول في الاجتماعات، وهي عادةً مجردُ "منابر خطابية": "خليهم يتكلمون أنا عندي الشيك والقلم". دغدغ هذا الشعار العواطف الوطنية الفلسطينية، ولكنه كان يحمل أبعادًا تآمرية على قضية فلسطين. استطاع عرفات أن يخدع القيادات الفلسطينية، لمّا تبنى شعار إقامة "السلطة الوطنية الفلسطينية على أي جزء يتمّ تحريره". وللأسف، نجح عرفات في إقناع الفصائل الفلسطينية. وبعد أوسلو، ها هو يقول: "إنه ينفذ قرارات المجلس الوطني الفلسطيني". بعد شحن "الثورة الفلسطينية" في السفن الغربية، بحماية السفن الأميركية والفرنسية، وبعد أن جرى التآمر على البندقية الفلسطينية والكفاح الوطني الفلسطيني والمقاومة، عُقد "مؤتمر قمة" فاس في الفترة 6-9 أيلول/سبتمبر 1982 بطريقة احتفائية، وبأمرٍ من الولايات المتحدة، للإعلان عن نهاية المقاومة والثورة. وبالطبع لم نشارك في هذا المؤتمر. لقد رفض العرب الدعوات المتكررة منّا خلال حصار بيروت في عام 1982، لعقد قمة عربية. لكن بعد أن تحققت المؤامرة، عقدوا قمة، تطبيقًا للمثل القائل: "إذا لم تستحِ فافعل ما شئت". ثم بدأ عرفات بالتآمر في طرابلس، اللبنانية، وفي البقاع والجبل، وفي الجنوب اللبناني؛ فتفجّر الخلاف داخل حركة فتح، وقاد نمر صالح وأبو موسى، سعيد مراغة، وأبو خالد، موسى محمود العملة، حركة الانشقاق، فسافرتُ على عجل إلى سورية وعقدتُ سلسلة اجتماعات مع الإخوة السوريين ومع أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة، ومع أحمد جبريل، واتفقنا جميعًا على إخراج عرفات من طرابلس ومخيمات الشمال. وبالفعل، تمكنّا من إخراجه. قامت قواتنا الموجودة في لبنان، بتقديم الإسناد المدفعي في المعركة لإخراج عرفات. شكّلت الخطة الأميركية - الصهيونية، التي أطلقها الملك فهد، أساس "تصفية قضية فلسطين"؛ إذْ طلبت واشنطن من الملوك والرؤساء العرب عقد قمة للموافقة عليها. وبالفعل، عقد اجتماع في فاس بالمغرب يوم 6 أيلول/سبتمبر 1982، وحضرته كل الدول العربية ما عدا ليبيا. قررنا مقاطعة "مؤتمر الخيانة".

ثم تبنّى المؤتمر "خطة السلام" التي عرضها الملك فهد، فأصدرنا بيانًا رفضنا فيه مقررات قمة فاس. كنت أنا والأخ معمّر في مدينة سبها جنوب ليبيا، وهناك قدنا تظاهرة حاشدة شارك فيها نحو 50 ألف متظاهر. كانت التظاهرة عفوية ومن دون ترتيب أو إعداد. جهزنا صورًا ودمًى للملوك والرؤساء العرب، وأحضرنا فأسًا وقمنا بتهشيم الصور والدمى، باستثناء صورة حافظ الأسد، مراعاة لظروف سورية وجغرافيتها وتعرضها لضغوط غربية، ولأننا نريد أن نبقي على علاقتنا الجيدة مع دمشق وجرّها إلى موقفنا.

كان الملك الحسن الثاني يقول، وهو على حق: "إنّ كل العرب حضروا قمة فاس ووافقوا على مقرّراتها ما عدا ليبيا، وبالتالي فمن حقها أن تعارض". وهكذا، بدأ مسلسل التآمر وتصفية القضية الفلسطينية، فقد نبذ عرفات العمل الفدائي، ووصفه بأنه "إرهاب" بناءً على طلب الولايات المتحدة، لما أعلن بالإنكليزية اعترافه بدولة غير شرعية في فلسطين. ومن المؤسف أنني كنت مشغولًا في منطقة الجنوب، نظرًا إلى الإخفاقات التي كانت تعانيها قواتنا في تشاد في فايا ووادي الدوم، وقيام حسين هبري باحتلال قرية أوزو. استغل عرفات هذا الوضع، وكان الأخ معمّر في حالة نفسية سيئة، فقام بخداع الأخ معمّر، ويبدو أن من ساهموا في الخداع جورج حبش ونايف حواتمة، حين اتفقوا على عقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر. أدت الجزائر دورًا كبيرًا في التحضيرات لعقد دورة المجلس الوطني الفلسطيني؛ لأن الجزائريين كانوا يرفعون "شعارًا إقليميًّا": لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، نقبل بما يقبل به الفلسطينيون. رفضت حركة فتح - الانتفاضة وأحمد جبريل، وحركة فتح - المجلس الثوري والصاعقة، الاشتراك في إعداد الوثيقة الأساسية لدورة المجلس، كما رفضوا المشاركة فيه. لكن - للأسف - أعطى حبش وحواتمة الغطاء لعرفات. لمّا علمت بعقد هذا الاجتماع، ورغم أنني كنت مشغولًا بالعمليات في الجنوب، اتصلت بالأخ معمّر واعترضت على عقد المجلس الوطني في الجزائر وعلى "فكرة" الوثيقة المطروحة. شكلت دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر بداية التفريط في القضية الفلسطينية؛ إذْ أصدر المجلس قرارات استسلامية، كما أُطلقت يد عرفات لتقديم مزيد من التنازلات.

قبل هذه الأحداث بسنتين، وبعد حرب الخليج الثانية (2 آب/ أغسطس 1990 - 28 شباط/ فبراير 1991)، وتدمير العراق بما يقرب من عشر سنوات، انتزع الأميركيون والصهاينة وقوى الاستسلام زمام المبادرة، واستغلوا الانهيار الذي أصاب الأمة العربية ليفرضوا عليها الاستسلام، وتصفية القضية الفلسطينية؛ فأعلن الرئيس الأميركي جورج بوش، في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1991، عقد مؤتمر مدريد الاستسلامي الخياني، ليفرض المفاوضات المباشرة، إمعانًا في إذلال العرب، ولم يكن اختيار مدريد مجرد مصادفة كما قال جيمس بيكر، وزير الخارجية الأميركي. لقد كان هذا الاختيار زيادة في إذلال العرب؛ إذ صادف مرور 500 عام على "خروج العرب من الأندلس". وكنّا أعلنا في ليبيا أن هذا المؤتمر "مؤتمر خيانة" لقضية فلسطين والأمة، وأنّ الذين يشاركون فيه "خونة"، ورفضنا مُسبقًا ولاحقًا كل قراراته المترتبة عليه، لأنه فُرض على الأمة فرضًا. وأعلنّا أنّ الأمة العربية تتبرأ من المؤتمر ومن نتائجه؛ ولذا فهو لا يكتسب أي مشروعية. وللأسف، قرّر اتحاد المغرب العربي، باستثناء ليبيا، إرسال الأمين العام للاتحاد ممثلًا له في مدريد، وهو تونسي، فأرسلنا لهم احتجاجًا رسميًا، وقلنا حرفيًّا: "إنه لا يمثلنا لا من قريب ولا من بعيد، إضافة إلى أن إرساله يخالف اتفاقية اتحاد المغرب العربي التي تنص على الإجماع". أرادت الولايات المتحدة قرارًا إسلاميًّا بالموافقة على مبادرة بوش وعلى عقد مؤتمر مدريد، وطلبت عقد مؤتمر قمة إسلامي. وبالفعل، عُقد المؤتمر في دكار بالسنغال، وتبنى خطة بوش لتصفية القضية الفلسطينية، وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بإلغاء قرارها السابق الذي يعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، وكذلك فعل المؤتمر الإسلامي في السنغال تماشيًا مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد انسحبنا من آخر مؤتمر قمة عقد في الدار البيضاء بالمغرب؛ لأن المؤتمر اعترف بالعدوّ، وفرّط في الحق القومي، وأعطى إشارة الانطلاق لتصفية القضية الفلسطينية، وشكّل بداية الاستسلام للمخطط الصهيوني - الأميركي. وقد أصدرنا أمرًا لمكتب الاتصال الخارجي باستخدام كلمة "الرفض" بدلًا من "عدم الموافقة" أو "التحفظ"، ورفضنا قرارات اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة الذي عُقد لمباركة مؤتمر مدريد والموافقة على "المفاوضات المباشرة".

لقد أعطيت القضية الفلسطينية كل وقتي منذ طفولتي، فشبابي. أعطيتها عقلي وقلبي وتفكيري وعرقي ودمي، ولكن - للأسف - ضاع كل هذا وذهب مع الريح، ريح الانهيار العربي. وأنا كلّي ثقة بأن رياح الثورة والتغيير والمقاومة سوف تهبّ من جديد.

حرب المخيّمات في لبنان

حينما اندلعت حرب المخيّمات بين حركة "أمل" المدعومة من سورية، والفصائل الفلسطينية، خلال الفترة أيار/مايو 1985 - تموز/يوليو 1988، سافرت على عجل إلى دمشق لإخماد هذا النزيف القومي المادي والمعنوي، وكان يرافقني الأخ ضو سويدان، الكاتب العام لمكتب الاتصال الخارجي، أي تمامًا كما حدث عام 1975، وكما حدث في عام 1986. ذهبت إلى دمشق للاجتماع بالرئيس حافظ الأسد وفصائل الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وكنت أعتقد أن زيارتي سوف تستمر أيّامًا، أستطيع فيها وقف هذه الحرب المقززة التي تشكل نزيفًا قوميًّا وتدمي قلب كل مواطن عربي من المحيط إلى الخليج. ونظرًا إلى خطورة الموقف وحساسيته، فقد قرّرت أن "أعسكر" في دمشق حتى أتمكن من إطفاء الحريق. تعاونت مع الإخوة في إيران، حيث كان يوجد أيضًا الثوري الصلب حسين شيخ الإسلام، ممثلًا للثورة الإسلامية، والسفير الإيراني في دمشق، وهو من رجال الدين الثوريين. كان شيخ الإسلام والسفير الإيراني، يتنقلان بين دمشق وبيروت، جيئة ذهابًا. أمضيت قرابة ثلاثة أشهر، كنت أجاهد خلالها في اجتماعات مضنية وطويلة وشاقة وفي أجواء انعدام للثقة تامّ بين الأطراف المتحاربة؛ فالفلسطينيون يعتبرون أنّ سورية تحاربهم بواسطة حركة أمل، وأن الحركة ألعوبة في يد سورية، وهم يشاهدون الشاحنات تنقل إليها الأسلحة والذخائر. كان الإخوة في سورية يقولون، على العكس من ذلك، إنّ حركة أمل هي التي تحاصر المخيّمات، وإنه لا علاقة لهم بالحركة ولا سيطرة لديهم عليها، ويقولون، من جانبٍ ثانٍ، إنّ هناك مؤامرة من عرفات في المخيّمات، ولا يمكن من ثمّ فكّ الحصار من دون استسلام "جماعة عرفات" وأن يخرجوا منها ويسلموا أسلحتهم.

ما أثار إعجابي هو وحدة الفصائل الفلسطينية في مواجهة الحصار، وإجماعها على أن هذه الحرب هي "قرار سوري" و"إرادة سورية" حتى الفصائل التي تناصب عرفات العداء، مثل "فتح - الانتفاضة" وأحمد جبريل، كانوا أكثر صدامية مع سورية، وكانوا من أشد المقاتلين ضد أمل. كل الفصائل رفضت بالإجماع محاولات سورية لشق وحدتها. قاتلت "جماعة عرفات" مع جماعة أحمد جبريل والانتفاضة والمجلس الثوري والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية؛ لأن حجة سورية كانت أن جماعة عرفات يريدون العودة إلى بيروت، وأن هذه الفصائل ليس لها أي وجود، وأن كل المقاتلين هم من جماعة عرفات، ويدّعون أنه حتى لو كان لهذه الفصائل وجود، فهو "متواضع" داخل المخيّمات.

لقد اشتراهم عرفات، لكن الحقيقة أنه في مواجهة الخطر، جمّد الجميع خلافاتهم وقاتلوا على أنهم إخوة، وكانوا موضع اعتزازي وإعجابي، وكنت أطلب منهم أن يواجهوا المؤامرة بقلب رجل واحد ويد واحدة، وكنت أحثهم على ذلك. كانت سورية تشترط، لتضغط على أمل لرفع الحصار، إخلاء المخيّمات من المظاهر المسلحة، وتسليم الأسلحة وأن تتولى الشرطة اللبنانية الأمن في المخيّمات. كان الإخوة السوريون يقولون إن عرفات "يتآمر على سورية ويخطط للعودة إلى بيروت، وإن سورية لن تسمح بذلك"، بل إنهم قالوا لي عدة مرات إن "جماعة عرفات يخرجون ليلًا إلى بيروت ويخططون لإحداث فتنة فيها". وكنت أقول لهم إن الفصائل الفلسطينية الأخرى مستعدة للسيطرة على المخيّمات ومنع جماعة عرفات من الخروج إلى بيروت بأسلحتهم، وكانوا يردّون قائلين لي: "إن الفصائل الفلسطينية ليست لها سيطرة على المخيّمات. معظم المسلحين هم من جماعة عرفات، وحتى مجموعاتهم القليلة ليس لديها القدرة على فرض السيطرة على المخيّمات. لقد اشتراها عرفات". ولم يكن ذلك صحيحًا.

أمضيت الأيام والليالي والأسابيع والأشهر في اجتماعات مطوّلة، تصل أحيانًا إلى عشر ساعات. كانت أجواء انعدام الثقة هي السائدة بين السوريين والفصائل، وبدا التشنج هو السمة التي تطغى على تصرفات الجميع. لقد وجدت نفسي أمام معادلة صعبة: فمن جهة، الإخوة السوريون يكرّرون أنهم لا يسيطرون على حركة أمل، وبالطبع لم يكن هذا صحيحًا؛ ومن جهة أخرى، يقولون إنه لا بد من خروج مسلحي عرفات من المخيّمات وضرورة تجريدها من السلاح، وإن الأمن اللبناني هو مَن يتولى الأمن فيها، في حين تقول الفصائل الفلسطينية إن قرار الحصار هو قرار سوري تنفذه أمل، ويؤكدون أن الشاحنات التي تحمل الذخائر والسلاح إلى أمل تعبر إلى بيروت، ويقولون إنه حتى لو اتفقوا مع سورية حول "نيات عرفات"، فإنهم، بصفتهم فصائل فلسطينية، يرون أن سورية لم تترك لهم أيّ خيار آخر سوى القتال، وأن محاصرة المخيّمات تخدم مخطط عرفات وتضعف مواجهة نهجه الخياني.

كنت أتبنى وجهة نظر الفصائل الفلسطينية كليًّا، وكنت أطلب منهم أن يقاتلوا معًا. وبالفعل، أثبت الفلسطينيون صمودًا ووحدة قتالية رائعة، رغم محاولة سورية إحداث الفرقة بينهم. وهكذا، تعاونت القوات الفلسطينية داخل المخيّمات مع القوات الموجودة في الجبل، واضطلعت قوات أحمد جبريل والانتفاضة بدور أساسي هناك. حاولت ليبيا إرسال قوات وأسلحة وذخائر. بيد أن سورية رفضت، بل إننا حاولنا استخدام مخزون الأسلحة الذي كنّا نملكه داخل دمشق؛ فرفضت سورية أن تسمح بذلك، ورفضت أن تسمح للفلسطينيين بإرسال أسلحة من سورية إلى منطقة الجبل. ومع ذلك، أدار الإخوة الفلسطينيون المعركة بوحدة متراصة وإدارة عسكرية وسياسية وإعلامية، وكان السوريون منزعجين من هذا الصمود البطولي الذي أيقظ الجماهير العربية وشحذ هممها. ومثّل هذا الأمر ضغطًا على سورية، فأصبحت في نظر الرأي العام العربي "مدانة"، وكان الشارع العربي يغلي غضبًا، وكانت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) تصوّر الوضع في المخيّمات على أنه "وضع مأساوي"، وأن "النساء والأطفال باتوا يأكلون القطط والكلاب والفئران".

كانت هذه الصور الراعبة، سواء أكانت حقيقية أم مبالغًا فيها، تزيد من غليان الشارع العربي وتضاعف من سخطه على سورية. أدت إيران وليبيا وصمود الفلسطينيين، وحسن إدارتهم للمعركة الدعائية، دورًا حاسمًا في وضع سورية طرفًا مُتهَمًا بـ "تنفيذ" مؤامرة ضد الفلسطينيين، وأنها تريد القضاء على "البندقية" الفلسطينية في لبنان، وتريد "إبادة الشعب الفلسطيني"، وهذا ما نجح الإعلام الفلسطيني في تصويره.

كان السوريون منزعجين من قدرة الإعلام الفلسطيني على "تهييج الشارع الفلسطيني" وفي تصوير سورية طرفًا يقوم "بأعمال وحشية ضد المخيّمات". كان عبد الحليم خدام نائب الرئيس الأسد، ومعه حكمت الشهابي رئيس الأركان، وعلي دوبا مدير المخابرات العسكرية، يقولون لي: "خلاص، المخيّمات سقطت"، وكنت أضحك، لأنني أعرف أنها لم تسقط. وفي اليوم التالي، يكرّرون الأسطوانة نفسها، وكنت أقول لهم: "لن يحصل هذا". ثم مارست ضغطًا على الحركة الوطنية اللبنانية بكل أحزابها برئاسة وليد جنبلاط، الذي تعلّم بسرعة، واكتسب وعيًا قوميًا، لكن الحركة اللبنانية كانت واقعة تحت ضغط شديد من سورية؛ ولذا كان لها موقفان: موقف معلن مساير لسورية، وموقف ميداني داعم للفلسطينيين. كان وليد جنبلاط وبقية الأحزاب يقولون لي: "إن العرب لا يريدون أن يتحملوا مسؤولياتهم، ويريدون من لبنان أن يدفع الثمن"، وكانوا يقولون: "إن الفلسطينيين في ليبيا وفي بقية البلاد العربية لا يسمح لهم بحمل مسدس". كان السوريون يتهمون وليد جنبلاط بالتعاون مع عرفات، وكنت أخشى على سلامته من أن يلقى مصير والده. وكان لعاصم قانصوه الأمين القُطري لحزب البعث السوري في لبنان، موقف مخالف ومغاير للموقف الرسمي في سورية، فقد طلب من عناصره في صيدا أن يقاتلوا مع الفلسطينيين، وقد دفع ثمن ذلك وبات مغضوبًا عليه وتمّت تنحيته من رئاسة الحزب، وكذلك مصطفى سعد الذي كان يتهمه الطرف السوري بأنه "عرفاتي" أو يتعاون مع عرفات، والحقيقة أنه كان يتخذ موقفًا قوميًّا، ويقف مع كل الفصائل الفلسطينية في صيدا. طلبت عدة مرات من وليد جنبلاط أن يذهب إلى صيدا ليضغط على جماعة عرفات للانسحاب من المدينة. كان الموقف الظاهري للحركة الوطنية اللبنانية مسايرًا لسورية، ولكنه فعليًّا كان يتعاطف مع الفلسطينيين. وأخيرًا، نجحت في إقناع الفصائل (جميعها) عدا جماعة عرفات، والتي لم أكن أتعامل معها على أن يتمّ الانسحاب من منطقة مغدوشة وفكّ الحصار عنها، لأن سورية جعلت من هذا الأمر بمنزلة "قميص عثمان" واشترطت لفك الحصار انسحاب الفلسطينيين من هذه المنطقة أي من "خارج المخيّمات" والعودة إلى داخلها، وهو ما أطلق عليه "التمدد الفلسطيني خارج المخيمات".

ولم يكن سهلًا عليّ إقناع حبش وحواتمة وجبريل وأبو موسى و"جماعة أبو نضال" والنضال الشعبي، لأنهم كانوا في قمة التشنج. لقد فقدوا الثقة بسورية، وكانوا يقولون إنها تنفذ مخططًا لتصفية "البندقية الفلسطينية" في لبنان، ولكن بعد صبر ومثابرة وإرادة لا تكلّ، وبإرادة ثورية صلبة وحديدية لا تعرف المستحيل، وبعد سلسلة اجتماعات فردية وجماعية، تمكّنت بعون الله وتوفيقه من تحقيق الهدف. لقد استمر بعض الاجتماعات ليالي وأيامًا من الصباح حتى الغروب، وأحيانًا من الغروب حتى الفجر، كنت أجتمع خلالها مع الإخوة السوريين والفصائل والحركة الوطنية اللبنانية، وأحيانًا كنت أعقد اجتماعات ثلاثية، مرة مع الإخوة السوريين والفلسطينيين، ومرة أخرى مع الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية. وقد فوجئت يومًا بأن الرئيس حافظ الأسد يطلبني، فذهبت للقائه. قال لي: "نحن نستغرب مَن نصدّق؟ هل نصدقك أنت أم الأخ معمّر؟"، وعرض عليّ برقية من الأخ معمّر موجهة باللاسلكي إلى جماعة عرفات وحواتمة وحبش، يطلب منهم عدم الانسحاب من منطقة مغدوشة؛ فصعقت من هذا التصرف، وقلت له: "يا أخ الرئيس أنا عارف ماذا أعمل، وقرار وجودي هنا قرار شخصي وليس قرار قيادة، وهو ناتج عن التزامي القومي وحبي وحرصي على سمعة سورية، والتزامي بالحفاظ على الثورة الفلسطينية، وأنت تعرف أن قرار بقائي في سورية وذهابي إلى لبنان عام 1975 كان أيضًا قرارًا شخصيًّا ولم يكن قرار القيادة، بل إن القيادة كانت ضد قراري هذا"، فقال لي: "خلاص، ابق واستمر في مهمتك وستجد منّا كل تشجيع". وبالفعل، وجدت كل تشجيع.

خلال مباحثاتي مع الرئيس الأسد كنت أشاهد في وجهه مشاعر الألم والمرارة مما يجري، كان يقول لي: "الفلسطينيون يشيعون بين الناس أن النساء والأطفال والشيوخ في المخيّمات يأكلون الأعشاب والقطط والكلاب"، ثم يضيف مازحًا: "في الدعاية لا أحد يغلب الفلسطينيين". توصلنا إلى "اتفاقات" محدّدة عدة مرات، وكنت خلالها أطلب طائرة من طرابلس للعودة، وكنت أحزم حقائبي استعدادًا لمغادرة دمشق، وفجأة في آخر لحظة "ينهار الاتفاق"، والسبب كان دائمًا هو عدم الثقة بين الأطراف المتصارعة، وبالطبع بسبب تدخلات عرفات وتخريبه لأي اتفاق. لكن بفضل التصميم الثوري والإرادة الحديدية وسهر الليالي، بأعصاب باردة وأحيانًا متوترة، وبفضل التمسك بهدف محدد هو وقف المؤامرة وإنهاء حصار المخيمات، نجحت أخيرًا، بعد تسعين يومًا من العمل الشاق. كان فضل شرورو من الجبهة الشعبية - القيادة العامة، وأبو ماهر (أحمد حسين) اليماني من الجبهة الشعبية، وياسر عبد ربه من الجبهة الديمقراطية، قد ذهبوا عدة مرات إلى صيدا للإشراف على تنفيذ الانسحاب، لكنهم لم يتمكنوا من تنفيذ الاتفاق؛ ولذا قررت استدعاء مصطفى سعد، وطلبت منه الضغط على الفلسطينيين، وخاصة جماعة عرفات وجماعة أبو نضال. وبعد ضغوط شديدة حسم مصطفى سعد أمره وتردده، فعقدت اجتماعًا آخر معه ومع الفصائل الفلسطينية. كان مصطفى يتعرض لضغط من سورية، وقد قال للفلسطينيين حرفيًّا: "اسمعوا يا شباب، مجال المناورة أصبح محدودًا وعليكم أن تنسحبوا من مغدوشة إذا أردتم أن تجنبوا شعبكم في المخيّمات المزيد من المآسي، لأن حركة أمل ستضع شرط الانسحاب مقابل رفع الحصار".

كان السوريون منزعجين من مصطفى سعد، ويرفضون استقباله ويقولون إنه "يشتغل مع عرفات" ولصالحه، فطلبت من عبد الحليم خدام أن يستقبل مصطفى سعد. وبالفعل، تمّ ذلك. بدا مصطفى سعد مبتهجًا ومرتاحًا للقاء خدام واعتبر ذلك بداية "رضا" السوريين عنه، وهذا ما شجعه على حسم أمره وتردّده. في السابق كان يرفض الحضور إلى دمشق ويرسل شقيقه أسامة سعد بدلًا منه. واتفقت أنا والفلسطينيون ومصطفى سعد على الانسحاب من مغدوشة والعودة إلى المخيّمات. تعهد مصطفى أن يضغط على جماعة عرفات لكي ينسحبوا مع بقية الفصائل. عاد مصطفى إلى صيدا ومعه عبد ربه من الديمقراطية وأبو ماهر من الشعبية وفضل شرورو من القيادة العامة وأشرفوا على الانسحاب.

كنت أتابع عملية الانسحاب بواسطة جهاز اللاسلكي حتى تمّت بنجاح. لقد كانت أيامًا عصيبة تُدمي القلوب. تعبت وسهرت وأُرهقت، لكنني كنت مرتاح الضمير، لأنني قمت بواجبي. وأريد أن أشيد هنا بدور إيران الرائد وحزب الله. كان مشهدًا جميلًا ذلك الذي رأيته، في الإذاعة المرئية [التلفزيون]، شاحنات التموين وهي تخترق الحصار في مخيم الرشيدية، يتقدّمها رجال دين شيعة من إيران وحزب الله. كانت صورًا رائعة، فهم كانوا يعرّضون حياتهم للخطر من أجل أن تصل شاحنات الطحين والأرز.

لقد نجح العمل البطولي الجهادي الذي قمت به بالتعاون مع إيران، ممثلة في حسين شيخ الإسلام وسفير إيران في سورية وحزب الله، في رفع الحصار عن المخيّمات ووقفت الحرب. نعم، لقد قضيت حوالى ثلاثة أشهر بعيدًا عن ليبيا، وهي في حاجة إليّ، حيث كانت أسعار النفط قد انخفضت بنسبة كبيرة، ما أثر هذا في الوضع الاقتصادي، وحيث كانت مرحلة الرئيس ريغن من أصعب مراحل المواجهة مع واشنطن. كانت هناك حرب دعائية واقتصادية وسياسية وعسكرية. وما زاد من مصاعب ليبيا في هذا الوقت هو اندلاع الحرب مع تشاد. اختلّ التوازن في هذه الحرب لصالح العدو، ومنينا بإخفاقات عسكرية. كان الأخ معمّر يطلب مني العودة، نظرًا إلى كل هذه الأوضاع والظروف التي تمرّ بها ليبيا، ولكنني رفضت حتى تحقيق المهمة المقدسة. في هذا الوقت، لم يكن هناك شيء في نظري يعلو على القضية الفلسطينية، وكنت أقول له: "حينما أقاتل التآمر ضد البندقية الفلسطينية في لبنان، وضد الجماهير الفلسطينية في المخيّمات، فإنني أدافع عن ثورة الفاتح". وأذكر أنني فور وصولي طرابلس عائدًا من دمشق يوم 2 آذار/مارس 1985، ذهبت إلى سبها مباشرة نظرًا إلى وجود الأخ معمّر هناك. كان هذا يوم الإعلان عن "قيام سلطة الشعب"، وكان يحضر الاحتفال الصادق المهدي رئيس وزراء السودان. وجدت الأخ معمّر غاضبًا مني غضبًا شديدًا، نظرًا إلى فترة الغياب الطويلة عن ليبيا وهي تمرّ بظروف صعبة، ثم طلب من وسائل الإعلام نقل اللقاء بيننا مباشرة على الهواء. وبالفعل، تمّ بث الخبر في وسائل الإعلام الليبية، وكان الغرض من ذلك دحض الشائعات التي راجت في ليبيا، والتي تزعم أن خلافًا نشب بيننا، وأنني قررت العيش في سورية.

كان هناك، بالفعل، قلق حقيقي في أوساط الجماهير الليبية بسبب هذه الشائعات، وهذا عينه ما حدث قبل ذلك بسنوات (1975) حين مكثت ثلاثة أشهر في بيروت؛ وهو الأمر الذي اضطرّ معه الأخ معمّر إلى الإعلان أن عبد السلام جلود يقوم بـ "مهمة قومية" وتاريخية في لبنان، نافيًا الشائعات التي راجت آنذاك حول سبب غيابي عن ليبيا.

لم يكن الوضع الخطير الذي وصلت إليه الثورة الفلسطينية والقضية الفلسطينية وليد اليوم، أو مصادفة. لقد تمّ "تمرير" الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير عبر "حمامات تبريد" قصد ترويضها وتطويعها. وإذا كانت الديمقراطية والتعليم هما أهم عاملين في تقدم الشعوب ونهضتها، فإن الديمقراطية هي الشرط الأساسي والضروري لنجاح أي حركة تحرير في تحقيق أهدافها. وقد نتج من هذه الحمامات الباردة شخصنة الثورة الفلسطينية، ومنظمة التحرير وحركة فتح باعتبارها الحركة الأساسية في الثورة الفلسطينية، قبل أن تنافسها حركة حماس؛ بمعنى أنها أصبحت رهن إرادة شخص واحد. وبدلًا من تفعيل مؤسسات الثورة ومؤسسات منظمة التحرير، جرى إضعافها عن قصد. وتمّ أيضًا تغييبها وتجميدها، وصارت أشكالًا "ديمقراطية ديكورية" تستحضر عند الحاجة إلى إضفاء الشرعية على القرارات الفردية، وحل "القائد" محل هذه المؤسسات، متناسين أن القائد الحقيقي هو الذي يكون من حوله القادة، لا أتباع ومجاملون ومباركون. وصارت منظمة التحرير تحاكي النظام الرسمي العربي في سلوكه وتزييفه وسطوته. لقد أهملت تعبئة الشعب الفلسطيني على طريق التحرير والعودة، وربط حلقاته الثلاث بعضها ببعض: فلسطينيون داخل فلسطين المحتلة، والفلسطينيون في مخيمات اللجوء في دول الجوار، والفلسطينيون في المهجر. وظهرت ثقافة و"قناعة" أن الكفاح المسلح والعمل الفدائي لم يحققا شيئًا ولم يقرّبنا من التحرير، ومن ثمّ فلنجرّب المفاوضات؛ وهنا بدأت عملية تمهيد أرضية للانحراف، وبدأ التعامل مع المبادرات السياسية الوهمية التي تروّج لها قوى الاستسلام العربي والولايات المتحدة والغرب.

إن تجارب التاريخ تقول لنا إن المبادرات التي تنطلق من موقف الضعف لا تحقق أي شيء؛ المبادرات التي تحقق النجاح هي التي تنطلق من موقف القوة. لقد جرى افتعال تناقض بين البندقية والسلام والعمل السياسي، مع أنه لا تناقض بينها؛ فالبندقية تدعم العمل السياسي، والعمل السياسي يوفّر الأرضية للبندقية. لقد جرى التفريط في أهم عوامل القوة، وهي الوحدة الوطنية الفلسطينية، و"وحدة الهدف والبندقية" تحت وهْم "السلام". وظهرت شعارات تقول إن هذه المرحلة ليست مرحلة العمل الفدائي، بل مرحلة النضال الشعبي السلمي، والتاريخ يعلّمنا أن الانتصار يتحقق بوضع استراتيجيا تعتمد كل هذه الأساليب.

كان من نتاج حمامات التبريد هذه اتفاقات أوسلو، والتي هي أخطر من "كارثية"، لأنها أنتجت السلطة الوطنية الفلسطينية. إنها سلطة من دون سلطة، أو هي في أحسن الأحوال "سلطة بلديات" تخلّص فيها العدو من مسؤوليته بصفته سلطة احتلال تجاه شعب محتل، ووجدت منظمة التحرير نفسها مشغولة بتوفير احتياجات الناس الحياتية والضرورية، بدلًا من أن تهتم بتعبئة الشعب وإعادة بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، والبحث في كيفية تصعيد الكفاح المسلح والعمل الفدائي. وهكذا دخلت في متاهات المنطقة "أ" والمنطقة "ب" والمنطقة "ج"، وانخرطت أجهزة السلطة في توحيد جهودها مع جهود أجهزة العدو لقمع الشعب الفلسطيني وحراسة الكيان الصهيوني. إنها الطامة الكبرى؛ لأن المطلوب منها أن تقدّم شهادة حسن سيرة وسلوك إلى المجتمع الدولي، "أي أميركا"، لكي تُقبَل طرفًا في "مفاوضات عبثية".

إن قلبي وعقلي يرتعشان من الزج باسم سيدنا النبي إبراهيم عليه السلام في هذا الظلم الصارخ الذي ما بعده ظلم، وهو ما عرف بصفقة القرن واتفاقيات التطبيع مع العدو التي وقعت بينه وبين الإمارات والبحرين. إن سيدنا إبراهيم عليه السلام براء من هذه الترهات وروحه عند خالقها ترتعش من هذا التزييف، ولو قدر له أن يكون على قيد الحياة لدمّر هذه الأصنام التي تتآمر على قضية فلسطين والأمة العربية والإسلام، كما دمّر أصنام الوثنية. وأقول للمبتهجين بهذا الظلم، إضحكوا، إنكم ستضحكون قليلًا لأنكم ستبكون كثيرًا؛ لأن هذا الكيان المُصنّع في الغرب سينتهي إنْ توقف عنه الدعم الأميركي والغربي.

وفي النهاية أقترح تأسيس صندوق أهلي يقوم على الزكاة والتبرعات لدعم صمود الشعب الفلسطيني، وأن تكون له فروع في كل مدينة وقرية في العالم العربي والإسلامي، كي تستعيد الجماهير العربية والإسلامية قضية فلسطين وتعيشها واقعًا عمليًّا، كما كانت الحال مع الثورة الجزائرية. وأدعو الرموز والقيادات الوطنية والقيادات الدينية والفاعلين الاجتماعيين إلى تبني هذا المشروع والدعوة إليه والترويج له، واعتبار ذلك قضية جهادية بامتياز ووضع الآليات التي تضمن قيامه على أرض الواقع.

المواجهة بين حافظ الأسد وشقيقه رفعت

في أواخر الثمانينيات، تعرّض الرئيس السوري حافظ الأسد لنوبة قلبية حادة ألزمته الفراش. وفي موقف خسيس وانتهازي، قرّر شقيقه رفعت الأسد، وكان قائدًا لقطعات عسكرية تسمى "سرايا الدفاع" - وهي بمنزلة جيش موازٍ للجيش الوطني - تنفيذ "انقلاب" عسكري. فذهبت فورًا إلى دمشق. توجهت من المطار إلى المستشفى حيث يرقد الرئيس الأسد، فوجدته في حالة صحية صعبة، إضافة إلى أنه كان يعيش حالة ألمٍ ومرارة من موقف شقيقه رفعت. قال لي الرئيس الأسد: "أنت يا أخ عبد السلام وليبيا الوحيدون الذين يمكنهم إنقاذ سورية من الدمار الذي ينتظرها"، ثم أضاف: "هو لن ينجح في مؤامرته، ولكننا سنخرج منها محطمين، أرجوك يا عبد السلام أن تبذل كل ما تستطيع من جهد للسيطرة على هذا الوضع، وإقناع رفعت بالتراجع عن موقفه هذا. اضغط عليه للخروج من سورية والذهاب إلى أوروبا للعيش فيها"، ثم أردف قائلًا: "سحبنا ثلاث فرق من الجولان لمواجهته. هذا وضع خطير". وفي طريقي من المستشفى إلى الفندق رأيت عشرات الدبابات والمدرّعات، لكلا الطرفين، وهي تواجه بعضها بعضًا.

طوال سنوات سابقة، كنت أزور دمشق بانتظام، لكنني لم ألتق رفعت الأسد قَط. كان لدي "موقف" منه ومن سلوكه وتصرفاته، ولكنني وجدتني في موقف يفرض عليّ أن أجتمع به. اتصلت برفعت هاتفيًّا وقلت له: "يا رفعت، طوال هذه السنوات كنت أزور سورية وأنت حتى لم تجرب الاتصال بي"، فردّ علي قائلًا: "أنت والأخ معمّر لديكما موقف مني؛ بينما كنت أرى فيكما القيادة القومية للأمة"، فقلت له: "أنا في طريقي إليك". وحين التقيت مع رفعت، استغرق اللقاء الأول بيننا عدة ساعات تخللها عشاء عمل. طوال ساعات اللقاء، كنت شديد القسوة في الحديث معه، وقلت له: "كيف تسمح لنفسك باستغلال ظروف مرض شقيقك. لقد وضعت نفسك في موقف دنيء وأعمى لا يبصر المخاطر. كان الواجب يتطلب منك أن تكون إلى جواره في المستشفى لا أن تنفذ انقلابًا. والآن يا رفعت توقف عن هذا التصرف واسحب القوات وجنّب سورية التدمير". اتفقنا خلال اللقاء على عقد سلسلة لقاءات معمّقة لدراسة الوضع وإيجاد الحلول، ثم عانقني مودّعًا، وقال لي: "من قبل كان لي أخ، والآن لدي اثنان"، فقلت له: "ومَن هما؟"، فقال: "الأمير عبد الله بن عبد العزيز وأنت"، فقلت له: "لا، عليك أن تختار إمّا أنا وإمّا الأمير"، فضحك، والأكيد أنه اختار الأمير عبد الله.

 

 

ومع ذلك، وفي هذه الأجواء المشحونة والمتوترة، تواصلت اللقاءات اليومية بيننا ليلًا ونهارًا، كنت خلالها أقوم بتكثيف الضغوط عليه للتراجع.وخلال هذه اللقاءات كنت أحرص على زيارة الرئيس الأسد في المستشفى يوميًا وعقب كل لقاء، كان يقول لي: "هذه مهمة قومية وأنت أهل لها يجب عليك ألا تكلّ ولا تملّ". وبالفعل، وخلال أسبوع كامل مارست كل وسائل الضغط على رفعت ووصل بي الأمر حدّ تهديده، وأخيرًا بدأ يلين وتظهر بوادر على تغير في مواقفه. في لقاء حاسم بعد نهاية أسبوع كامل من اللقاءات اليومية، سألني: "وكيف أغادر سورية إلى الخارج. أنا مُتهم بأنني عميل سعودي وعميل أميركي"، فقلت له: "إذا استمررت في مؤامرتك ونفذت الانقلاب ودمرت سورية فسوف تبرهن للجميع أنك عميل سعودي وأميركي؛ أما إذا ضحيت بنفسك في سبيل سورية فسوف تؤكد للجميع أنك رجل وطني ولست عميلًا". في أثناء هذا الحوار الساخن، قال لي بصراحة: "وماذا سوف تقول عني أسرتي لو أنني قررت مغادرة سورية، سوف يلحق العار بي وبأسرتي. أنت تعلم أن أسرتي مؤلفة من 48 فردًا، ولذلك سوف أطلب مبلغ 200 مليون دولار لأؤمن على أسرتي في الخارج؛ كما أنني لن أغادر سورية إذا ما كانت هناك تهمة الرجعية أو العمالة موجهة إلي"، فقلت له: "قبل أن تخرج إلى أوروبا سوف نرتب لك زيارة للاتحاد السوفياتي لنفي أي تهمة عنك".

عقب هذا اللقاء، ذهبت مسرعًا إلى زيارة الرئيس الأسد في المستشفى، ونقلت له ما دار بيني وبين رفعت من نقاش، وأنه يرغب في "النفي الطوعي" في أوروبا، لكنه اشترط أن يحصل على 200 مليون دولار. فقال الرئيس الأسد "ليس لدينا ما يكفي من العملة الصعبة. هل ليبيا مستعدة لدفع هذا المبلغ لتحافظ على سورية وتحول دون تدميرها؟" فقلت له: "نحن لا نستطيع أن ندفع المبلغ مباشرة لرفعت، لكن يمكن تقديم هذا المبلغ كمساعدة من ليبيا لسورية، وعليكم أن تتصرفوا". وبالفعل، اتصلت بأحمد رمضان وطلبت منه أن يرسل رجب المسلاتي محافظ مصرف ليبيا المركزي بطائرة صغيرة خاصة. وحين وصل محافظ المصرف إلى دمشق، اجتمعت به وأبلغته أنني قررت منح سورية هذا المبلغ، وطلبت منه لقاء محافظ مصرف سورية المركزي وتوقيع الاتفاقية. وهكذا، أنجزت مهمتي القومية الصعبة والمعقّدة في سورية بمنع رفعت الأسد من تنفيذ انقلابه، كما ساهمت في ترتيب أمر سفره إلى الاتحاد السوفياتي، ثمّ انتقاله نهائيًا إلى أوروبا.

وحدث أنني التقيت بشخص لبناني أرمني على علاقة وثيقة برفعت اسمه إيلي، وعلمت من حديثه معي أن رفعت يعامله بقسوة وبتعالٍ لا مثيل لهما، ولمّا التقينا مصادفة ورأى في شخصي رجلًا بسيطًا ومتواضعًا، عقد في أعماق نفسه مقارنة بيننا؛ ولذا قال لي: "أنا لا أعرف ليبيا ولا الليبيين، ولكن إذا كان الليبيون مثلك فأنا أحبّ ليبيا والليبيين". وفي سياق هذا الحديث قال لي: "أنا رئيس مجلس إدارة شركة "تام أويل" التي يملكها رجل أعمال برازيلي من أصول لبنانية اسمه 'تامرت' وشريكه أمين الجميّل. الشركة تملك مصفاة في إيطاليا طاقتها 160 ألف برميل يوميًّا ولديها ثلاثة آلاف ميل من خطوط الأنابيب عبر أوروبا لنقل المشتقات النفطية، كما تملك محطات توزيع وقود تنتشر في بلدان أوروبية كثيرة. الشركة مهدّدة بالإفلاس، نظرًا إلى أنها مدينة للمصارف الأوروبية بمبلغ 60 مليون دولار. وبدلًا من أن تشتريها أوروبا، فمن الأفضل أن تشتريها ليبيا. وفي حال اشترتها ليبيا، فأنا أرغب في شراء 15 في المئة من الأسهم".

وعلى الفور اتصلت بأحمد رمضان في طرابلس، وطلبت منه أن يرسل طائرة خاصة إلى دمشق تحمل كلًّا من رجب المسلاتي ومحمد سيالة ومحمد عبد الجواد، ولما وصلوا اجتمعت بهم وقلت: "لن نتحدث في السياسة. إذا كان في مصلحة ليبيا شراء هذه الشركة اشتروها". وبالفعل، تمّت صفقة الشراء. في الواقع اشترينا الشركة بدولار واحد، وتكفلت ليبيا بسداد 60 مليون دولار للمصارف الأوروبية. بيد أن الفريق المفاوض رفض أن يمتلك السيد إيلي 15 في المئة من الأسهم. بعد سبعة أشهر فقط، وصلت قيمة أسهم الشركة "تام أويل" إلى 1,7 مليار دولار، وبعد سنتين وصلت قيمة الشركة إلى 3 مليارات دولار. ثم بعد خمس سنوات أصبحت قيمة أسهمها 5 مليارات دولار. وكانت هذه ثانية أعظم الصفقات الرابحة التي حققتها ليبيا بعد الثورة، بعد صفقة شركة "فيات".

العربي الجديد

راجع:

- مذكرات عبد السلام جلود: تخاذل القذافي ليلة الفاتح ونام في غرفته بالمعسكر (1-5)

- مذكرات عبد السلام جلود: حرب أكتوبر هزيمة عسكرية وسياسية أخطر من نكسة 1967 (2-5)

- مذكرات عبد السلام جلود: القذافي أتقن استخدام قبيلة ضد أخرى ومارس هذا مع أبنائه (4-5)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل