أهم الأخبار

ما لا يجمع بين الإدريس ومعمّر !!!.. [2/1]

هشام بن غلبون | 2021/12/22 على الساعة 03:09

ما لا يجمع بين الإدريس ومعمّر !!!..  [2/1]

(ليست مقارنة هذه المرة) 

يلتقي الملك الصالح (رحمه الله) مع معمر القذافي في محطة واحدة-فقط- ثم ينطلق كل منهما في اتجاهٍ معاكسٍ للآخر بسرعة الضوء وبزاوية قدرها 180 درجة.. فكلا الرجلين حكم ليبيا لفترة زمنية محددة، وبالتالي فإن صفحات التاريخ -المُجحفة- سوف تقرن بين اسميهما بالرغم من ابتعاد ذلك عن الانصاف والعدالة، ولكن تلك عادته، فليس هناك إجحاف أكبر من إقرانه (التاريخ) بين عمر المختار وموسوليني، على سبيل المثال!!!

كذلك فقد جرت العادة على ذكر الأضداد في ثنائيات بغرض التدافع والتمييز القاطع بينها، كما هو الحال عند ذكر الشر مع الخير، والظلام مع النور، والثرى والثريّا.. الخ من هذه المتناقضات.

ففي هذه اللحظة تحديداً يجتمع الرجلان لبرهة من عمر الزمان، ثم يفترقان، كلٌ يمضي إلى حيث تنقله أعماله وإنجازاته التي يدوّنها أهل التاريخ -المٌنصِفين- وليس المزيفين له، أو المروّجين لطرف على حساب الآخر.

فالأول استحق مكانه السامي في التاريخ نتيجة تأسيسه لدولة دستوريّة -من العدم- أو من "صندوق الرمال" كما وصفها موسوليني، وتوحيده لشعب تختلف مكوناته في اللهجات والعادات والتقاليد، واللون واللغة في بعض الحالات، ليجعل منهم أمةً متجانسةً تظلّلهم وتمثلهم راية واحدة أجمعوا طواعية على قبولها؛ ويحكمهم دستور شاركوا في صياغة بنوده بما يتناسب مع هويتهم وتطلعاتهم وطموحاتهم.. وكان همّه تنمية وتطوير الدولة الفتيّة، والرقيّ بشعبها إلى مصاف الدول المتقدّمة.. وبالفعل فقد حُقّقت في عهده -القصير- إنجازات كانت مثار إعجاب وتقدير كل مراقب منصف ومحايد بالرغم من العوائق والعراقيل التي تجعل من مجرد التفكير في انجاز تلك المشاريع في ذلك الوقت بما كان متوفراً من إمكانيات بشرية ومالية ضربٌ من الخيال؛ فقد تظافر على البلاد رباعي الجهل والفقر والمرض والتخلف، بالإضافة إلى الخراب الذي ألحقته بالبلاد جيوش أعتى قوات العالم في ذلك الوقت عندما قررت تحويلها إلى ساحة قتال وميدان حرب عالمية استعمل فيه كل الأطراف أقوى وأحدث ترسانات أسلحتها الفتاكة وخلفت وراءها حقول خصبة من الألغام ظلت تفتك بهم لسنوات طويلة بعد أن وضعت الحرب أوزارها ورحل الغزاة عن أرض الوطن.

ثم، وفي نقلة نوعية واحدة، تحوّلت البلاد تحت قيادته الراشدة -وبفضل فيوضات بركته المتدفقة- من مجتمع زراعي رعوي في الأرياف والبوادي؛ وتجاري بدائي في المدن والحواضر التي ورثت شيئاً من المِهن والحِرف من أنظمة الدول المستعمِرة التي توالت عليها؛ ويدار في كلتا الحالتين بعقلية القبيلة (وإن بنِسبٍ متفاوتة)، مع عددٍ ضئيلٍ متناثرٍ ومحدود التأثير لشريحة بسيطة نالت قسطاً متفاوتاً من التعليم من المستعمر الإيطالي أو الإدارة الإنجليزية، أو عادت إلى أرض الوطن من المهجر عقب الاستقلال .. وقد كانت البلاد وقتها خالية من الموارد الطبيعية أو أية مصادر مالية تمكنها من النهوض والقيام بوظائف الدولة في أدنى متطلباتها، باستثناء إيجار قاعدتي "هويلس" و "العدم" العسكريتين في طرابلس وطبرق، للولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة (بريطانيا)، والتي كان موعد انتهاء عقد الأولى في عام 1971. أما الثانية فقد كانت إجراءات إخلاءها قد بدأت بالفعل منذ سنة 1966 في طرابلس، و1967 في بنغازي، ولم يبق إلا وجود عسكري محدود في طبرق كانت عملية إنهائه جارية على قدم وساق، وذلك بسبب انتفاء حاجة الدولتين لهما نتيجة التغيرات السياسية والاستراتيجية التي طرأت في العالم.. أما الأفراح والأعراس التي حوّلت إخلاء هاتين القاعدتين في ليبيا إلى انتصار (زائف) يُحتفل به سنويّاً ويسمى عيد إجلاء "القواعد العسكرية" من على تراب الوطن فلم يكن إلا تمثيلية محبوكة، وهديّة قدمها المسؤولون عن إسقاط عرش الملك الصالح للانقلابيين الجُدُد. فقد انتفت الحاجة إلى وجود نظام مستقرٍ يمكن أن يتحوّل إلى دولة عصرية مزدهرة تحترم الحريات والتعدّدية، ومن ثم يشكّل مثالا يحتذى وسابقة غير مرغوب فيها في منطقة يُراد لها أن يسود فيها حُكم الفرد القوي (الدكتاتور)؛ وذلك بعد أن تحولت السياسة الخارجية لتلك الدول المتنفّذة إلى أسلوب التحكّم عن طريق الانقلابات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط ودول العالم الثالث بصفة عامة، ولذا اقتضت الضرورة إلى استبداله بمن يطبّق مخططات المرحلة المقبلة للبلاد، والمنطقة بصفة عامة، بما يتوافق مع برامج ومصالح تلك الدول الكُبرى المهيمنة؛ ومن هنا وُلِد انقلاب سبتمبر اللقيط.

تمكّن الملك ادريس (رحمه الله) في ظل هذه المعطيات من بسط الأمن والعدل في ربوع البلاد، حيث المحاكم المدنية ذات القضاء المستقل، والتي تحكُم بموجب قوانين يتم سنُّها من قِبل ممثلي الشعب في البرلمان، يحكمها ويضبطها الدستور، وانتشرت مراكز للشرطة والجوازات والجمارك والمرور.. وما إلى ذلك من أجهزة ضبط الأمن والنظام السلمي في المجتمع المدني المتحضّر.. كما أعطى (رحمه الله) الأولوية القصوى إلى التعليم من ميزانيات الدولة الضئيلة، فبنيت المدارس وجُلِب المدرسون الأكفّاء من دول الجوار التي كانت متفوقة علينا في هذا المجال في ذلك الوقت، وتنازل الملك عن قصره في بنغازي (قصر المنار الذي أعلن من شرفته استقلال البلاد قبل أقل من 5 سنوات) لصالح الجامعة الليبية، التي كان تأسيسها الهاجس والشغل الشاغل له منذ أن نالت البلاد استقلالها وسارت على درب الاستقرار.

وما إن أكتُشف الذهب الأسود في باطن أرض الوطن وتم تصدير أول برميل نفط في نهاية سنة 1961 (أي بعد 10 سنوات من تاريخ الاستقلال، كان يدير زمام أمور البلاد فيها بميزانية مصدرها إيجارات القواعد العسكرية والمعونات الأجنبية) !!! وهذه الحقائق البديهيات تغيب للأسف عن كثير ممن يتطاولون على ذلك العهد معتقدين، أو متعمدين الجهل، فيوهمون بأن ريع البترول كان متوفراً طوال الـ 18 سنة من عمر العهد الملكي!!! بينما الحقيقة أن العهد الملكي لم ينعم بعائدات النفط إلا لستة سنين من التصدير على مستوى تجاري يُعتدّ به فعليّاً، أي منذ 1963 فصاعداً عندما صار انتاج النفط وتصديره بكميات كبيرة من شأنها أن تؤثر في ميزانية الدولة؛ وينبغي على كل من ينبري للكتابة عن العهد الملكي أن يقسّم تلك الـ 18 سنة إلى مرحلتين؛ العشرة سنوات الأولى حيث كانت البلاد فيها معدمة تضمّد جراحها من آثار الحرب ودمارها، والستة سنوات الأخيرة حيث بداية عصر الازدهار والرخاء، والوقوف على تحديات كل مرحلة من المرحلتين وما أُنجز فيها.

الإنجازات المعمارية في المرحلة الثانية لذلك العهد واضحة جلية، أوضحها المدينة الجامعية في بنغازي والمدينتين الرياضيتين في طرابلس وبنغازي، والطريق الساحلي الذي يربط غرب البلاد بشرقها وجنوبها، وغير ذلك كثير مما يحتاج إلى مقالة مفصلة لحصره وتفصيله. 

أما في مجالات مناصرة قضايا الأشقاء المسلمين والعرب فيشهد له موقف ليبيا الصارم والحاسم من حرب تحرير الجزائر من المستعمر الفرنسي الذي لم يتوقف -تحت اشرافه ومتابعته- عند مجرد الدعم المادي والمعنوي، بل تجاوزه إلى الدعم العسكري بتوصيل السلاح من مصر إلى الثوار الجزائريين في تحدٍّ صارخ لفرنسا.. وما المساعدات المالية الضخمة للقضية الفلسطينية بعد تدفق خيرات البترول بسرٍ، وهو ما يعترف به الأعداء قبل الأصدقاء.. كل ذلك بدون ضجيجٍ ولا منٍّ ولا مزايدات، بل بوازع إنساني وديني صرف.

أمّا السّمة المميّزة لشخصية الملك رحمه الله والتي يُمكن إطلاق توصيف "الفرق بين الثّرَى والثريّا" عند الحديث عنه وعن خائن الأمانة وناكث العهد والقسم، الذي أطاح به غدراً، هي أنه (رضي الله عنه وأرضاه) كان ينفر من جعل نفسه محور الحياة في البلاد.. فعلى سبيل المثال لا الحصر: 

- سحب لقب صاحب الجلالة من اسمه تأدّباً مع الله ذو الجلال والإكرام.

- رفض أن تكون البلاد ملكية تحكمها أسرة حاكمة أو أن تسمّى باسمها كما كان السائد في ذلك الوقت (مملكة آل سعود في الحجاز ونجد، والمملكتين الهاشميتين في كل من الأردن والعراق؛ بالإضافة إلى الدول والإمارات العائلية مثل دولة آل الصباح في الكويت وغيرها، وذلك بالرغم مما كان يتعرّض له من ضغوطات من أبناء عمومته من داخل الأسرة السنوسية.. ولكنه رغب في أن يجعلها مملكة دستورية عصرية، على رأسها ملك "يملك ولا يحكم".

- كذلك فقد سجّل له التاريخ أنه اعترض بشدة عندما سُكّت أول عُملة في تاريخ ليبيا الموحّدة تحمل صورته سنة 1952 بدون علمه المسبق؛ وقد كان ذلك هو العُرف السائد في ذلك الزمان والمستمد من التراث الإسلامي والعربي، وكذلك ما هو متعارف عليه عالميّاً، فلا زالت نقود الدول وعملاتها تحمل صور الملوك منذ عصور الامبراطوريات القديمة وحتى يومنا هذا؛ فطلب سحبها على الفور، ولم يتراجع عن ذلك إلا عندما علِم أن استبدالها سيكلف خزينة الدولة مبالغ لا قِبَل لميزانيتها بها، وتم ذلك بالفعل عندما سُكت أوراق العملة الجديدة بعد ذلك بثلاث سنوات خالية من صوره. ويجدر التذكير هنا بأن البلاد عندما نالت الاستقلال كانت تُتداول فيها 3 عملات مختلفة؛ ففي إقليم برقة كانت النقود المتداولة هي الجنيه المصري الذي حل محل الليرة الإيطالية؛ وفي إقليم طرابلس كان الجنيه العسكري والليرة العسكرية (المال) هما العملتان السائدتان، أما في فزان فقد كانت العملة المتداولة هي الفرنك الفرنسي (وكذلك الفرنك الجزائري القديم).. وقد كان ميالاً إلى الظل تاركاً تسليط الضوء على الوطن والعلم والدستور، ليدشّن ويرسّخ عملية بناء المواطن على أسُس الولاء للوطن وليس لشخص أو نظام حكم.

المناقب كثيرة وكثيرة، وأنا أقاوم الرغبة التي صارت تراودني بقلب هذا المقال للاستمرار في تعديد مناقب هذا القائد العظيم وترك الحديث عمّن أطاح به لغيري، لأنني مقتنع قناعة تامة بأن الحديث عن الرجلين في مقالة واحدة هو ضرب من الجراءة على مقام "سيدي ادريس" الرفيع، ولكن الضرورة تقتضي أن أمضي في المقال كما بدأته…… في الجزء الثاني من هذه المقالة إن شاء الله. 

هشام بن غلبون

اثينا مينيرفا | 27/12/2021 على الساعة 15:47
امسألة شعب
مشكلة ليبيا لم تكن في النظام الملكي فهو و بدون شك أفضل نظام شهدته ليبيا منذ ١٩٥١، و لكن الدولة حكومة و شعب، فالشعب الليبي معظمه كان و لايزال غير وطني فانجرف وراء خزعبلات عبد الناصر و النتيجة كانت القذافي. و لم يتعلم هذا الشعب شيئاً من تجاربه. ألم يخرج في أزمة الكويت يهتف "من مراكش للبحرين قايدنا صدام حسين"؟
محمد علي احداش | 24/12/2021 على الساعة 15:34
مقاربة ممتازة للموضوع
أحسنت أستاذ هشام صنعا بهذة المقاربة ولا بد من ذكر الأضداد فقد ذكر الله فرعون مع موسى وكما قال المتنبي : .والضـد يظهـر حسـنه الضـد، و بضدهـا تتمـيز الأشـياء”. ومن يطلب الكمال في الدنيا يطلب المحال .دائما نستفيد من مقالاتك
عبدالحق عبدالجبار | 22/12/2021 على الساعة 21:58
بالنسبة لك ولأمثالك وبالنسبة لهم ولأمثالهم
استاذ هشام بن غلبون المحترم اخي العزيز بالنسبة لك ولأمثالك ترئ في الملكية الجنة وبالنسبة لهم ولأمثالهم يرؤون في الجماهيرية الجنة ...وبالنسبة للطرف الثالث يرئ بان فبراير الجنة وبالنسبة لي ولأمثالي نجد في ليبيا الجنة التي لم تظهر بعد فبالله عليكم انتم الثلاثة ترك جنتكم وان لم تفعلوا فعليكم ان تتبثوا لنا بان انتم والطرف الثاني والطرف الثالث بان احدهم كان له الشرعية ( الشرعية لا تستمد الا من الشعب) وكذلك عليكم ان تتبثوا لنا بان ليبيا في العهود الثلاثة دولة حرة ذات سيادة عندها يمكن لنا ان نعترف بأحدكم ولكن هي هات ... اخي العزيز التاريخ يعيد نفسة الان اليس هذا نفسه الذي كان في 1951 هاجر من هاجر وطرد من طرد و نفي من نفي اليس هذا الحق وتدخلت الدول المعروفة لتكوين حكومة ....سؤال يريد اجابة وبعد ان يعيد التاريخ 1951 سوف يعيد 1969 ثم 1973 ثم 2011 و هكذا هل تعلم لماذا يقول القائل المسلم لا يلذغ من الجحر مرتين فهل نحن مسلمين ؟
عبدالحق عبدالجبار | 22/12/2021 على الساعة 21:08
لماذا طمس الحقائق
عليكم بقول الحق علي الجميع ( الحكم الملكي لا يمثله الملك الصالح الله يرحمة ويحسن اليه ( الحاشية ) (الحاشية ) عليكم بقول الحق علي الجميع عليكم بالاعتراف بان ليبيا لم تكن دولة مستقلة ذات سيادة في يوم من الايام ولم تكن لحكامها شرعية في يوم من الايام ولكم فائق الاحترام الي محرري الصحيفة نشر التعليقين لو سمحتوا التعليقات أمانة
نجم الدبن | 22/12/2021 على الساعة 05:33
شعب مغيب عاق وجاحد.
الله الله علي عهد الملك الصالح, اللهم اغفر له وارحمه واسكنه فسيح جناتك , عشت طفولة سعيدة في عهده الزاهر وسنة الانقلاب المشؤوم 1969 كان عمري 12 سنة , ومند تلك الفتوة وانا أناهض الانقلاب المشؤوم , وانتقدة ولي اصدقاء طفولة يشهدوا علي ذلك . ومضي العمر وانا أرى العبث الذى يحدث في بلدي مازال مستمر, اللهم اني بريء من هذا العبث. أستاد هشام الله يبارك فيك على سرد حقائق تاريخ ليبيا الحبيبة والمنكوبة من أبنائها الجاحدين.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل