أهم الأخبار

الجوهرة.. عود على بدء

فتحية الجديدي | 2021/12/13 على الساعة 22:13

في المقال المعنون بــ (أخيراً.. تكلمت غدامس*) للكاتب الفذ جمعة أبوكليب المنشور في صحيفة الصباح، أخذنا الكاتب في مدخله في رحلة لمدينة غدامس، طرح من خلالها أسئلة عدة عنها، واصفاً تلك البقعة العامرة في قلب الصحراء الكبرى بـ«بالعروس» والجسر الذي يربط الشمال بالجنوب.

جمعة أبوكليب
إبراهيم الكوني
إبراهيم الإمام

وغدامس عند أبوكليب «جوهرة»، وهو لا يتردد في نسب هذا الوصف لمن سبقه، مقراً هنا بالاقتباس، ومؤكداً أن كل قاصد للمدينة كان سيصفها بذات الكلمة، التي تليق بألقها وجمالها، والتي طالما أسميناها في مربعاتنا الصُحفية بـ«أيقونة الجمال والمدينة الساحرة»، وهو أمر يوافق عليه الكاتب، مستدلاً في هذا الخصوص بروعة تفاصيلها التي تأسر الضيف الزائر، وخصوصيتها الثقافية وتفردها الرائع حد الإدهاش.

وعبر كلمات منسابة بسهولة ممتعة، تناول كاتبنا اختباء هذه الواحة وراء تاريخها وتعدد الثقافات، معرجاً على هذه الزاوية بدون ذكر تفاضيل، وهنا أؤيده في انطباعه ورأيه هذا، فكل ما قرأناه عنها في مدونات متفرقة وسرديات تاريخية سجلها الرحالة وما جادت به مقتطفات الكتب واليوميات المسجلة لمرور القوافل وحركات التبادل التجاري، والمجمعة كلها في أرشيف المخطوطات بالمدينة لا يشكل إلا القليل من زخم تاريخها، مقارنة بما سمعناه من روايات وحكايات سكانها الأصليين و«حواديثهم» وهم يفتخرون بإرثهم وأرضهم، ويقدمون وجبات دسمه لكل من جاول فتح أبواب أمام الكشف عن حالات الابداع والفن والثقافة التي عكست الالوان الغدامسية الزاهية.

وفي ربط جميل تطرق «أبوكليب» في إشارته للصحراء إلى الروائي الليبي الأستاذ/ إبراهيم الكوني الذي قاد الطوارق إلى الأجندات الثقافة العالمية وجعل من الصحراء الليبية محط انظار العالم، وأبان عن «دفيليه» ثقافي تارقي ليس له مثيل.ومن تلك الواحة الموصدة البعيدة -كما أطلق عليها الكاتب- في سرده، أبان الروائي الغدامسي الأصل والملامح والطباع ورجل أفصح عن مكنوناته الإبداعية بطريقته.. إنه «إبراهيم الإمام» صاحب الابتسامة المشرقة وخفة الظل والخطوات المثابرة وأشياء كثيرة لا يتسع هذا البراح لذكرها.

الإمام الذي ألقى على عاتقه مهمة النوافذ الغدامسية التي يطل من خلالها علينا بنقوشها وأضوائها المتلألئة، كتب عنها في قصصه ورواياته، واضعاً العديد من المصطلحات والمفردات الغدامسية والشكل الاجتماعي للمجتمع وثقافة أهل المكان، فكَتَب «الشاغت» وقرأنا له سلسلة «يوميات رجل محظوظ جدا» و«نزوح» و«تقنولوحيا».

هذا المبدع قال عنه الكاتب "أول غدامسي يأتينا من غدامس ليرسم لنا إبداعياً خارطة طريق إلى قلبها لمن أراد، ويتقنن في تذليل صعاب الطريق ويجيد مراوغتها ليصل إلى هدفه في أن ينفض ما تراكم من رمل عن تلك الجوهرة العتيقة.. كي يراها العالم“.

وفي نهاية مقالته أعلن بوكليب ميلاد الإمام كروائي ليبي متميز من واحة غدامس.

فتحية الجديدي

* جمعة بوكليب: أخيراً… تكلمت غدامس

حين تطلُّ واحةُ غدامس ببياض بيوتها، وبظلالِ نخيلها في الأحاديث، تنبثقُ في ذهن المرء منّا صورةٌ لواحةٍ في صحراء بعيدة، تشعُّ بهاءً، وتحيلُ على مجد ماضٍ دوّنه مؤرخون ورحالة ومغامرون وتجار، وفدوا إليها على مر العصور. وفي ما يعترضنا من صورها، تظهرُ غدامس متألقةً كعروس. واحةٌ كانت جسراً وصل الشمال بالجنوب، وأفريقيا بأوروبا، وطواها النسيان.

لكن غدامس، إلى وقت قريب، ظلت واحة بلا لسان، وإن تكلمت أكثر من لغة. كان السؤال: لماذا لا تتكلم تلك الجوهرة؟ وكيف تختبيء في الصمت في بقعة مفتوحة على كل الجهات واللغات والثقافات؟ ومتى نستشعر رقة هسيس جريد نخيلها؟ وهل ستفتح لنا قلبها يوماً لنرى ونلمس إيقاعات الحياة في حنايا أزقتها، وفوق سطوح بيوتها، وما يدور تحت سقوف أزقتها؟

الواحة المفتوحة موصدة القلب. والغدامسيون جزءٌ من مكونات فسيفساء هذه البلاد. لكننا لا نعرفهم حقاً. ولم يبرز من بينهم مبدع يفتح لنا ما وصد من أبواب، ويمهد أمامنا الطريق لندخلها في رفقته، ونتعرف على بشرها وعلى رموزها وطقوسها، ونلمس أوتار أحلامها، وأحزانها.

وكان لزاماً علينا، لكي نعرف ونفهم ونتواصل مع تلك الواحة الليبية البعيدة، أن ننقب عنها فيما تركه لنا الغرباء من رحالة ومغامرين من كتابات. وما كتبه الغرباءُ لن يكون مطلقاً بطعم ما يكتبه الغدامسيون بأنفسهم. لكن الغدامسيين على ما يبدو كان لهم رأيٌ آخر. وبمرور الوقت، وتراكم الأحداث، واصلنا نحن حياتنا معهم ومن دونهم. وبدورهم واصلوا حياتهم معنا ومن دوننا.

العلاقة بالصحراء وكائناتها ورموزها وكهوفها وجنونها كشفها لنا رحالة غربيون، لكن من ألبسَ تلك الكائنات اللحم، وأجرى في عروقهم الدماء، وجعلهم يحسّون ويتوجعون، ويفرحون ويحزنون، ويتقاتلون ويعشقون، ويرقصون ويغنون، كان تارقياً، وروائياً من طراز فريد اسمه إبراهيم الكوني. ومن قبله، لم يكن الطوارق سوى كائناتٍ غريبة مثيرة للفضول. نراهم في الملصقات السياحية، والأشرطة الوثائقية الدعائية. ولولاه لظلوا كذلك، واستمر جهلنا بهم وبثقافتهم وبأحلامهم، وبما يدور بينهم وبين كثبان رمال الصحراء من جدل وصراع وحياة.

وغدامس جزءٌ من الصحراء، لكن العلاقة بها ظلت غائمة، وسياحية إلى حد بعيد، حافظت على صورتها التقليدية، وبلا روح. وفوجئنا، مؤخراً، بمن يأتينا قادماً من تلك الواحة الموصدة البعيدة، محمّلا بتوق للتواصل، والكشف عما خفي عنّا، وليطرق بخجل أبواب قلوبنا.

إبراهيم الإمام، وهذا اسمه، كاتب شاب غدامسي القلب واللسان، وصلنا بثقة حاملاً في يديه مفاتيح تلك الواحة، ليفتح لنا الأبواب، ويضيء أمامنا الطريق، ويكشف لنا العلامات والرموز ويقرأ لنا التعاويذ والابتهالات والأدعية. والوسيلة: موهبة أدبية لافتة للأنظار. وبالتأكيد، هذا لا ينفي وجود كتاب ليبيين من أصول غدامسية. إلا أنهم ولدوا وشبوا وتعلموا في المدن. وحسب علمي، فإن إبراهيم الإمام هو أول غدامسي، يأتينا من غدامس، ليرسم لنا ابداعياً خريطة طريق إلى قلبها، لمن أراد. ويتقن تذليل صعاب الطريق، و يجيد مراوغتها ليصل إلى هدفه. وهدفه ليس بسيطاً ولا صغيراً، لكنه، على الأقل، واضح المعالم: أن ينفض ما تراكم من رمل عن تلك الجوهرة العتيقة، ويبرزها لكي يراها العالم، وهي تتألق مضيئة تحت شمس الصحراء. وأن يرفع عنها الحجب، لكي تتكلم روحها، ويفيض نبض وجدانها. قرأتُ له روايتين من الحجم الصغير. ومنهما أدركت أننا ربما نكون محظوظين، ونكون شهود عيان

جمعة بوكليب (صحيفة الصباح)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل