أهم الأخبار

تأملات في دولة الاستقلال.. (5) تأسيس الدولة

مختار المرتضي | 2021/12/13 على الساعة 01:11

 كان الملك الزاهد يعي جيدا ببصيرته النافذة أن تأسيس الدولة يحتاج إلى جهد وعمل دؤوب. وكان الملك أدريس يدرك أداركا جيدا أن تأسيس دولة حديثة يتطلب عقلا عصريا وتقدميا ينظر إلى الصعوبات ويجد لها الحلول الواقعية والعملية. فلم يلجاء الملك  لكتب ابن خلدون في التاريخ أو كتاب الأحكام السلطانية للماوردي وكتاب السياسة الشرعية لأبن تيمية للبحث عن كيفية تأسيس الدولة. فظروف العالم وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية افرزت متطلبات وتعريفات وشروط لتأسيس الكيانات الجديدة والدول التي من أهمها: 

- أرض بحدود معترف بها ويقيم عليها شعب. 

- سلطة تمثل الشعب. 

- عقد اجتماعي (دستور) ينظم العلاقات بين السلطة والشعب. 

- إعتراف دولي. 

فكان تأسيس لجنة الستين التي تكفلت بانجاز دستور للمملكة الليبية قبل اعلان استقلالها، وتواصل السيد محمد إدريس مع قيادة المنطقة الغربية التي أثمرت بمبايعة ولاية طرابلس وفزان وبرقة لمحمد إدريس السنوسي ملكا على القطر الليبي بحدوده المعروفة. واصبحت القضية الليبية والاستقلال يخوض غمارها الوفد الليبي في أروقة الأمم المتحدة بقيادة السيد عمر فائق شنيب لاسقاط مشروع الوصايا على القطر الليبي والحصول على الاعتراف الدولي بالكيان الجديد. 

  كان حال البلاد يوم الاستقلال لا يوحي بالأمل فالجهل والفقر والمرض كانوا الصفة الملازمة للدولة الحديثة وكانوا العدو الذي يهدد قيام الدولة ونجاحها  فقد ذكرت مجلة (التايم) الامريكية في ديسمبر 1951 واصفة حال الدولة الناشئة بعد أيام من اعلان الاستقلال بأنها مولود ليس أمامه فرصة لبلوغ سن الرشد فبراثن المرض والجهل والفقر سوف تقضى عليها لا محالة. وذكرت (التايم) بعض الأحصائيات عن ليبيا التي أعلنت استقلالها منذ بضعة أيام جاء فيها: 

> عدد سكان ليبيا مليون وخمسن ألف نسمة فقط. 

> لا يتعدى 250 ألف ليبي قادر على كتابة أسمه. 

> متوسط الدخل السنوي للفرد 35 دولار. 

> لا توجد كليات ولا جامعات ويوجد 16 مواطن ليبي يحمل مؤهل جامعي. 

> يوجد 3 محاميون ليبيون ولا يوجد طبيب ليبي أو مهندس أو صيدلي. 

> الامراض منتشرة ولا يوجد تطعيمات للأطفال والتراكوما منتشرة حيث أن 10% من السكان مصابون بالعمى. 

> ليس هناك خطوط هواتف أو اتصالات والطرق المعبدة لا تتعدى 300 ميل وسكة حديدية لا تذكر تتسخدم عليها 3 قاطرات مهترئة. 

كانت التحديات التي تواجه دولة الاستقلال ورجالها تحديات يشيب أمامها الولدان فالظروف صعبة وليس في اليد الكثير لفعله لأحداث تغيير وانجاح الدولة الجديدة. فخزينة الدولة خالية الوفاض وتعاني من عجز كبير بضعة ملايين الجنيهات. فلجاءت الدولة الوليدة للأشقاء في مصر والعراق للحصول على مساعدات مالية  لتسيير عجلة الدولة الوليدة فقوبلت بالرفض وعدم الاستجابة لتقديم يد المساعدة. مما دفع الدولة للبحث عن مصادر مالية بديلة. 

كانت هناك تفاهمات تأجير الاراضي الليبيية لإنشاء قواعد عسكرية امريكية وبريطانية  قبيل الاستقلال لسد العجز المالي في الميزانية الليبية، تم عرضها على البرلمان الليبي وصدق عليها باتفاقيات مع الولايات المتحدة الامريكية والمملكة البريطانية بعد الاستقلال  لمدة عشرون عاما. ومن حق الحكومة الليبية إعادة النظر في الاتفاقيات بعد انتهاء مدتها.  

كان  التوجه العام للحكومة الليبية في تواصلها مع الطرفين الامريكي والبريطاني بعدم تجديد الاتفاقيات الخاصة بالقواعد. وكذلك كان الضغط الشعبي ينادي بالغاء القواعد ومرافعات اعضاء البرلمان والشيوخ الليبيين تصب في عدم تجديد اتفاقيات القواعد التي سينتهي أجلها في 1971. حيث قام انقلابيو سبتمبر بعمل مسرحي سموه إجلاء القواعد قبل موعد انتهاء الاتفاقيات بسنة مما كلف الحكومة الليبية غرامات  جزائية وحل الحكومة البريطانية والامريكية من التزاماتها القانونية المتفق عليها عند نهاية عقد التأجير. 

كان اصرار محمد ادريس ورؤيته الثاقبة وعزيمة رجال الاستقلال وإرادتهم الوطنية وحرصهم على عدم التفريط بالاستقلال وتضحيات الشهداء. وعزمهم  وتفانيهم على انجاح بناء الدولة الحديثة طوبة طوبة ولبنة لبنة تحقق ما لم يكن ممكنا. فكان نجاح دولة الاستقلال في مواجهة  التحديات والصعوبات وكانت مشروعا وطنيا حضاريا تقدميا انتشل ليبيا من مشروع دولة فاشلة إلى تسلق سلم الحضارة والتقدم بخطى ثابتة في اتجاه مستقبل زاهر.. 

وللحديث بقية.....

مختار محمد المرتضي 

- راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

 

كلمات مفاتيح : تاريخ، التاريخ الليبي،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل