أهم الأخبار

في غات عرفت القمر [الفصل الثالث]

إبراهيم محمد الهنقاري | 2021/11/06 على الساعة 12:22

كان لمدرسة الزاوية الثانوية إذن وكان اسمها مدرسة النهضة السبق في تخريج العديد من القيادات المدنية والعسكرية من جيل الثلاثينات المميز الذي قدر الله له أن يكون له دوره في بناء الدولة الليبية الحديثة المملكة الليبية المتحدة ثم المملكة الليبية الى جانب زملائهم من نفس هذا الجيل المميز من خريجي المدارس الثانوية في بنغازي وطرابلس ودرنة ومصراتة وغريان وسبها ومن خريجي الجامعة الليبية بكلياتها المختلفة بعد ذلك من الذين تولوا مسؤوليات كبيرة وعديدة في مختلف القطاعات في الدولة الليبية الملكية الاولى و"الدولة الليبية" الثانية التي أسماها مؤسسها "دولة الحقراء"! من السياسيين والاداريين والكتاب والادباء والصحفيين والدبلوماسيين والاكاديميين ومن اساتذة الجامعات والمدارس والمعاهد التي انتشرت في عهد ليبيا الملكي في كل ربوع الوطن حين كان التعليم يحظى بالأولوية في برامج كل حكومات العهد الملكي الليبي دون استثناء.

وكانت قد افتتحت في مدينة الزاوية اول مدرسة عسكرية لتخريج الضباط كان موقعها قريبا من مدرسة الزاوية الثانوية ليكونوا نواة للجيش الوطني الليبي، فانتقل عدد من زملائنا في مدرسة النهضة الثانوية الى تلك المدرسة العسكرية أذكر منهم عبدالوهاب العاشق وأحمد ضياء ألدين المدفعي ويونس أبو عجيلة العمراني وعبدالله المنصوري وخليفة المحمودي واخرين.

وكان امر مدرسة الضباط هو النقيب ثم الرائد إدريس عبدالله الذي تولى بعد ذلك منصب وكيل وزارة الدفاع في العهد الملكي الليبي وكان من المواظبين على حضور النشاطات الثقافية التي كنا نقوم بها من حين لآخر في مدرسة الزاوية الثانوية في ذلك الوقت. وكنت استغرب كيف كان زملاؤنا السابقون يقفون في احترام وانضباط كاملين وهم يرتدون ملابسهم العسكرية يؤدون التحية العسكرية لامرهم الضابط إدريس عبدالله بينما كانوا منذ فترة قليلة هم أكثرنا شقاوة وعدم انضباط.! ثم علمت بعد ذلك ان الحياة العسكرية يمكنها ان تحدث كثيرا من التغيير في سلوك الاشخاص. ربما الى الافضل اذا اختار ضباطنا فقط خدمة الوطن والعلم والدستور واحترام القانون واحترام الأعلى رتبة.!

وربما الى الأسوأ اذا اختار ضباطنا البديل الخطأ وهو طريق الانقلابات العسكرية.! ولسنا في حاجة الى كثير من العناء لإثبات ذلك.!!

وقد أشرت في الفصل الثاني من هذا الكتاب الى النشاط الادبي والفكري الذي شهدته مدرسة الزاوية الثانوية في تلك السنوات الاولى من عهد الاستقلال ولابد لي أن أشير هنا أيضا الى أن نواة الحركة الكشفية الليبية قد خرجت من مدرسة الزاوية الثانوية. وكان وراء ذلك أحد أساتذتنا من مصر الشقيقة هو الاستاذ سعد شتا رحمه الله. وكنت من بين أوائل الطلبة الذين ساهموا في ذلك العمل الكشفي النبيل. ومنه تعلمنا وطبقنا والتزمنا بذلك المبدأ الكشفي العظيم "كشاف يوما كشاف دوما".!

ثم تم تاسيس الحركة الكشفية الليبية رسميا بعد ذلك على يد القائد العام لكشاف ليبيا المرحوم الاستاذ علي خليفة الزائدي الذي التقيته عدة مرات بعد انتقالي الى مدرسة طرابلس الثانوية خلال السنة الدراسية ١٩٥٥/١٩٥٤ مع الرعيل الاول من قادة الحركة الكشفية الليبية المؤسسين الذين تفرغوا بعد ذلك للحركة و حالت ظروف خاصة دون أن أتفرغ انا ايضا لهذا الجهد التربوي الكشفي العظيم. وكان القائد العام يتخذ في ذلك الوقت من احد الفنادق وهو فندق "اكسيلسيور" في مدينة طرابلس مقرا له. وكان يطلب مني كتابة بعض الاناشيد والأهازيج الكشفية رحمه الله وأرضاه .

في مدرسة طرابلس الثانوية التي انتقلنا اليها بعد حصولنا على "شهادة الثقافة العامة" كما كانت تسمى في ذلك الوقت بعد دراسة اربع سنوات من المرحلة الثانوية في مدرسة الزاوية الثانوية كان علينا ان نكمل تحصيلنا العلمي في طرابلس للحصول على شهادة اتمام الدراسة الثانوية او "التوجيهية" كما كانت تسمى حينها وهي الشهادة التي تؤهل حاملها وتحدد نوع الدراسة الجامعية التي يختارها الطالب لمستقبله المهني.

في مدرسة طرابلس الثانوية تعرفت على المزيد من الزملاء من جيل الثلاثينات المبدع المتميز. أذكر منهم مصطفي الفرجاني الذي أصبح فيما بعد واحدا من كبار الاطباء الجراحين الذين عرفتهم المستشفيات الليبية.

وأذكر منهم محمد ساسي أبوعون الذي أصبح فيما بعد واحدا من الكتاب والصحفيين الليبيين المرموقين والمعروفين. واذكر منهم من مجموعة مدرسة الزاوية الثانوية ابراهيم هويسة مهندس النفط الذي أصبح فيما بعد احد كبار رجال صناعة النفط في ليبيا واذكر منهم عيسى رمضان القبلاوي الذي كان من قيادات وزارة التخطيط والتنمية والذي عملت حينما كنت وكيلا لوزارة شؤون البترول عام ١٩٦٨على نقله هو من وزارة التخطيط وكيلا مساعدا للوزارة ونقل شكري محمد غانم من وزارة الاقتصاد مديرا عاما للادارة الاقتصادية بالوزارة وكنت اعتبر ذلك واحدا من اهم الانجازات التي حققتها خلال عملي في الحكومات الليبية. وقد كان كلاهما من جيل الثلاثينات المميز الذين يتحدث عنهم هذا الكتاب. ثم كان لكليهما فيما بعد شأن يذكر في الحكومة الملكية الليبية الاخيرة ثم كان لهم شأن يذكر أيضا في "اللجان الشعبية العامة" التي حلت محل الحكومات الليبية بعد انقلاب ايلول الاسود كما أسميه دائمآ.! فقد تولى كل منهما أعني عيسى رمضان القبلاوي وشكري محمد غانم المنصب الذي كنت اشغله قبل ذلك الانقلاب. ثم تولى شكري غانم بعد ذلك مناصب هامة في منظومة أيلول الاسود كان من بينها منصب "أمين الاقتصاد" و"أمين اللجنة الشعبية العامة" ثم شغل منصب رئيس المؤسسة الوطنية للنفط حتى أعلن انشقاقه عن نظام أيلول الأسود بعد انتفاضة ١٧ فبراير ٢٠١١.

وكان منصب أمين اللجنة الشعبية هو المنصب الذي استبدل به نظام ايلول الاسود منصب رئيس الحكومة بعد ان الغيت الحكومة بعد "خطاب زوارة" واعلان "ثورة" جديدة في ليبيا سميت بالثورة الشعبية وبالثورة الثقافية.!! وهي الثورة التي الغت "مجلس قيادة الثورة" وقامت بحرق المكتبات العامة وتحطيم وتكسير الالات الموسيقية في الشوارع والميادين.!! وأودعت ثلاثة أرباع المثقفين الليبيين ومعظمهم من جيل الثلاثينات السجون والمعتقلات ثم بدأت بعدها ثورة "التصفية الجسدية " لكل من جاهر بانتقاده للتصرفات المجنونة لنظام أيلول الاسود القمعي الاستبدادي.!! وكانت تلك على ما يبدو هي"الثقافة" عند المجانين وأهل البدع الثورية.!!

ونعود الى عيسى وشكري فقد ظل كل منهما رغم ذلك محتفظا بالقيم النبيلة التي تربيا عليها خلال العهد الملكي. واذكر ان شكري غانم زارني بعد ان عرض عليه منصب وكيل وزارة البترول يستشيرني ان كنت انصحه بقبول ذلك المنصب ولم يكن بالطبع على وفاق مع النقيب او الرائد عبدالسلام جلود الذي كان يوصف بانه الرجل الثاني في طغمة أيلول الاسود والذي كان يشرف مباشرة على قطاع النفط الليبي فقلت له؛ "ألم تقل لي إنك تريد ان تستقيل وتترك "خدمة الحكومة.!؟" قال: "نعم". فقلت له فإن نصيحتي لك هي أن تقبل هذا المنصب. وسيكون ذلك هو الباب الذي ستمر منه وتترك خدمة الحكومة التي لست على وفاق معها. فلن يمر شهر واحد حتى ينشب الخلاف بينك وبين الضابط جلود الذي سيقوم بعزلك من ذلك المنصب حيث تستريح وتريح.!!

والعجيب ان ذلك ما حدث فعلا.!! فلم تمض سوى اسابيع قليلة حتى شب ذلك الخلاف وقام عبدالسلام جلود الذي كان نائبا لرئيس الوزراء او كما قيل بتحرير شكري غانم من قيود ايلول الاسود ونظامه وجنونه.!! ثم اتيح لشكري أن يقضي بضع سنيين في دراسته العليا في الولايات المتحدة ثم في منظمة الدول المصدرة للبترول المعروفة باسم "أوبك" في فيينا بالنمسا ثم ساقته ظروفه الخاصة الى العودة للعمل مع منظومة "أيلول الاسود" رافعا كما قال لي شعار "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله."!! وقد حاول الاصلاح فعلا ولكن أوان الإصلاح كان قد فات.!! والله ورسوله أعلم.

اما عيسى القبلاوي فقد تولى الوزارة لبضع ساعات او بضعة ايام بعد أن أصبح اسمها "الأمانة" وهي وزارة أو أمانة التخطيط ثم سرعان ما قدم استقالته هو الآخر بعد خلاف حاد بينه وبين ذلك الشخص الثاني في نظام ايلول الاسود. واختار كشكري غانم الهجرة وان يعيش بعيدا عن "عرس الدم" الذي انتصب في كل مكان في الوطن المخطوف.!

وقد تعمدت الاشارة الى هاتين الحادثتين لاثبت ان جيل الثلاثينات الذي انتمي اليه وينتمي اليه العديد من الذين وضعهم القدر في مركب ايلول الاسود بعد الانقلاب العسكري ظلوا محتفظين بقدر ما وبدرجات متفاوتة بما غرسه فينا وفيهم اباء الاستقلال من الوطنية ومن القيم النبيلة والخلق الكريم. لا أستثني من ذلك الا بعض ضعاف النفوس الذين نسوا ماضيهم الناصع البياض وقبلوا ان يلتحقوا بركب ايلول الاسود الحالك السواد خوفا او طمعا.!!

وأؤلئك هم الذين خرجوا عن تراث المملكة الليبية وعن نقاء جيل الثلاثينات وباعوا أنفسهم للشيطان.!! فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وقد بدلوا تبديلا.!! ولا داعي لذكر أسمائهم احتراما لما تبقى من الذكريات ومن علاقة الزمالة معهم خلال مراحل الدراسة وخلال بعض سنوات العمل العام. ولعل بعضهم تاب وأناب وعلم أنه قد أخطأ في حق نفسه وفي حق الوطن.! قال الله تعالى: "لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا".

ندعو لمن فعل ذلك منهم بالمغفرة والتوبة الحسنة.! قال الله تعالى: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".

ولكن سلوك بعض هؤلاء سيكون محل تحليل ودراسة في احد فصول هذا الكتاب وذلك لمحاولة الرد على سؤال هام ودقيق وهو: لماذا ساهم بعض من جيل الثلاثينات المميز في دمار الوطن.!؟ وكيف تم ذلك.!؟

ونعود إلى أيام مدرسة طرابلس الثانوية حيث كنّا نحن طلبة الدواخل نقيم في "القسم الداخلي" وهو الاسم الذي كان يطلق على المبنى الذي خصصته الحكومة لإقامة الطلبة القادمين من خارج العاصمة طرابلس.

كان ذلك المبنى هو المبنى الذي تحول بعد ذلك الى "مدرسة البنات" في شارع الزاوية جنوب غرب العاصمة. وكانت الحكومة توفر لنا فيه كل سبل الراحة ومن بينها الاسرة التي لم يكن يعرفها الكثير منا.!!

ومنها وجبات الطعام الرئيسيّة الثلاثة وهي الفطور والغداء والعشاء. وكان ذلك ايضا ترفا لم تكن تعرفه الغالبية العظمى منا.!! ولذلك كنا سعداء وكنا مبهورين بهذا اللون الجديد والمتقدم من العيش المرفه خصوصا بالنسبة للقادمين منا من الدواخل أمثالي وأمثال زملائي من الطلبة من مدرسة الزاوية الثانوية.!!

تم كل ذلك والمملكة الليبية المتحدة "طفلة" لم تتعد الثالثة او الرابعة من عمرها.! فأية دولة كانت المملكة الليبية المتحدة وأي رجال كان رجال الاستقلال.!؟ تم كل ذلك على أيدي رجال لم يلههم الفساد ولا الطمع عن توفير سبل التعليم الصحيح والحياة الكريمة لنا نحن الذين كانوا يسموننا رجال المستقبل.!! رحم الله كل أولئك الرجال العظام وجزاهم عنا وعن الوطن خير الجزاء.

في هذا القسم الداخلي الذي جمع طلبة من مختلف مدن ولاية طرابلس، كانت بداياتنا السياسية الاولى وفيها بدأ تمردنا على الحكومة أو قل أولى محاولاتنا للتمرد على الحكومة التي وفرت لنا كل تلك الاسباب التي لم نكن نحلم بها.!

كانت قد مرت في ذلك الوقت سنتان او اكثر قليلا على ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ في مصر الشقيقة. وكنا ونحن في تلك السن المبكرة من الوعي السياسي مبهورين باخبار تلك الثورة وما بدأت تطرحه من شعارات التحرر وتصفية الاستعمار والقواعد الاجنبية في الوطن العربي والدعوة الى إحياء القومية العربية وتحرير فلسطين وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمعات العربية ومكافحة الفساد.!!

فسرعان ما تبنينا تلك الشعرات البراقة والواعدة وبدانا نحلم بتحقيقها في كل الوطن العربي. وكانت هنالك الى جانب مدرسة طرابلس الثانوية المعهد التجاري في شارع هايتي وكنا نلتقي مع طلبة ذلك المعهد في عطلات نهاية الاسبوع وفي بعض المناسبات الاخرى التي يتاح لنا فيها اللقاء.

وعبر هذه اللقاءات وعلى أوتار ذلك التمرد وتلك المشاعر الوطنية والقومية اتفقت مجموعة منا ومن طلبة المعهد التجاري ان ننفذ اول حركة تمرد على الحكومة.!! قررنا تشكيل اول اتحاد عام لطلبة ليبيا بمبادرة منا ودون إذن او تصريح من الحكومة.!!

كانت مجموعتنا تلك تضم مجموعة من الشباب الليبي الذي كان يتقد حماسا ووطنية والذي كان يمثل عددا من المدن الرئيسية في ولاية طرابلس الغرب مثل العاصمة طرابلس ومدن الزاوية وغريان ومصراتة وزوارة ومدن الجبل الغربي وغيرها. أذكر منهم من طلبة مدرسة طرابلس الثانوية مصطفى الفرجاني وابراهيم هويسة ومحمد هويسة وأحمد علي المصراتي ومحمد ساسي أبوعون الذي كان العقل المدبر وراء هذا المشروع الجريئ وكاتب هذه السطور ومن المعهد التجاري أذكر عبدالله عمار السعودي الذي أصبح له فيما بعد شأن يذكر في عالم المال والمصارف بدءا بالمصرف المركزي الليبي ثم المصرف العربي الخارجي ثم المؤسسة العربية المصرفية التي وصل عبرها الى ان يكون المصرفي العربي الاول الذي يصل الى المرتبة العالمية في القطاع المصرفي الدولي.!

عقدنا العزم على تأسيس الاتحاد العام لطلبة ليبيا. وكنا نلتقي سرا في اماكن محددة نتفق عليها. وتمكنا بفضل بعض العلاقات الخاصة لمحمد ساسي أبوعون وبعض المغامرين منا وبفضل العمل المتواصل مع طلبة المرحلة الثانوية في كل من الزاوية وغريان من ترتيب اجتماع داخل مبنى المعهد الفني في شارع هايتي شارك فيه أكثر من ثلاثين طالبا دون علم ولا استئذان المسؤولين عنا وعن التعليم في ولاية طرابلس واتفقنا على تأسيس اول اتحاد للطلبة في ليبيا بعد الاستقلال.!

كان مدير القسم الداخلي هو الاستاذ الشيخ الطاهر سبيطة. وكان مدير مدرسة طرابلس الثانوية هو الاستاذ محمد عيسى وكان مدير التعليم في الولاية هو الاستاذ حلمي الخطابي.

ويبدو ان مباحث ولاية طرابلس قد قدمت بعض التقارير عن ذلك الاجتماع دون ان ندري للجهات التعليمية المختصة في الولاية. فبعد بضعة أيام من ذلك الاجتماع تم استدعائي انا ومحمد ساسي أبوعون للتحقيق من قبل السيدين مدير المدرسة الاستاذ محمد عيسى ومدير التعليم الاستاذ سلطان الخطابي.

لم يكن اي منهما مهتما بفكرة اتحاد الطلبة. بل كان شغلهما الشاغل هو معرفة كيف تمكنا من التواصل بزملائنا في الزاوية وغريان وكيف تمكنا من ترتيب ذلك الاجتماع في معهد هايتي.!!

إذ يبدو ان القضية بالنسبة لحكومة الولاية كانت قضية أمنية ولم تكن قضية تعليمية او طلابية.!!

كانت نتيجة التحقيق سلبية اذ لم نقدم شيئا من المعلومات التي كانوا يبحثون عنها وكنا نصر ان اللقاء بكل الطلبة كان متاحا في كل وقت وفي كل مكان. وكنا نركز على حقنا كطلبة في تكوين اتحاد عام لنا أسوة بالطلبة في جميع انحاء ألعالم.! ولكننا لم نستطع ان نقنع أيًا من المحققين بذلك. فعدنا الى غرفنا في القسم الداخلي والى مقاعدنا في المدرسة وظل اتحاد الطلبة حلما في وجداننا حتى تحقق على يد غيرنا بعد حين من الدهر ولكن ذلك لا يغير من الواقع وهو اننا كنّا السباقين في المطالبة بتحقيق هذا المشروع الطلابي الهام.!

كان اساتذتنا هم خيرة الاساتذة في ذلك الوقت من الليبيين وغير الليبيين. أذكر منهم بكل فخر واعتزاز الاستاذ الهادي عرفة والاستاذ محمد مسعود فشيكة والاستاذ أمين الحافي والاستاذ الطاهر سبيطة والاستاذ حلمي الخطابي والاستاذ محمد عيسى والاستاذ السنوسي النجار والاستاذ محمد عفيفي والاستاذ أمين الطيبي استاذ التاريخ من فلسطين والاستاذ عبدالحليم أيوب استاذ الكيمياء من مصر. وكانت مدرسة طرابلس الثانوية قد عرفت قبلهم وبهم اساتذة اجلاء كبار آخرين منهم الاستاذ فؤاد الكعبازي والاستاذ علي جمعة المزوغي والاستاذ عمر الباروني والشيخ الاستاذ محمود المسلاتي والاستاذ مظفر الامير والاستاذ محمود فرحات والاستاذ محمود البشتي والاستاذ المهدي الحجاجي والاستاذ مصطفي بعيو والاستاذ العارف بن موسى وغيرهم رحمهم الله جميعا. كانت مدرسة طرابلس الثانوية منارة للعلم بأساتذتها الاجلاء وبطلبتها النجباء. وتلك كانت الايام.!!

لم تمنعنا كل تلك النشاطات السياسية والمتمردة إن شئت أن نقوم بواجباتنا الدراسية وان نستفيد من حماس اساتذتنا الاجلاء لبذل كل ما وسعهم البذل من أجل تعليمنا وتلقيننا ليس فقط المناهج المقررة علينا بل تلقيننا أيضا القيم والمبادئ النبيلة التي أخذناها وورثناها عنهم والتي كانت هي التي تنير طريقنا منذ أيام مقاعد الدراسة والى اليوم.!

وحينما أتذكر الْيَوم أولئك الاساتذة الكبار أشعر بالمزيد من الفخر بأن ذلك الجيل المميز منا قد تلقى العلم والاخلاق من خيرة أبناء الوطن ندعو الله لهم دائمًا بالرحمة والرضوان.

أكملنا دراستنا في مدرسة طرابلس الثانوية ونجحنا جميعا وتهيأنا للذهاب. في بعثات دراسية الى الجامعات المصرية كل حسب تخصصه وحسب رغبته. وكانت رغبتي هي دراسة القانون لاكون قاضيا مثل أبي وقدمت اوراقي لكلية الحقوق جامعة القاهرة وتم قبولي للدراسة هناك كما تم قبول طلبات كل زملائي من القسمين العلمي والادبي للدراسة في الجامعات المصرية. وبدأت أستعد للسفر الى مصر كما فعل باقي الزملاء من حملة الشهادة الثانوية العامة. ولكن الحكومة فاجأتنا بقرار جديد لم يكن يخطر على بال أي منا.!! فقد أصدرت الحكومة الليبية مرسوما بقانون بإنشاء أول جامعة في ليبيا تكون أول كلية فيها هي كلية الاداب والتربية وقررت الحكومة الغاء بعثات كل طلبة القسم الادبي لذلك العام واحالتهم الى كلية الاداب والتربية في الجامعة الجديدة.! وإلى اللقاء في الفصل الرابع.

إبراهيم محمد الهنقاري

- إضغط (هنا) لمراجعة الحلقات السابقة

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل