أهم الأخبار

سكينة بن عامر: كنزي الأثير…

سكينة بن عامر | 2021/10/18 على الساعة 21:36

 

لم تكن أصابعي اليوم هي التي ترسم قناديل المولد، وما خطت أناملي أبيات المديح والابتهالات فوق بياضها، وما كنت أنا من جهز (جريد النخل) وشق وسطها لحمل أنوارها، ولا كنت من اعد حلقات تثبيتها، ولا أنا من أشعل شموعها، ولست أنا من أنشد أبيات المدح والفخر والدعاء، ولا أنا من خط قصائد البغدادية والبردة والشوقية بين زخارفها... فما أنا في هذه اللحظة سوى ذاكرة لاحتفالية شوق وحنين ومحبة تأسرني كل عام ببهاء ما أن يقترب يوم الاحتفاء بمولد خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما تمكنت من التخلي عنها رغم كل المشاغل والظروف.

هذا هو كنزي الأثير الذي ورثته عن جدي وأبي وأعمامي، رحمهم الله، هذا هو كنزي الجميل الذي يربطني بأبناء أعمامي وأخوالي، هذا هو كنزي البهي الذي يحيي قلبي كل عام، ومازلت حريصة على استخراج جواهره، وسأبقى، وسأستمر بإذن الله في نقله الي الأحفاد كل عام لعلني أجسد من خلال هذا التقليد الجميل احتفالية للقلب تشي بجمال المحتفى به، وتبدع مهرجان محبة في الفخر بالرسول صلي الله عليه وسلم، وترتقي بالنفس الي اعلي مراتب هذه المحبة، وتجسد دلائل الترابط والصداقة وصلة الرحم بين الأهل والمعارف والجيران.

للعيد سحره، وأنا الآن مسحورة بطقوسه، أنا الآن امتداد لزمن صفاء البال وسماحة النفس، ويدي اليوم هي يد أبي التي كانت تخط أحرف نور في مدح خير البشر، قلبي الآن هو قلب جدي الذي كان يحتوينا ويبث فينا قيم وأخلاق رسولنا الكريم ويملأ نفوسنا بفيض من عبق صداقة وألفة وفخار، تجمع قلوبنا أبناء عمومة وعمات وأخوال، وابتهاجي اليوم وفرحي بالطقوس هو تجسيد لانتشاء عمي الأصغر بالعيد وفرحه بمواسمه، وإنشادي اليوم هو صوته العذب الذي كان يقودنا في موكب مرح فرح صاخب يزودنا بكنوز من هناء البال، ويعين القلب علي أعوام العمر القادمة، ومرحي اليوم هو مرح أبناء أعمامي وأخوالي ونحن نتسابق في تزيين القناديل بألوان بهجتنا، ونتباهى بمواهبنا، ونثبتها على جريد النخل كي تنيرها لنا الأمهات، وأنوار البهجة المنبعثة من قناديلنا هي شعاع المحبة التي تربط قلوبنا، وابتسامات البيوت المرحبة هي أبواب الأمل المشرعة أمام أيامنا، إنها احتفالية عمر عشنا أجمل تفاصيلها في بيتنا الأول بالبركة(1) حيث النخيل يظلل سماءنا، وحيث أركان (الوسعاية)(2) تتزين للعيد.

هذا هو كنزي الأثير من ذكريات عمر عبقة تباغتني في كل عام ولا تتشابه مع ما قبلها، وفي كل مرة أكتشف فيه إسرارا جديدة تحيي هذه الاحتفالية تزيدها بهاء وتشويقا، وتزيدنا ترابطا أكثر، فمازالت النخلات تجمعنا تحت ظلها، ومازالت أبواب بيوتنا تفتح لاستقبالنا، ومازالت قلوبنا مملوءة بالشوق والعرفان لأهلنا، ومازالت قناديلنا مشتعلة تنير قلوبنا قبل دروبنا، وستبقى، وسأنقل هذه الاحتفالية للأحفاد لتظل تجسيد حي لمحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وفيض من ألفة ترسي في أيامنا محبة الخير والمرحمة، سأقاطع عوامل النسيان المتعمد لدى الجيل الجديد، وسأستمر صامدة أجاهد اللامبالاة في قلوبهم ليستمر مهرجان الترابط ولا ينتهي، سأواظب علي بث الشغف والابتهاج في قلوب الأحفاد مثلما أحياها أبي وجدي وأعمامي في قلوبنا، وسأستمر أشعل قنديل محبتي ما استمرت أيامي تشتعل بضياء الفرح والبهاء كي يتواصل مهرجان محبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قلوبنا، فلربما استطيع نقل كنزنا البهي إلى من هم بعدنا.

سكينة بن عامر

(1) البركة منطقة في وسط بنغازي لها تاريخ اجتماعي وثقافي مميز، وهي مسقط رأسي حيث بيتنا الأول.
(2) الوسعاية: التسمية العائلية لبيت جدنا الكبير في نهاية شارع العيساوي بالبركة، وهو متكون من سانية بها بيت جدي وبيوت أعمامي الخمسة، حيث قضينا فيها أجمل أيام عمرنا أبناء وبنات أعمام.

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل