أهم الأخبار

13 ألف قضية شهريا: "الطلاق" يعصف بالعائلات التونسية رغم "التعقيدات" القانونية"

ليبيا المستقبل | 2021/08/27 على الساعة 18:12

(ليبيا المستقبل - هادية العزقالي) عرفت تونس خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا غير مسبوقا في نسبة الطلاق، إذ أصبحت محاكم البلاد تسجل نحو 45 قضية يوميا و أكثر من 13 ألف شهريا.

والطلاق الذي أصبح ظاهرة  تهدد الترابط الأسري خاصة والمجتمع التونسي عامة ولئن كان محكوما بالتشريعات والقوانين منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، إلا أنه بات يقلق المهتمون بالشأن الأسري والتماسك الاجتماعي.

وتؤكد إحصائيات قدمتها وزارة العدل التونسية، خلال عام 2020،  تسجيل 46 حالة طلاق يوميا و13 ألف قضية طلاق سنويا. كما تشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع عدد الحالات مقارنة بالعام 2017، حيث كانت المحاكم لا تبت سوى في 41 حالة طلاق يوميا.

ويعد الزوج، وفق ذات المصدر، أكثر طلبا للطلاق من الزوجة بـ48 ألفا و579 قضية خلال الخمس سنوات الأخيرة، في حين بلغ عدد القضايا بطلب من الزوجة 32 ألفا و543 قضية، في نفس الفترة.

هذا الارتفاع الملحوظ فسره الخبراء والمختصون في علم الاجتماع والقانون بأسباب متنوعة، منها ما هو مادي وجنسي و نفسي، إذ يرجع  الدكتور والمختص في علم الاجتماع سامي نصر، أولها إلى  انعدام الاستقرار والضغوط اليومية التي كونت لدى التونسي  "شحنة عنفية" جعلته يرفض التنازل والتسامح الذي تتطلبه العلاقة مع الطرف الأخر.

غياب التواصل بين الزوجين

ويؤكد نصر لـ"ليبيا المستقبل" أن اندثار نمط الأسرة الممتدة وغياب كبير العائلة الذي كان يلعب دورا هاما في فصل الخلافات بين الزوجين" ساهم بدرجة كبيرة في ارتفاع نسبة الطلاق.

ويساهم "غياب التواصل والحوار بين الأزواج" وفق المختص في علم الاجتماع، في ارتفاع ما سماه بـ"الطلاق الصامت" الذي يسبق الطلاق الفعلي.ويقصد بـ"الصامت" تواصل الزواج وعيش الأزواج معا مقابل انعدام التواصل بينهما، مشيرا إلى أنه في حال لم تتم معالجة "الطلاق الصامت" من خلال مناقشة الخلافات الزوجية والأسرية مباشرة يتحول إلى طلاق فعلي وفق ما يحدده القانون التونسي.

ووفقا لمقاربة ما يعرف بـ"علم اجتماع الصورة" فان انعدام الوضوح وإخفاء الصورة الحقيقية بين الزوجين خلال فترة الخطوبة التي يحاول كل منهما  تضخيم الصورة التي يريد الظهور عليها أمام الطرف الثاني مقابل إخفاء صورته الحقيقية، يؤدي إلى حدوث تصادم وخلافات بين الثنائي بعد الزواج.

وأشارإلى أن البعض يعتقد أن الحياة وردية بعد الزواج خالية من المشاكل، لذلك يصطدم حين يجد نفسه مع الشريك تحت سقف واحد بالواقع وبمشاكل الحياة والعقبات ولا يتمكن أحدهما أو كلاهما من الصمود أمام الصعوبات التي تواجه العلاقة.

ويرى المختص في علم الاجتماع، أن غياب الثقافة الضرورية عن العلاقات الزوجية وكيفية التعامل بين الزوجين قبل الزواج يؤدي إلى خلافات تكون نتيجتها الطلاق في أغلب الحالات، مشددا على أهمية توعية الشباب أكثر عن مفهومي  العلاقات الزوجية  والشراكة، إضافة إلى توعيتهم بضرورة عدم استعمال العنف تجاه الشريك وتجريم الاعتداء على الحرمة الجسدية.

 وفي ظل التطورات التكنولوجية وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي على التقارب الاجتماعي بين أفراد العائلة، لفت محدثنا إلى افتقار الأسرة التونسية إلى الحوار والنقاش والتواصل فيما بينها، مما خلق عائلات افتراضية جعلت لكلا الزوجين عالمه الافتراضي الذي عادة ما يكون ملجأ خالي من المشاكل والالتزامات.

وفي سياق مختلف، يرى نصر أن الظروف الاقتصادية والمالية لا تعتبر من الأسباب البارزة المساهمة في ارتفاع نسبة الطلاق، إذ تشمل هذه الظاهرة  الأغنياء كما الفقراء، معتبرا المشاكل الجنسية إفرازا من إفرازات الطلاق الصامت  الذي يكون سببه الرئيسي بالأساس غياب التواصل بينالطرفين.

كما بين أن بحث أحد الزوجين عن بديل (عشيق أو عشيقة) يأتي جراء تقصير أحدهما  في حق الآخر (انعدام الاهتمام بينهما والمعاملة التي يطغى عليها العنف اللفظي والمادي).

إيمان التونسية بحقوقها

راضية الجريبي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، تحدثت لـ"ليبيا المستقبل" عن هذه الظاهرة، وقالت إن الارتفاع المسجل في نسب الطلاق يعود بدرجة أولى إلى  تطور التونسيات وتحضرهن وإيمانهن بحقوقهن وتكريسهن للمواطنة.

وشددت الجريبي على أن المرأة التونسية بعد ما تحقق لها من انجازات لا يمكن إن تقبل العنف والإهانة ومظاهر الاستغلال وكل ما يحط من كرامتها وتحبذ الطلاق بدلا  على أن تعيش مهانة أو مُعنفة.

وخلال السنة القضائية 2017/2018 تم تسجيل 6787 حالة طلاق بطلب من الزوجة، منها 3171 قضية طلاق إنشاء و760قضية للضرر، فيما سجلت 9963 قضية طلاق بطلب من الزوج، منها 5141 حالة طلاق إنشاء،(وفق إحصائية تحصل عليها ليبيا المستقبل من وزارة العدل التونسية).

وأوضحت الجريبي، المختصة في القانون، وجود العديد من القضايا التي رفعت من قبل الزوجة بعد اكتشاف خيانة زوجها لها أو الزواج عليها عرفيا أو ما يصطلح عليه قانونًا بـ"الزواج على خلاف الصيغ القانونية".

وتمنع مجلة الأحوال الشخصية والقانون الجزائي التونسي منذ سنة 1956 هذا الزواج باعتباره مخالفا للشروط المنصوص عليها في الفصل 31 من القانون المنظم للحالة المدنية في البلاد. كما تحظر تعدد الزوجات وتفرض القوانين عقوبات بالسجن وغرامات مالية على طرفي الزواج العرفي (المرأة والرجل).

وأوضحت الجريبي أن الظواهر الاجتماعية الجديدة التي تعيشها الأسرة التونسية بعد الثورة، ساهمت في ارتفاع نسبة الطلاق المبنية على شبكات التواصل الاجتماعي وذلك بعد إثبات خيانة احد الطرفين للأخر عبر الفيسبوك وغيره من التطبيقات الاجتماعية.

وشددت رئيسة اتحاد المرأة التونسية على أن الزوجة التونسية ترفض إطلاقا وجود علاقة  لزوجها مع إمرأة أخرى كما هو الأمر بالنسبة للرجل، مما ينجر عنه  طلب الطلاق في أغلب  الحالات .

وتعليقا على تراجع نسبة الطلاق للضرر من 1833 حالة سنة 2017 إلى 1658 سنة 2018 مقابل ارتفاع  نسبة طلاق الإنشاء، تقول الجريبي إنه لا يمكن الاعتماد على الضرر إلا إذا كان ثابت بموجب حكم قضائي، إذ لا يمكن للزوجة أن ترفع قضية ضد زوجها وتطلب الطلاق معتمدة على صور ومحادثة عبر ما يعرف بالـ"سوشيال ميديا" إلا في حال توفر حكم قضائي يؤكد عدم شرعية علاقة زوجها.

و أشارت إلى صعوبة عملية الطلاق للضرر طبقا للقضاء التونسي لما يتطلبه من  إجراءات وتعقيدات  لإثبات ضرر أحد الطرفين.

الطلاق في القانون

وطبقا لما ما نص عليه الفصل 30 من مجلة الأحوال الشخصية فان الطلاق في تونس لا  يقع إلاّ لدى المحكمة بموجب حكم قضائي و أنواع الطلاق حددها الفصل 31 من مجلة الأحوال الشخصية وهي ثلاثة ; "طلاق بالتراضي بين الزوجين" أي بالاتفاق بينهما ولا يثبت هذا الأخير إلاّ متى تم تأكيده أمام القاضي ويمكن أن يتعلق بمبدأ الفراق وبآثار الطلاق.

ويتمثل النوع الثاني في "الطلاق للضّرر" أي يتم بعد تضرر أحد الزوجين من الآخر وتقدّر المحكمة الضرر حسب اجتهادها وفي ضوء ملابسات كل قضية، أما الطلاق الثالث يتمثل في الطلاق إنشاء من الزّوج أو برغبة خاصة من الزّوجة. وحسب القانون التونسي يستوجب على طالب الطلاق أن يُبين في عريضة الدعوى أي نوع من الطلاق يطلب، علما وأن القاضي لا يصدر الحكم بالطلاق مهما كان السبب القانوني إلا بعد القيام بمحاولات صُلحيّة وُجوبيّة بين الزوجين.

وفي هذا الإطار، تؤكد القاضية لمياء الماجري، أن "نظام الطلاق في تونس معقد ويكون عن طريق المحكمة وفق أطوار مختلفة" ويمر بثلاثة جلسات صلحية وجوبية على أن تعقد الواحدة منها 30 يوما بعد سابقتها على الأقل، ويبذل خلالهما قاضي الأسرة جهدا كبيرا  للتوصل إلى الصلح بين الزوجين، خاصة في حال وجود أبناء. كما تمنحهما المحكمة شهرين تأمل قبل الفصل النهائي في القضية.

وشددت الماجري لـ"ليبيا المستقبل" على أن التبعات المادية الكبيرة من نفقة الطليقة والأبناء ومنح الحضانة والمسكن تجعل إجراء الطلاق أكثر تعقيدا ويتطلب مدة زمنية معينة للفصل والحكم النهائي فيه. ولا تعتبر القاضية الحكم بالطلاق "حكما ايجابيا في القضاء التونسي.

وتشدد الماجري،على أن استفحال ظاهرة الطلاق لا علاقة لها بالجانب القانوني وإنما تعود في الأصل إلى الأسباب التي ذكرها المختص في علم الاجتماع، إضافة إلى تطور ظاهرة العنف المسلط على النساء داخل محل الزوجية وهي ظاهرة كُشفت حدتها خلال فترة الحجر الصحي التي سجلت فيها البلاد ارتفاعا قياسيا لمعدلات العنف.

ولتفادي هذه الظاهرة المقلقة، تتجه عدد من الجمعيات الحقوقية إلى تأمين دورات تكوينية للمقلبين على الزواج بهدف توعية الشباب وحماية الروابط الأسرية من التفكك، إذ تسعى جمعية "نحب نعيش مع أمي وبابا" لتخفيض نسب الطلاق من خلال إيجاد حلول للصلح بين الزوجين، قبل أن تتم إجراءات الطلاق، وذلك لحماية الطفل وضمان استمرارية عيشه مع والديه في ظروف عائلية سليمة وأجواء نفسية متوازنة.

 

كلمات مفاتيح : تونس، حقوق الإنسان،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل