أهم الأخبار

سكينة بن عامر: إهداء إلى السيد كوفيد.. الذي زارنا دون ميعاد

سكينة بن عامر | 2021/08/26 على الساعة 20:55

ما أن علمنا بأن ذلك الضيف الذي لا يحبه أحد قد اقتحم بيتنا دون استئذان حتى انزعجنا، وحل الاضطراب بيننا، فهذا ضيف كريه لا يحب استقباله أحد، وجوده يفسد ترتيب الحياة، ويجر بقدومه القلق والارهاق والتعب، ويمتص كل مظاهر السعادة والأمن، ويستنزف الجهد والوقت والمال، ولا يرحل إلا بعد جهد جهيد، ولكن لم يكن لنا بد من استقباله فباب بيتنا لا يُقفل في وجه أحد.  

رحبنا به مرغمين، نرسم ابتسامات صفراء مبطنة، وأدخلناه غرفة الضيوف ليرتاح، واجتمعنا خلسة نتدارس الأمر، فلابد من خطة محكمة نتحصن خلفها كي لا نترك له فرصة الاستفراد بنا، وإطالة المقام، وفي ذات الوقت لا نتجاوز واجب الضيافة واكرام الضيوف، هي معادلة صعبة بذات صعوبة الحلم (بالحج والسلامة)، لكن ما باليد حيلة، فأحيانا لا يمكنك الانفكاك من الأمر الواقع الذي يحل دون ميعاد.

جمَّعنا رب البيت حوله، وطمأننا بأن الامر سوف يمر، وشدد على ضرورة تحمل أي منغصات قد تطرأ على حياتنا، وطلب منا تحمل أي مضايقات قد تصدر عن الضيف الثقيل حتى لا نتجاوز حقه في الضيافة، ونصحنا بطول البال، وتجاهل أي ألاعيب قد يقوم بها، ومنحنا زاد من روح طيبة، ويقين برحمة، وثقة برب سيعيننا على تحمل تصرفات من حل ببيتنا دون استئذان.

في اليوم الأول (تلخبطت) حياتنا، وانقلبت أوضاعنا رأساً على عقب، ولم نعد نعرف كيف نتصرف، فنحن لا نستطيع أن نتوقع ما سيكون الأمر عليه، ولا نملك أن نعرف ما سيأتي به هذا الضيف من تصرفات، وليس لدينا فكرة مسبقة عما سيكون عليه الحال، خاصة وأن هذا الضيف (المتربع) في غرفة الاستقبال قد بدأ يبسط سلطانه رويدا رويداً على أجزاء البيت، وصرنا أينما تحركنا نتعثر بأشيائه الملقاة حولنا، فنسقط تارة من جرائها، وتارة تخبطنا في أوجع الأجزاء، وكلما حاول أحدنا الاحتجاج أو الكلام تردعنا نظرة رب البيت الناهية، فاحتمال ثقل الضيف واجب، وتقبل إزعاجه فرض، وليس من أخلاق الكرام التذمر.

في اليوم الثاني عجت أرجاء البيت بالفوضى، فصوت غناء الضيف ارتفع، وبدأ يقلق راحتنا، ومنظر أشياؤه الملقية أينما نمضي تضايق أعيننا، وتقزز النفس، وأكملنا اليوم في جري متواصل للملمة ما يبعثره، وصرنا نلهث خلفه أينما مر لنزيل أثار ما يترك من أشياء، ولم يأت الليل إلا وكل عضو من أجسامنا يئن تعباً وإرهاقاً، وارتمينا في شبه غيبوبة موجعة، ولم نقدر على قول شيء، فالضيف ضيف كما قال لنا رب البيت.

في اليوم الثالث استيقظنا فزعاً على زعيق الضيف وتذمره، وبقفزة واحدة كنا أمامه: ما الأمر؟ وبغضب صارخ احتج على تركه منفرداً لا أكل ولا شرب ولا إكرام!!! وما بين النوم واليقظة جرينا نتخبط لنجهز له الإفطار، ونزين (السفرة) بأطايب يطلبها، طمعاً منا كي يهدأ الغضب الهادر في قلبه، وحينما انتهى استلقى بكسل، وتركنا نعرج الفم احتجاجاً دون أن نقدر على الكلام، وبإماءة من رأس رب البيت تسللنا، وخرجنا وتركناه منتصراً، واجتمعنا نتناقش حول الأمر، ونبحث عن مخرج، فالأمر زاد عن حده، وزاد الإرهاق، ولم نعد نحتمل كلام بعضنا، وما توافقنا على رأي، وإذا بالاتهامات تنطلق من أفواهنا قذائف ، وإذا باللوم ينفجر دون أن ننتبه إلى أننا نجرح بعضنا، وإذا الشقاق يشق ما بنيناه العمر كله، ولم نعد نعرف كيف نستمع، وعجزنا على أن نسامح بعضنا، فنحن محاصرون بطلبات لا تنتهي، وأجسادنا مرهقة من جري لا يتوقف، وقلوبنا مشغولة بقادم مبهم لا نعرف كيف يكون، وأعصابنا مشدودة تكاد من حدتها تتقطع، وبلحظة ودون حسبان فقدنا قدرة الاحتمال، ورفعنا الصوت في وجوه بعضنا، وزدنا حدة الصوت أكثر اعتقاداً بأن رفع الصوت قد يعين على الاحتمال، ولم يعرف رب البيت كيف يوقفنا، ولم يقدر على أن يوفق بيننا فرفع الصوت.. ولأول مرة .. كي يجبرنا على الانصات، وأوشك على القاء غطاء الاحترام كي نلتفت إليه، وساد الصمت، ووجمنا كلنا في خجل معتذر، فما هكذا نحن أبداً.. لكنها وطأة المعاناة هي التي أجبرتنا، فنسين من نحن، ونسين أننا في حضرة رب البيت تاج الرأس، وهنا تداركنا الأمر، ونكسنا الوجوه خجلاً، وتسابقنا في اعتذار متسامح كي نمسح ما اقترفناه، وقبلنا الرأس واليد اعتذاراً.. وحضنا بعضنا أسفاً، ونمنا ونحن نمني النفس بغد مختلف فيه يرحل الضيف الثقيل.

في اليوم الرابع كنا أهدأ قليلاً، فقد اتفقنا على أن نكون يد واحدة كي نستطيع التعامل مع إزعاج ضيفنا الملحاح، وقال رب البيت (لابد من خطة محكمة نتكاثف فيها معاً للحد من مطالبه، فهذا الضيف كلما أكرمناه زاد تنمراً) وهللنا كلنا فهذا ما كنا نريد قوله لولا نهيه لنا، وجلسنا نتبادل الرأي، قال أصغرنا (ليس أمامنا سوى طرده لنتخلص منه) فأجابه رب البيت (ليس من شيمنا ولا أخلاقنا طرد الضيف، ولكن لنتفق على كلمة واحدة، ورأي واحد، وعمل واحد كي لا تتشتت جهودنا، وكي نكبح جماح مطالبه) ثم بدأ في توزيع المهام (أنت عليك أن تتأكد من التخلص من كل بقاياه وحصرها في مكان واحد حتى لا يمتد تأثيرها السيء إلى باقي أنحاء البيت) و(أنت عليك أن تلازمه كي تمنعه من مغادرة غرفة الجلوس والبقاء في مكانه طوال الوقت) و(أنت يمكنك توفير كل ما يحتاج إليه فوراً فلا تمنحه بذلك فرصة التجوال) و(انت عليك أن تجهز لنا خطة بديلة لكل خطوة من خطواته حتى نستطيع أن نمنعه من مباغتتنا) و(أنت عليك التأكد من كل خطوات الخطة ومراجعتها بدقة) و(أنت عليك أن تتولى كل احتياجاتنا وتجهزها في وقتها حتى نشعر بالارتياح) و(أنت عليك توفير كل المستلزمات حتى لا ينقصنا شيء فجأة) و(أنت أصغرنا وأحبنا إلى القلب لك مهمة تسليته واشغاله ومحاصرته في كل آن، يمكنك الاستعانة بالألغاز المسلية وبالأحاجي وبالمعلومات حتى يبقى في مكانه لا يبرحه فيمل من البقاء) وانشرح القلب، وهدأت الأنفس، وبدأنا في تنظيم أنفسنا، وقل الاجهاد شيئاً فشيء، فنمنا ملء جفوننا رغم كل الآلام.

في اليوم الخامس كنا أكثر طمأنينة وسلام، وعادت اصواتنا خافتة مهذبة، وتبسمنا في وجوه بعضنا، وتقاسمنا المهام، كان الضيف ينظر إلينا بتوجس، فما هكذا كانت خطته القاضية بتدمير صفو حياتنا، حاول أن يستحوذ على الموقف حتى لا يُسحب من تحت أقدامه البساط، وبدأ في منغصاته رافعاً الصوت متذمراً، فتسارعنا كلنا لتلبية النداء، وأحطناه برعايتنا المبالغة، وضيقنا عليه بالاهتمام، وجم الضيف (متباغتاً) من ردة فعلنا، لكنه لم يستسلم، وقررنا نحن أيضا عدم الاستسلام، وبادر صغيرنا المرح يستلم زمام المبادرة، وشغلنا بلعبة تحدي صاخبة، فتعالت ضحكاتنا وأصابت الضيف في مقتل، ولم يقو على تكدير صفو يومنا، فنكس الرأس مفكراً (ما الذي حل بالحال؟) ووجم صامتاً يراقب خطواتنا ويدرسها كي يعرف أين سيكون موضع أقدامه، وما الذي ستأتي به الأيام، واستمرينا في تسامرنا الجميل، وتقاربت قلوبنا، وتعالت ضحكاتنا، وتجمعت أفكارنا، وزاد ترابطنا، وتعاظمت قوتنا، واختلسنا النظر لضيفنا في توجسه، وما تركنا له الفرصة لتنغيص يومنا، فتسمر ناظراً لنا لا يعرف كيف يرد.

في اليوم السادس خفت مواجعنا قليلاً، واستعدنا جزء من النشاط، وبالرغم من إرهاقنا بخدمة الضيف إلا أن الروح كانت زاهية، وكان القلب عامراً بالأحلام، حاول الضيف أن يشاكسنا فرفع وتيرة طلباته أعلى، فتقبلنا مشاكسته بمرح، حاول أن يسخرنا لخدمته ويستعبدنا، فخدمناه بإكرام، حاول أن يجندنا لنتخاصم فعذرناه وتركنا التسامح يسرح بيننا، حاول أن ينقض على جهدنا فخذلناه بروحنا العالية، وتقبلنا بتسامح خطاياه، فهو، كما قال لنا رب البيت، ضيف، وإكرام الضيف من شيم النبلاء.

في اليوم السابع أُجهد الضيف من محاولات زرع الخلاف بيننا، وبدأ ساكنا مستسلما هامداً، ولم نعلق على الأمر وتجاهلناه، وإن حرصنا على توفير كل ما يحتاجه، وتشبث صغيرنا المرح بمسامرته حتى (كثر على ما أوصيناه) فضاق خُلق الضيف بإلحاحه وضجيجه، وزاد ضيقه أكثر من مجاملتنا الثقيلة له، فتململ، وضاقت به الدنيا، وراودته نفسه على المغادرة، فلما أقبل الليل يجر استاره حتى عقد عزمه، ولملم شتات أمره، ولم يجد له بداً من حزم حقائبه والتسلل خلسة من البيت والفرار.

في اليوم الثامن استيقظ صغيرنا قبلنا كلنا، وانطلق إلى حيث الضيف كي (يكبس على أنفاسه) فوجد المكان خالياً، ولا أثر للضيف سوى بقاياه، وتعالت صيحات الفرح (رحل الضيف.. رحل) وتسابقنا إلى غرفة الجلوس الخالية لا نصدق ما سمعناه.. فإذا بالمكان ساكناً إلا من أثار بقايا مخلفات تركها الضيف أثناء الفرار، وتعانقنا معاً.. وهللنا.. ورقصنا طرباً فأخيراً تخلصنا من ذلك الازعاج، ومن بين الفرح والخجل ذكَّرنا رب البيت (ليس طيباً أن نفرح لرحيل الضيف.. لكن ضيف عن ضيف يفرق) وضحكنا معاً وبدأنا نلملم حالنا، ونخطط كيف نتخلص من الأثار.

في اليوم التاسع بدأنا بحماس في إعادة تنظيم المكان، وأمضينا ساعات اليوم في جري في كل الأنحاء، نلملم ما ترك الضيف من بقايا، ونعيد ترميم المكان، مسحنا عن أنفسنا أخطاء انطلقت تحت ضغط الضيق، وتبادلنا الاعتذار، وغسلنا قلوبنا من جراح أدمته كلمات غير مقصودة، وتجاهلنا بعض الأفعال، وأصلحنا مواقف صدمتنا جراء الألم المتزايد، وغفرنا كل الأخطاء، كنا معاً نعمل وسط ضحكنا وممازحتنا لإعادة بيتنا إلى أصله الذي نعتز به، واستغرقنا اليوم بأكمله دون توقف رغم التعب والجهد حتى أعدنا بيتنا كما كان.

في اليوم العاشر تحلقنا حول رب البيت نتبادل (القفشات)، وأخذنا نذكر بعضنا بمواقف مضحكة لم ننتبه لها أثناء التعب، وتذكرنا مواقف اللهفة عندما خاف بعضنا على بعض، وكيف كنا نقيل عثرة من يسقط، ونمد اليد لنسنده، وكيف كنا نواسي من يكون في كرب، واسترجعنا معاً كلمات مبهرة تفوهنا بها وسط الألم، فكانت للأوجاع بلسم، وتسابقنا في سرد حكايات مفرحة أبرزت أجمل ما في قلوبنا، وجمعتنا معاً لمواساة من تتعبه الأيام، وتذكرنا كيف وقفنا صفاً واحداً أمام ذلك الضيف (البليد)، وكيف توحدت كلمتنا، وكيف صرنا قلب واحد، ومن بين الضحك والمرح عرفنا أن ذلك الضيف لم يكن كريه في قدومه، فقد ترك لنا بعد رحيله أجمل العبر. 

سكينة بن عامر

بنغازي، 26 أغسطس 2021

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل