أهم الأخبار

التيجاني.. الخطوط الساخرة بين مفارقات المضحك المبكي

ليبيا المستقبل | 2021/08/21 على الساعة 17:29

عبد السلام الفقهي (السقيفة الليبية): يرتقي فنان الكاريكاتير التيجاني أحمد سلالم الأبيض والأسود ساخرا من مفارقات الواقع الليبي والإنساني عموما، وتتبع تفاصيله ناقدا لسلوك الناس لكنه ينحاز لأحلامها المسروقة مدافعا عنها.

وهو يعتمد بالطبيعة على سبره العملي لتلك الأفعال، يطاردها بمظاهرها الجسدية، محاولا استنطاق تلك المواقف، ووضعها بشكل مباشر أمام القارئ، وهي لا تخضع للمكياج وللمراوغة أو التأويل، يترك للشخصية مجالا أو هامش التعبير عن طبيعتها بنحتها كاريكاتيريا على مقاس بيئتها بالمسطرة والفرجار.

طقوس الصورة

تذوب كل مكونات البيئة في طقوس الصورة وجرها إلى بؤرة الموقف، خدمة للمعنى ولرفع سقف مسحتها الساخرة المستفزة بغية حصد أكبر قدر ممكن من الانتباه، فكل الأماكن عند البقال أو في السيارة وحتى على الطريق، داخل البيت وخارجه، أمام الصديق وفي غيابه، تصبح جميعها مشدودة إلى معادلة تجسير سديم الفجوة بين المفترض والموجود، أي المتخيل الذي يستجليه الموقف أو يضعه في خلفية الحدث، حاثا الخيال على معرفته والبحث عنه ووضعه بديلا للعبث الذي تلبس الواقع.

يدخل التيجاني التعليق كدعامة إرشادية للحوار وتخليص الصورة ربما من أي تشويش، على الرغم من كون أعماله كما سبقت الإشارة تصرخ بالمباشرة، ويظل عموما خيار الفنان لتقليد لازم تاريخ الكاريكاتير على الأقل في نشأته الحديثة مع ظهور الطباعة والصحافة ورسخ حضوره مع مرور الزمن، وكذا يتنفس إيقاع مواز للرسم ذاته مشكلا وجها شارحا ومتناسلا بنسخ عديدة لذات الموقف تستوحيها الذاكرة من تجاربها الشخصية، شبيها بدلالات الحكمة أو المثل هي مزاوجة بين الكلمة والصورة كما يراها ودونها أسفل عنوان صحيفة الشاهد التي ترأس تحريرها، إذ يمثل كليهما حالة لحوار داخلي يواجه ذواتنا ويعرفها بشواغلها المتراكمة.

روح المزحة

هوية اللوحة الكاريكاتيرية لديه لا تصنعها الشخوص بل المفردة الساخرة النافذة المستخلصة من جدارية البيئة المحلية، أو لنقل روح «المزحة» بعفويتها المشبعة بالتهكم أو التوبيخ دون الإسفاف، وهي خيط رفيع فاصل بين لعبة التوظيف الفني أو الوقوع في تنميط الصورة وجعلها مجرد خطوط لا أكثر، في لوحة بائع «البطيخ» أو الدلاع، يقف الزبائن أمام البائع الذي يحدثهم بوثوق وسخرية: (اهو جبنالكم الدلاع المنفوخ قبل وقته) يوظف الفنان شيئا آخر للدلالة على الجشع واللامبالاة  وهو نكتة الموقف التي جعلت ملامح الشخوص وتجاعيد وجوههم تعبر عن مضمون إجابتهم في وجه صاحب الدلاع غريب الأطوار، وما يتماس مع هذا المشهد لوحة أخرى لصاحب مطعم يستشيط غضبا من زبون احتج على تواجد الصراصير «الزقرلو» على المنضدة صائحا في وجهه باللهجة الدارجة «تو زقرلو زي هذا داير عليه مشكلة».

نافذة للعبور

إلى جانب ذلك يخوض التيجاني مفازات الرسم الواقعي أو الاقتراب منه، وكأنما هي محطات للاستجمام أو الراحة والتقاط الأنفاس، في لوحات الطبيعة الصامتة وبائع العسل وبرج الحمام وواجهات البيوت الغدامسية ونوافذها، ولوحة الانتظار لأطفال أمام باب البيت، هي انتظار آخر لسفر يحتضنه الفنان وهو يحتفي مرة بعد مرة بأقاصيصه المصورة متخذا لوحاته الواقعية ممرا للكاريكاتير منها وإليها.

الجهل والفقر وغياب الضمير، ثالوث تنهض عليه أعمال التيجاني الساخرة مطلة على مكاشفات تستفز معاقل السكون وتحوله إلى مجال للجدل والمناورة لاستحضار الوعي الجمعي المفقود، وهوما عمل أيضا على تجسيده في مسيرته الفنية، للاقتراب من تفاصيل الواقع المعيشي للوطن والمواطن المطحون بشعار النزاهة من قبل تجار السلطة وعبدة المال، وقد جهد في استثمار هذه الأبعاد، وجر قلم الرصاص إلى مربع الاحتراق، الجامع بين مفارقات الضحك والبكاء.

عبد السلام الفقهي

السقيفة الليبية (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل