أهم الأخبار

مثقف ما بعد الاستعمار ومثقف الاستقلال

محمد بن نصر | 2017/07/21 على الساعة 13:10

يغفل البعض عن حقيقة أن مصطلح ما بعد الاستعمار (Post-colonialism) ومصطلح الاستعمار الجديد (Neo-colonialism) يعبران عن عدم وجود شيء يمكن تسميته الإستقلال! في هذا السياق ينبغي أن يكون مثقف الاستقلال شيئاً آخراً غير مثقف ما بعد الاستعمار، لأن جوهر المسألة يكمن في أن مثقف ما بعد الاستعمار، مثل مرحلة ما بعد الاستعمار، مجرد تطور للظاهرة الاستعمارية، بينما دور مثقف الاستقلال هو التأسيس لقطيعة معها.

ومقصودي من هذه الورقة هو إعادة النظر في أساليب التفكير الموروثة عن الإستعمار، لأن تلك الأساليب تجرنا سلفاً إلى ميدان لا يربح فيه سوى صانع/صاحب ادوات الحرب (الأفكار والمناهج). مرة أخرى؛ ما أود القيام به هو القطع مع سلوك الفصل بين السياسة والأخلاق (المعتمد غربياً)، لأنتهي إلى إدانة الحضارة الغربية أخلاقيا، ثم نقد ربيبها، مثقف ما بعد الاستعمار، الذي يعول على أفكارها ومناهجها لتحقيق الاستقلال، لأن استخدام ادوات الحضارة الغربية لتحقيق الاستقلال يمثل في تصور بن نبي "المسجون الذي يحلم بأن السجان سيسلمه مفاتيح السجن"!

الحضارة الغربية تبني سياساتها تجاهنا على الباطل، وهي تعلم أنه كذلك، فليس في الموضوع خطأ او سوء تقدير على الاطلاق. فعندما يتهم الاستعمار سكان المستعمرات بـ"كره الاجانب" أو ممارسة "الأرهاب" مثلاً، فكل هدفه هو وضع الإنسان المستعمَر في موقف أخلاقي متدني جداً يجعل آدميته نفسها محل شك! لأن عدم تحديد الاجانب الذين يكرههم ساكنة المستعمرات فيه من التعميم ما يجعل السامع يعتقد أن أهل البلاد الأصليين يكرهون الجنس البشري! وبهذا الشكل يصبح احتقار أو حتى إبادة السكان الأصليين (الهمج والبرابرة في لغة الاستعمار) أمراً مبرراً للدفاع عن الحضارة التي لن يصلوا إليها إلا إذا أحبوا المحتلين الذين استعمروا أرضهم - شرط تعجيزي. وبالرغم من أن موقف الانسان الغربي تجاه المستعمرات لا يعبر عن أي تحضر أخلاقي إلا أن أهل البلاد ضيعوا فرصة استقلال حقيقي عندما خاضوا المعركة مع المستعمر على جبهة القانون والسياسة تاركين البعد الأخلاقي في المواجهة نسياً منسياً!

ولازال الغربي يربح المعركة باستمرار لأن مثقف ما بعد الاستعمار تخبل في محاولة دفع تهمة كره الاجانب والارهاب، تاركاً الغرب في مركز متميز (سلطة الاتهام) بشكل دائم. سلوك المجرم مما لا يقارن مع موقف الضحية؛ وقبول الضحية لموقف المتهم والاكتفاء بالدفاع أو مقارنة موقفه مع سلوك المجرم، جعله إجرائياً، ومن حيث المبدأ، متنازلا عن اعتباره مظلوماً. ومن ثم انتهي به المطاف واقفاً على قدم المساواة مع المجرم!

وفي سياق المساواة بين المجرم والضحية تحرص دولة بني إسرائيل على أن تذكر التقارير التي تتابع جرائمها أن هناك عنف من الجانب الفلسطيني ايضاً، ليتساوى بذلك الطرفان وتذهب مظلومية الشعب الفلسطيني جفاءً! وفي انحطاط أخلاقي منقطع النظير يتوحد السياسيون الغربيون بالتصريح، ووسائل الإعلام بالنقل عنهم، أن اسرائيل تدافع عن نفسها. وبذا يسلب اليهود الأرض وحق الدفاع عن النفس معاً من الفلسطينيين، جهاراً نهاراً!

ولكي تجعل الحضارة الغربية الهزيمة من نصيبنا دائماً تناور بنا دون توقف لنلاحقها في الميدان الذي تربح فيه هي (الارهاب). هذه هي الاستراتيجية في معناها العسكري البدائي: المناورة بالخصم لجره إلى ميدان لا يربح فيه المعركة. والميدان الذي لا يربح فيه المسلم هو ميدان الفصل بين السياسة والأخلاق، الذي معناه أن السياسة لا أخلاق فيها. قبول المسلم لهذا المبدأ هو في حد ذاته خروج من الميدان الذي يمكن أن يربح فيه المسلمون الحرب، وتخلي عن السلاح الوحيد الذي لا تملك الحضارة الغربية نظيره.

 نحن ل­ا نرى مما سلف شيئاً لغياب الحس النقدي القادر على إنهاء القابلية للإستعمار الجديد؛ الاستعمار الذي يحتل العقل فيحول مثقف جنوب المتوسط بيدقاً ذاتي الحركة: يخرب الإسلام من الداخل ويطعن المسلمين من الخلف. صاحب الحس النقدي الأصيل الذي اتحدث عنه من نوع مالك بن نبي، الذي نبه إلى خطأ إجرائي في علاقة المسلم بالإسلام عندما قال: مهمة المسلم ليس الدفاع عن الإسلام لأن الإسلام محصن ذاتياً من هبة الله له، مهمة المسلم هي اكتشاف ما في الإسلام من وسائل الدفاع.

من الواضح في شريعة المسلمين أن الهجوم والدفاع في الإسلام يتم على الجبهة الأخلاقية، لكن استفزاز الغرب الدائم للمسلمين يدفع بعض أبنائهم بعيداً عن الجبهة (الأخلاقية) التي يمكن ان يربحوا فيها الحرب، ويدمجهم في ظاهرة العنف العشوائي الذي يسميه "الارهاب الإسلامي"! العنف العشوائي يظهر في الشرق الأوسط وفي الولايات المتحدة الأمريكية، غير أنه يقدم للمشاهد على أنه إرهاب إسلامي عندما يحدث في الشرق الأوسط، وحدث عابر عندما يحدث في الولايات المتحدة. وهذا يمثل سقطة أخلاقية أخرى للإعلام الغربي الذي يقدم نصف الحقيقة مشوهاً (عندما يتعلق الأمر بحركات المقاومة) ويخفي النصف الأهم من الحقيقة وهو القتل خارج القانون (دون محاكمة) الذي تمارسه الولايات المتحدة وداعش معاً، غير أن صفة الأرهاب تذهب لداعش وتعفى منها الولايات المتحدة، بالرغم من أنهما زملاء حرفة الارهاب. وهذا يفضح وسائل الإعلام الغربية التي تدعي الحياد وهي تمارس التدليس والتضليل الذي يرفع تهمة الارهاب عن الولايات المتحدة ويلصقها ليس بداعش وإنما بـ"الإسلام"!

جرجرة المسلمين إلى العنف العشوائي (الارهاب) هدف استرتيجي للغرب، فهو على غرار مقولة المسلمين يكرهون الاجانب، لا غرض له إلا وضع المسلمين في موقف لا أخلاقي يبيح لعديم الأخلاق الأصلي (ساكن البيت الأبيض أو ساكن الاليزيه أو الكرملين) قتلهم دون شفقة أو رحمة، وفي غياب تام لأي احتجاج عن القتل خارج القانون، اللهم ما تقوم به بعض منظمات حقوق الإنسان، من حين إلى آخر، من باب رفع العتب. في هذا السياق، المتوقع من المثقف الحديث عن عدم اختلاف داعش عن الولايات المتحدة وبقية حلفائها الصليبيين، وليس دفع تهمة الارهاب أو الالتحاق بركب المحاربين له.

لابد إذن من تأهيل المثقف (مثقف الاستقلال) ليكون قادراً على كسر حلقة التبعية لمدرسة المركزية الغربية، و المناورة بفكرة الإستقلال لإيصالها إلى ميدان الأخلاق، لأن الغرب لا يستطيع االمواجهة في هذا الميدان، وتبدو الحضارة الغربية في منتهى الهشاشة على هذا الصعيد، وإن لم يهتم عندنا أحد بذلك. الفصل بين السياسة والأخلاق حلَ مشكلة السياسيين الغربيين، لكن قبوله إسلامياً سيزيد مشاكلنا تعقيدا، لأننا إما أن نكون أخلاقياً أو لا نكون مطلقاً. بكلمة واحدة: مثقف الاستقلال - وجد أو لم يوجد بعد- هو المثقف الذي يرفض الفصل بين السياسة والأخلاق ويستطيع خوض الصراع الايديولوجي على هذا الأساس.

محمد بن نصـر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
مشارك | 23/07/2017 على الساعة 07:36
تعليق
اتمنى من الكاتب ان يكتب لنا ورقة عن قصة المسلمين مع الغش و كيف ان الغش اوصل اغبياء لا ينفعون لوظيفة منظف زريبة (يعني ليس حتى مسؤول زريبة، بل عامل تنظيف تحت مدير الزريبة) اوصلهم الى اماكن ينظرون منها و يتقيأون جهلهم عبر الانترنت. ما سر الذي يمكن المسلم في نفس الوقت من الغش و الاستفادة من الغش ثم في نفس الوقت يردد الايات و الاحاديث التي توصي بالابتعاد عن الغش. ما هذه المهارة العجيبة و من علمها للمسلمين؟ يعني من أول من مارس هذه الموهبة و علمها للناس؟ و شكرا
ليبي ليبي | 23/07/2017 على الساعة 01:35
استغلال الدين
أولا اشكر الكاتب على سعة صدره وقبوله الرد على الرأي الآخر والذي يدل على انتمائه لثقافة قبول الرأي الآخر بدون تعصب وكم نفتخر بمثل هؤلاء الكتاب وثقافتهم. يا سيدي الكاتب الإسلام أمرنا بالنشر ولم يأمرنا باحتلال الأرض ، يا سيدي الكاتب طول حكمنا لاسبانيا لفترة تقارب 8 قرون لم يتولى فيها اسبانيا واحدا حاكما لوطنه. فهذا ليس من الإسلام في شيء وللأسف. وبكل صراحة لا يختلف ما فعلناه نحن وما يفعله الغرب من تهميش لأهل الأرض. مع تحياتي للكاتب
شمس العربان | 22/07/2017 على الساعة 22:32
أتفق مع السيد غومة...
ما يسمي بعصر النهضة العربية هو -بعد كل حساب - محض زوبعة في فنجان و جعجعة بدون طحين. و السبب الأكبر وراء عقمه البادي للعيان هو أن أعلامه الكبار من أمثال الطهطاوي و عبدة والأفغاني هم في واقع الحال كانوا أنصاف متحررين و أشباه متناقضين و لا يشبهون أعلام عصر النهضةا الأوروبية في أيام دويلات المدن في شبه الجزيرة الإيطالية - لا من قريب و لا من بعِيد.
الكاتب | 22/07/2017 على الساعة 21:32
إلى ليبي ليبي
اولاً؛ اتمنى ان يكون سؤالك موضوع لحوار متلفز و انا مستعد للمشاركة فيه، لأن مساحة الحوار هنا محدودة جداً. ثانياً؛ انا أرفض من حيث المبدأ مساواة الإسلام بالاستعمار، بل أعتبر قبول المساواة بينهما قابلية للاستعمار وأطروحاته النظرية التي تلعب على الشعوبية، أو القومية بلغة معاصرة! على كل حال لدي النية في نشر ورقة في المستقبل بعنوان "الاستعمار و الاستحمار"! و "الاستحمار" فكرة للدكتور علي شريعتي (قتله السافاك ايام الشاه) وهي مشابهة لفكرة القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي. أما الإسلام و الاستعمار فهما مما لا يقبل المقارنة عندي، و قد تكون إمكانية المقارنة هي الفرضية الخاطئة التي انطلقت أنت منها! وان كنت تعتقد ان فرضيتك صحيحة فاكتب في الموضوع..! لو كان لديك رغبة في الرؤية التي انطلق منها، و الفرضيات/الاشكاليات التي اعالجها انطلاقاً من الرؤية التي أحملها للإسلام فعندك في الأرشيف مجموعة مقالاتي.. تحياتي
ليبي ليبي | 22/07/2017 على الساعة 12:23
ارجوا الرد بصراحة
سؤال للكاتب ، ماذا نسمي بكائنا على ضياع اسبانيا من ايدينا وبقائنا في شمال افريقيا ومحاولة الغاء تقافتهم ولغتهم. هل تم هذا بنفس الاسلوب الذي يستعملة الغرب حاليا. ام ان الموضوع عليهم موش علينا. فماذا نسمي هذه الثقافة
بشير خليل | 22/07/2017 على الساعة 05:44
الاوغاد
انهم يملكون الأدوات لصناعة السيطرة ، المال والسلاح والإعلام , اضافة الى انهم نجحوا فى صناعة الاوغاد الذين يرفضون النظر الى الخلف ويهرولون وهم سكارى الى الامام
غومة | 21/07/2017 على الساعة 17:35
الدين والدولة، الأخلاق والسياسة، مااذ عن الاقتصاد والثقافة...؟
الموضوع ربما جيد للخوض فيه ولكن عندما يستخدم كغطاء لاستمرارية تداخل الدين والدولة، ما أطلقته عليه الأخلاق والسياسة، يصبح ضحل ويفقد أهم عناصره وادواته، والتي انبثقت من الجهة المضادة لما بداءت به! وانه باتباع هذه الطريق، المسدود، تستطيع ما أسميته بالحضارة الاسلامية ان تستعمل أدواتها في هزيمة الحضارة الغربية التي فصلت الأخلاق عن السياسة او الدين عن الدولة! هل من جديد هنا؟ السيف ضد الصاروخ! اولءك الذين لا زالوا ينظرون الى الخلف، لإيجاد حلول للمستقبل، اما لعدم توفر الخيال عندهم او لأغراض اكثر تعتمبة يقترحون مثل تلك الأفكار المجردة والمتجمدة والتي اكل عليها الزمن وشرب؟ منذ ما سمي بعصر النهضة الى الان، من الطهطاوي الى عبدة والأفغاني، ما أجهض تلك الدعوات هي تمسكها بنفس المقترح الذي قدمته تحت عنوان لا ينتمي الى تلك المسيرة على الإطلاق؟ ما قبل- او ما بعد- او الاستقلال، كلها مدارس مبنية على التخلص من الماضي وويلاته وعقده والانطلاق نحو الأفق الفسيح، بدون قيود وسلاسل الكهنة واتباعهم ومناصريهم. شكراً. غومة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل