أهم الأخبار

أزمة (السلطة الرابعة) في ليبيا

إمحمد علي هويسـة | 2017/07/21 على الساعة 11:42

تزداد الأزمة الليبية حدة في غياب الإرادة الوطنية رسمياً وشعبياً للإحتواء ومحاولة إنتاج الحل، وبرغم تعدد المبادرات الدولية التي قد تساعد في خروج البلاد من أزمتها إلا أن مصيرها الرفض لتعنت القوى المتنازعة، والتي تختلف مرجعياتها بإختلاف التركيبة الديمغرافية والأيديولوجية، وبإرتفاع وتيرة الصراع السياسي والعسكري يسير الوضع الليبي نحو مزيد من التأزم والتدهور، فالأزمة السياسية بتعقيداتها تتصدر المشهد منذ مايقارب الأربع سنوات، تليها الأزمة الأمنية التي تزداد تعقيداً كل يوم، والأزمة الإقتصادية الخانقة وتبعاتها التي فاقت كل التوقعات، ثم تبرز أزمة "الإعلام" لتكتمل منظومة الفشل التي تثقل كاهل البلاد. في هذه السطور نتناول دور الإعلام كطرف أصيل في معادلة الأزمة الليبية.

يُعبر عن وسائل الإعلام بـ (السلطة الرابعة) لقوة تأثيرها، ولما لها من أهمية في الرقابة والتوجيه للسلطة الحاكمة، ولأنها تستمد سلطتها من سلطة المجتمع التي تكون مساوية أو أكثر نفوذاً من سلطة الحكومة. والإعلام في دول العالم الحر يعتبر دعامة النظام الديموقراطي، وصمام الأمان لتقويم السلطة التنفيذية أو التشريعية، ورسم الإتجاه والرأي العام لسلطة الدولة. وتعد ليبيا من الدول الحديثة في الديمقراطية، ولقطاع الإعلام الدور الكبير والمؤثر في صياغة المشهد الليبي بالفترة الراهنة، وكغيره من القطاعات فقد تضرر من حالة الفوضى التي تعم البلاد بعد ثورة فبراير 2011م . الثورة التي كان لها الدور الهام في محاولة الإرتقاء بأداء الإعلام الليبي وأعطته دفعة قوية في إتجاه التحرر والتطور، إلا ان المنظومة الإعلامية الليبية لم تفلح في إعادة ترتيب أوراقها وتنظيم نفسها، ولم يكن الأداء المهني للإعلاميين بالمستوى المطلوب ومتماشيا مع طبيعة المرحلة. ثورة فبراير التي كانت الحرية أحد أهم شعاراتها منحت الإعلام الليبي الطموح إلى الحرية والاستقلالية، ولكن حتى هذه اللحظة لم يملك الإعلاميون الليبيون النضج المهني  لمجاراة هذه النقلة الهامة، فأغلب وسائل الإعلام تفتقر للمهنية، ومعايير أخلاقيات الإعلام، ولم تعد تؤمن بالحوار والرأي الآخر، ولاتحترم حق الإختلاف، وإنجرفت وراء طرفي الإنقسام السياسي والمؤسساتي، وأصبحت أبواق مبرمجة يسيرها المال، حيث دأبت على تضخيم الأحداث بأكبر قدر ممكن من دلالاتها الواقعية، فكثرت فيها المعارك الإعلامية التي انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة، والأخطر من ذلك استغلالها كسلاح سياسي بل وأمني أحيانا لتصفية الحسابات بين طرف ضد آخر، وغالباً ماتغض الطرف عن الإنتهاكات الجسيمة التي ترتكب ضد حقوق الإنسان وتقييد الحريات.. والحاصل أن هذه المؤسسات لاتعدو كونها دكاكين إعلامية وظيفتها التسويق لأطراف الصراع.

لم يعد خافياً مستوى الأداء الضعيف للإعلام الليبي وعدم كفاءته في مواكبة التحول الذي شهدته البلاد بعد الثورة، وقد ظهر ذلك جلياً في ماتقدمه من برامج وحملات إعلامية لاتخلو من التحريض، وتعزيز الفرقة، وماتقدمه من أشكال المهاترات والخلافات الشخصية على الشاشات، والمماحكات الإعلامية، في حين تحولت برامجها الى حصص تلقين للجمهور، ومذيعوها أدوات تمارس النفاق الإعلامي المبتذل معتبرين أنفسهم منظرين وقادة سياسيين.. لقد تحولت بعض القنوات المرئية على وجه الخصوص الى آلة مؤدلجة همها الترويج لتوجه سياسي معين، والتطبيل لفرد، أو حزب، أو ميليشيا، أو مدينة.. بدافع المصلحة، وماوصلت إليه البلاد من وضع كارثي على كافة المستويات فإن الإعلام يعد عنصراً أساسياً فيه.  يظل الخطاب الإعلامي الليبي غارقاً في التضليل والمبالغة فيما يستجد من أحداث، ويعاني من ضعف التغطية الإخبارية، وكثافة الإعتماد على مصادر ضعيفة في نقل المعلومة وأحياناً اختلاقها، وتكرار بث التعبيرات المغرقة في التعصب، والإقصاء، والتخوين، وتبني العنف.. وهذا الأمر له إنعكاساته السلبية على الأمن والإستقرار الإجتماعي، وألحق الضرر بجهود مؤسسات المجتمع المدني الداعية للتسامح والمصالحة، ولم شمل الليبيين وتجاوز خلافاتهم مهما كانت أرائهم وتوجهاتهم السياسية.

وعند الإشارة الى التخبط الذي يعانيه قطاع الإعلام في هذه المرحلة، فهذا الأمر لايعني أن الإعلام الليبي كان معياريا ومتسقا مع المعايير الدولية طيلة العقود الماضية ثم حدث النكوص والتراجع، ولكنه يعاني من هذه العيوب منذ حقبة الإستبداد، إبان ثقافة التجهيل والتطبيل التي غرسها نظام القذافي في نفوس بعض المثقفين والإعلاميين، والذين نجحوا بدورهم في تسطيح عقولنا وتفكيرنا، وخلقوا مجتمعاً منغلقاً عن نفسه يعاني من تخلف ثقافي وعلمي كبير، وجمود في الإبتكار والإبداع في مختلف المجالات مقارنة بالمجتمعات الأخرى.

ويمكن إرجاع أسباب الفشل وتدني الأداء المهني للإعلام الليبي لعدة عوامل منها:

1- إنعدام الرقابة من سلطة الدولة على مختلف وسائل الإعلام التي تبث من الداخل أو خارج البلاد، وإخفاق السلطة التشريعية في اصدار قانون ينظم قطاع الإعلام.

2ـ غياب ميثاق الشرف إلإعلامي، وعدم إلتزام المعنيين بالمؤسسات الإعلامية بمدونة السلوك المهني.

3- التغيير المفاجيء الذي حدث في ليبيا بعد الثورة بإنتقال إعلام الدولة المركزي الموجه الى إعلام حر مستقل، وظهور الكم المفرط من وسائل الإعلام التي تفتقر للتأهيل والخبرة.

4- إقبال فئة من أثرياء الحرب، ورجال الأعمال، وبقايا النظام السابق على امتلاك قنوات إعلامية خاصة بهم يستخدمونها لتوجيه الرأي العام في قضايا سياسية معينة خدمة لمصالحهم، وأدي توغل أصحاب المصالح والساعين للسلطة في هذا المجال الى تراجع مؤشر حرية الإعلام عامة، وحرية الصحافة خاصة.

5- غياب نقابة رسمية للإعلاميين يناط بها رعاية العاملين بقطاع الإعلام، وتوفير وسائل الحماية اللازمة لهم من المخاطر المحيطة بهم أثناء تأدية مهامهم.

6- انعدام الحس الوطني لدى العاملين ببعض  المؤسسات الإعلامية، وعدم تحملهم المسئولية بإتباعهم سياسة تضخيم الصراع بدلاً عن التهدئة ومحاولة نشر ثقافة التسامح ونبذ العنف.

ومع استمرار محنة " السلطة الرابعة " في ليبيا وحالة الإنحدار المهني والأخلاقي لبعض المؤسسات الإعلامية.. لايخلو المجال الإعلامي الليبي من مراكز إعلام وطنية تتمتع بالكفاءة والخبرة من قنوات مرئية، وإذاعات مسموعة، وصحف، ومواقع الكترونية، وغيرها حاولت بقدر الإمكان توخى المصداقية والمهنية، والإلتزام بمعايير أخلاقيات الإعلام، وميثاق الشرف الإعلامي، وتعمل جاهدة على عدم الإنجرار وراء الإنقسام والولاءات الأيديولوجية.. وأملنا كبير في الكوادر الوطنية من الإعلاميين لحمل شعلة التصحيح والنهوض بهذا القطاع الحيوي ليقوم بدوره في إعادة بناء الإنسان الليبي وترسيخ مفاهيم المواطنة والحقوق المدنية، والإنتماء، والمسؤولية، وإحترام الآخر، ومعرفة الواجبات والحقوق، ونبذ الفساد، والإبتعاد عن التعصب القبلي والجهوي المقيت، وتوجيه الشباب وتعويدهم على تأدية الواجبات، والتمسك بالحقوق والدفاع عنها بالقانون وليس بالبارود، والمحافظة على قيم ومبادئ  الدين الإسلامي الحنيف، والإبتعاد عن الغلو والتطرف.

حفظ الله ليبيا.

امحمد علي هويسة

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
سعد جبريل | 23/07/2017 على الساعة 09:46
إعلام فبراير امتداد لإعلام القذافي
اشكر الكاتب لتسليطه لضوء على هذا القطاع المهم في هذا التوقيت ... من وجهة نظري المتواضعة الإعلام الحالي اعتبره إمتداد لإعلام القذافي ويتفق معه في عدة نواحي أولها التكرار الممل لمواد اعلامية وأحداث تجاوزها الزمن 2ـ إتباعه اسلوب النفاق الإعلامي والتطبيل لأشخاص كماعهده الليبيون طيلة اربعة عقود 3ـ خلط الاوراق وصناعة ابطال من ورق على شاشات لمرئية على حساب مصلحة لوطن .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل