أهم الأخبار

اجازة في وطني سوريا (4/1)

مهندس هشام نجار | 2017/06/12 على الساعة 19:19

أعزائي القراء… في صيف عام ٢٠٠٦ قررت وزوجتي زيارة وطننا سوريا.قلت لها يا أم لؤي : سنذهب شهراً واحداً للراحه لن نغوص مع الأهل والأقارب في قصص الماضي وحكايات القيل والقال وإن كنت أجزم أنها مازلت حيه ترزق رغم مرور عشرات السنين عليها، وخذي علي عهداً أني لن أناقش في السياسه أحداً لا من قريب ولا من بعيد ولن أتابع قناة إخبارية فضائية كانت أم أرضيه .فهدف زيارتنا هي للإستجمام ولقاء الأحبه وإسترجاع أيام طفولتي وتذكر شقاوتي ومقالبي مصحوبة بفنجان قهوه على الشرفه فهذا هو كل مطلبي.. ووقعتٌ على هذا التعهد بقوة الواثق من نفسه،ورجوتها أن تكون حقيبة سفرنا صغيره.. شوية هدايا للأهل والأصدقاء اما عن أغراضنا ففي سوريا كل شيئ متوفر لتشجيع منتجات البلد وشراؤنا ما نحتاجه من الوطن. وميزة أخرى هي أننا نقلل من إحتكاكنا بأولئك الموظفين في المطار المتربصين بنا فبعضهم يعمل لصالح مخابرات النظام يتلصصونً على كل مغادر وواصل ويتفرّسون في وجوه الجالس والقاعد ومنهم من يعمل لصالح سيده أو أسياده يتقاسموننا كأفراخ الدجاج.. والويل كل الويل لمن لا يدفع..فالنظام بني على هذه السلسله من الفساد شاملة صغار القوم وعليتهم وكلٌ حسب جهده ومنصبه وخدماته وتقربه من الحيتان الكبيره من آل أسد وآل مخلوف وتوابعهما.. فالنظام من قاعدته وحتى قمته مبني اصلاً على ذلك حتى يلتهي الناس بحالهم ويتركوا النظام يلتهي بفساده… وهات يا فساد.

أما أنا أعزائي القراء فكل ما حملته بيدي فكان حقيبة صغيره فيها عدة الحلاقه وفرشاة ومعجون أسنان وبيجامتي وكتاب غير سياسي أتسلى به في الطريق مع أدويه عددها سته محفوظة في اثنا عشر قنينة لها علاقه بالقلب والضغط وتمييع الدم وخفض نسبة الكولوسترول السيئ وآخر لرفع نسبة الكولوسترول الجيد. بإختصار هيك الطبيب بدّو.

غادرنا نيويورك في أواخر شهر تموز/ يوليو من عام ٢٠٠٦ على الخطوط المصريه لنصل عصراً مطار القاهره الدولي منتظرين عملية الربط بالطائره التي ستقلنا لمطار حلب حيث وصلناها عِشاءاً. لا أدري أعزائي القراء لماذا يصاب الإنسان بزيادة بنبضات قلبه مع شعور بالكآبة عندما يدخل مطاراً سورياً،هذه ليست تجربتي فقط بل الكثير من أصدقائي العرب أكدوا لي ذلك..قلت لنفسي ولايهمك ياهشام فأنت اليوم في بلدك وتاريخ جهاد والدك ضد الفرنسيين معروف وكل افراد عائلتي لهم تاريخ مشرف بخدماتهم لهذا البلد الغالي والكل يعرفونك، فهدئ من روعك وتحّكم بدقات قلبك فلا داعي للقلق..الا أن نفسي حدثتني قائلة:يا أبو لؤي أنت تتحدث عن ماضي آخر لايمتٌ لحاضر سوريا بصله..وبضحكة تهكميه على نفسي قلت: "آل  (قال) تاريخ وطني آل… يظهر ياهشام إنت عبتحلم". ثم ضعت حقيبتي الصغيره أمام موظف الجمارك أو المخابرات لا أدري فلقد زرعوا الوطن بهم كالحمّص يخرجون لك بصحوتك ومنامك فقال لي: الأخ منين جايه؟ فقلت له من نيويورك.. قال: الحمد الله عل السلامه..ناولني (الباظابورت) لأشوف . فناولته إياه... تابع قائلاً وين غراضك؟ قلت له:الحقيبه الصغيره اللي أمامك وحقيبة اليد اللي بإيدي. أردف قائلاً: ناولني الشنته اللّي بإيدك..- تفضل.. مد يده فيها وبدأ يخرج زجاجات الدواء الواحده تلو الأخرى ويَصفّها كالعسكر أمامه .ثم بدأ ينادي أصدقاءه  ضاحكاً ساخراً: "شوفوا ياشباب الأخ جايب معو كل صيدليات نيويورك".

قلت له: أخي كلمتين وغطاهم إذا كان ممنوع  احضار الدواء الشخصي وريّني لائحة المنع حتى أرميهم بالزباله وأحجز غداً بالطائره للعوده لعملي في نيويورك،أما إذا كان إحضار الأدويه غيره ممنوعه فلماذا هذه المعالجه! قال الرجل وهوَ شادد ضهرو بالمخابرات: شوف ماهون ممنوعات بس بأدر بشلفون بالزباله إذا رِدتْ ! ثم إلتفت إلى زميله قائلاً يظهر الأخ ما عبفهم؟ هنا زرفت دمعتين على هذا الواقع المر الأليم المشين المخجل الذي حوله هذا النظام الفاشي إلى مافيا وحيتان كبيره قالوا عنه أنه وطن ولم يبق فيه مايمت للوطن بصله لقد حَوَلوه في عهدهم إلى مزرعه.. إلى مسلخ.. إلى مجزره.. لقد قبروا حتى الإنسانيه في مقابر جماعيه ولم يبق لنا سوى الهواء حتى يصادروه من حويصلاتنا كرامتنا سُلبت.. حريتنا سرقت.. حتى أدويتنا يساوموننا عليها وفوق ذلك يخرجوننا بعربات الحكومه ويصفوننا أمام القائد لنصفق لخطبه العصماء حتى تلتهب أكفنا والويل إن لم نصفق… آه ياوطن أنبكيك أم نبكي أنفسنا؟.. ماذا فعلوا بك دعاة الصمود الفاجر.. أربعين عاماً ياوطني انت ونحن في غرفة الإنعاش تارة وفي أقبية المخابرات تارةً أخرى.. غيبوك وغيبونا عن تاريخنا ومنعونا من بناء حاضرنا ويحاولوا ان يحضّروا اليوم مقابر جماعيه لمستقبلنا حتى لا نعد قادرين على التعرف حتى على ذاتنا.

أعزائي القراء… وضعت أدويتي في حقبيتي وقلت له صائحاً امام جموع الناس: لن  أدفع لك قرشاً واحداً وسأعلم الناس كل الناس ان لاتُبتز بعد اليوم.. وحملتُ مع أم لؤي الحقيبتين وغادرنا المطار إلى أقرب سيارة تاكسي وأنا اعتذر من زوجتي على إخلالي ببنود الإتفاق بأن أمنح السياسه إجازه، فلم أستطع فلقد كان النظام بفجوره وفساده متربصٌ بنا من أول ثانية وطأت أقدامنا تراب الوطن فأبى الاّ أن يجرني إليه.. وفي التكسي فتحت قنينة دواء ضغط الدم وإبتلعت واحده ثم أغمضت جفوني بإنتظار أن أصل البيت لأرمي نفسي على أقرب مقعد  وأغط في نوم عميق.

الحلقه الثانيه من قصة "إجازه في وطني سوريا" بعنوان: "آلو… أنا أبو محمد"… فإلى اللقاء.. مع تحياتي…

المهندس هشام نجار
المنسق العام للهيئة السورية للإعمار

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل