أهم الأخبار

قراءة في كتاب "بالبو، حياة فاشستية" (12/10)

غسان عتيقة | 2017/06/04 على الساعة 21:15


 

الهجرة الجماعية نحو ليبيا

بعد زيارة موسوليني الصاخبة لليبيا بحوالي ستة أشهر، كانت الشركات الاستعمارية المخولة بنقل ورعاية المستوطنين من الوطن الام جاهزة لتنفيذ خطة بالبو لمضاعفة اعداد الاسر المهاجرة وتوفير كافة الاحتياجات الاولية للمستوطنين من بذور ومعدات وماشية وتم بناء القرى النموذجية والطرق والقنوات بين الحقول الزراعية. عندما وصلت الاسر المهاجرة لمنازلهم الجديدة وجدوا فيها كل ما يحتاجونه لبدء حياتهم الجديدة. كالعادة، وفرت مشاريع بناء هذه القرى فرص عمل لخمسة الاف عامل مهاجر من إيطاليا وحوالي خمس الاف اخرين من الايطاليين المقيمين في ليبيا بينما كان لليبيين الحصة الأكبر ب 33 ألف عامل نظرا لتدني اجورهم بحوالي الثلث مقارنة بأقرانهم الايطاليين.

وفي إيطاليا تكونت لجنة مكونة من ممثلي الشركات الاستعمارية ومسؤولي الحزب الفاشي والحكومة الاستعمارية وقامت بجولة في جميع انحاء البلاد لإجراء مقابلات شخصية مع العائلات المتقدمة لطلب الهجرة بتوجيهات من بالبو نفسه. لعبت التوجهات السياسية للعائلات المتقدمة دورا ثانويا في اختيارهم حيث كانت هناك عوامل أهم مثل الخلفية الاجتماعية وخبراتهم العملية وحالتهم الصحية وسلوكهم وسمعتهم بصفة عامة. أراد بالبو جلب العائلات عن حسن اختيار واستبعاد من يريدون استغلال هذه الفرصة للكسب مع قليل من الجهد او عبر المعونات الحكومية. تم استثناء أصحاب السوابق الجنائية ومثيري الشغب الذين توصي الشرطة التخلص منهم بإبعادهم الى ليبيا.

قامت لجنة المعاينة والاختيار بدراسة طلبات ستة الاف اسرة وقامت باختيار 1800 اسرة فقط ام ما يقارب الواحد من كل أربعة اشخاص. تجاهلت اللجنة الحلم الوجداني القديم للوطنيين والاستعماريين الايطاليين الذين بشروا ان افريقيا وليبيا على وجه الخصوص قد تصبح متنفسا وملاذا عظيما للفلاحين من الجنوب الايطالي. مع العام 1938 كان حوالي 80 في المئة من العائلات المهاجرة من شمال إيطاليا خصوصا من مقاطعة فينيتو والمناطق المحيطة بمدن بادوفا، فينيسيا، روفيغو وتريفيزو بينما قدمت فيرارا-  مسقط رأس بالبو – 135 عائلة مهاجرة.

أطلق بالبو على المهاجرين "جيش من المشاة الريفيين" وكعادته كرجل استعراضي ادعى المارشال ان خطته عبارة عن "سابقة تاريخية".  خلافا لهجرة جماهير الفلاحين بطرق عشوائية وبكل حرية مع نهاية القرن التاسع عشر. أعلن بالبو عن تحرك " جماهير الفلاحين في تشكيلات متراصة وبتنظيم محكم لتأخذ على عاتقها انجاز اهداف الاستعمار العظيم". والتي قادها شخصيا على نفس الطريقة التي قاد بها رفاقه في مسيرة القمصان السوداء عبر مقاطعة رومانا او تصدره لاسراب الطائرات عبر المحيط الأطلسي.

تم تجميع عربات قطارات محملة بإمدادات الغذاء والدواء والملابس للمحتاجين وتم طلب الكثير من مهود الرضع حيث من المتوقع امتلاء الكثير منها بالمواليد والأطفال اثناء الرحلة نحو ليبيا. صاحبت رحلة الهجرة الة بيروقراطية ضخمة من الموظفين العموميين لتنظيم تحرك الاف المهاجرين بدقة بحيث كان كل رجل وامرأة وطفل مميزين بألوان معينه معلقة على ملابسهم عن الاسر الأخرى لتحديد مكان وصول وإقامة كل عائلة في ليبيا عبر الشركات الاستعمارية ومتابعتهم وعلامهم بتفاصيل مراحل رحلتهم منذ لحظة انطلاقهم من قراهم حتى استلام منازلهم في وطنهم الجديد.

في 27 أكتوبر 1937 وفي عشية الاحتفال بذكرى مسيرة روما بدأ "الجيش الريفي" بالمسير من القرى الجبلية في مقاطعة فينيتو الى البلدات المتربة حول مناطق روفيغو، فيرارا وبادوفا بتجمع العائلات المهاجرة في محطات القطارات وانشد المستعمرين المتجهين لليبيا الأغاني الوطنية الحماسية مع أقاربهم المودعين لهم تخللتها الخطابات والهتافات الحماسية. مع يافطات كتب عليها "نحن شعب الدوتشي" واخرى "نحن الفلاحين الفاشيست نزحف دوما حيث يأمرنا الدوتشي". اختلطت أصوات عويل الأطفال وصلوات القساوسة ووداع الأقارب المختلط بالدموع ونشيد Giovanezza الحماسي مع انطلاق القطارات الممتلئة بالمهاجرين نحو ميناء جنوة حيث تنتظرهم تسع سفن لنقلهم جميعا في قافلة واحدة نحو ليبيا.

 


 

في اليوم الذي قبله 26 أكتوبر طار بالبو من طرابلس الى نابولي للإشراف شخصيا على تجهيز ست سفن لنقل المستوطنين الجدد من المناطق الجنوبية لإيطاليا. ومن نابولي طار الى فيرارا ومن هناك الى جنوة للإشراف على نقل 1.430 اسرة للميناء حيث نظم عدد من المراسم الحماسية الوطنية والدينية وصاحبه تطوع أصحاب السيارات والتاكسيات والحافلات في المدينة لنقل هذه الاسر من اول سبع عشر قطارا في مسيرة ضخمة نحو الميناء. واستمر تحميل السفن حتى يوم الانطلاق يوم 30 أكتوبر.

التحقت السفن المنطلقة من جنوة مع السفن الست الأخرى الراسية في نابولي وكان بالبو على رأس الاسطول على متن العبارة الفخمة "فولكانيا" التي كانت تمتلئ بالحيوية والحماس مع انشغال المارشال التام بعقد المؤتمرات الصحفية والنقاشات مع الصحفيين والحديث مع الركاب الاخرين من المهاجرين.  ولد ثلاثة رضع على متن السفن قبل الإبحار وقام بالبو بتعميد اول طفل والذي تم تسميته " ايتالو فيتوريو بينيتو" تيمنا بأسماء المارشال والملك والدوتشي (اثار ترتيب الاسم المركب للطفل بعض الفضول كل اسم موسوليني كان الأخير).

لم يترك موسوليني نفسه كل هذه الاحتفالية لبالبو وحده. أراد الدوتشي تفقد اسطول السفن قبل الإبحار لطرابلس واختار ان يقوم بذلك على ظهر الطراد "Trieste" مرافقة معه أربع مدمرات ليبحر بجانب الخط الطويل من السفن المصطفة على امتداد 11 ميلا ليلقي التحية الرومانية امام الهتافات الهادرة من ركاب السفن بطريقة أراد بالبو نفسه من رضا الدوتشي من هذه المراسم الاحتفالية الضخمة.

في تلك الليلة التحقت اخر سفينة من ميناء سيراكوز تحمل 130 عائلة لأسطول السفن الذي وصل لطرابلس بعد يومين من الإبحار. قاد بالبو وجيش من مساعديه المستوطنين نحو أراضيهم الموعودة عبر الطريق من الميناء للتجمع في الساحة المقابلة للقلعة التركية لإقامة حفل الاستقبال علق عليها بعض الصحافيين الأجانب بانها كانت أكثر اثارة للإعجاب من الاحتفالات المتكررة في ساحة فينيسيا وسط العاصمة الايطالية. لم يكن هذا الاعجاب الا بمقدار عفوية وتواضع مراسم الاحتفال نفسها. وقفت الاحتفالات فجأة وركعت الحشود للصلاة وقاد رجل دين الجموع في أجواء مختلطة بالدموع كما قال بالبو لاحد اصدقاءه لاحقا.

تدفق الاف العرب مرتديين جلابيب بألوان اشبه بلون الرمال لمشاهدة المراسم الاحتفالية ولم يغفل بالبو وجودهم. عقب الانتهاء من الصلاة، صعد المنبر المشيد تحت حائط القلعة التركية. اتجهت كل الأنظار نحوه والتمثال المشيد قربه والمغطى بالستائر. عند سحب الاقمشة، برز مجسم برونزي للدوتشي على ظهر فرس ويحمل "سيف الإسلام" بيده اليمنى (والتي ترمز لاستلام موسوليني السيف المذكور من اعيان وشيوخ طرابلس خلال زيارته عام 1937 (وفي يده الأخرى وثيقة ترمز لتعهد موسوليني لحماية الليبيين.

 


 

القى بالبو كلمة موجزة استهلها بقوله: "يا شعوب ليبيا، القديمة والجديدة، اليوم هو بداية عهد جديد." وحث المستعمرين للعمل بمزيج من العاطفة والفطنة وهم متوجهين لتطوير أراضيهم الجديدة. وكان عليهم ان يطوروا من أنفسهم "عقليا وروحيا" مع المدارس المسائية الاجبارية في قراهم الاستعمارية مع عزم بالبو محو الامية بين المستوطنين خلال ثلاث سنوات. وفي نفس الخطاب طمئن بالبو الليبيين، مع توجه سبابته نحو تمثال الدوتشي فوق الفرس، بانه سيتم احترام وحماية حقوقهم.

في بقية ذلك اليوم، استمتع المستوطنين الجدد بما تقدمه المدينة من اطعمة ومشروبات مجانية وترفيه. أصبحت طرابلس موقع نزهة او "زردة" هائل. مع هوسه بالسيطرة المحكمة بالتفاصيل الصغيرة امر بالبو بجلب جميع فتيات طرابلس لحضور حفلات الرقص العامة تكريما لعائلات المستعمرين والعمل "مضيفات" للشباب المتواجدين في الحفل. وقاد المارشال سيارته حول المدينة للتأكد ان كل شيء على ما يرام مع "شعبه". لم تكن ردود فعل المستعمرين مستغربة مع ذهولهم بجمال مدينة طرابلس والتي لم يكن ليصدقوها قبل الوصول اليها.

في الرابع من نوفمبر، تم تحميل العائلات في قافلة طويلة من الشاحنات العسكرية نحو مستوطناتهم الجديدة. وكان بالبو في الغالب في استقبالهم شخصيا حتى في اقصى القرى النائية محملا بمجموعه كبيرة من المفاتيح ومناديا بالمستوطنين بالاسم لتسليمهم مزارعهم.

 


 

مع اشادة الكثير من الصحافيين من حول العالم بقدرات بالبو القيادية ونجاحاته المبهرة في تحقيق الحلم الاستعماري الايطالي في ليبيا لواقع ملموس، اثار عدد من الصحافيين الفرنسيين أسئلة كثيرة حول تكاليف هذه الانشطة الاستيطانية كما اثار العديد من الخبراء الزراعيين أسئلة عن قدرة هذه المشاريع الزراعية الاستمرار لو تم حجب الدعم الحكومي عنها ونسب الملح العالية في مياه الري ونقص الأراضي الخصبة فضلا عن التشكيك في فعالية الشركات الاستعمارية الخاصة في تسويق المنتجات الزراعية للمستوطنين أصلا. ماذا عن الليبيين الذين نزحوا من مراعيهم واراضيهم الزراعية البادي عليهم التجهم والغضب رغم اضطرارهم للخضوع للأمر الواقع؟

لم توقف هذه الشكوك الموجة العارمة من الحماس والنشوة الوطنية التي اجتاحت كل إيطاليا قال عنها ارديتو ديسو وهو جيولوجي واستاذ شهير من جامعة ميلانو " أصبح الناس أخيرا مؤمنين بليبيا وفوق هذا قدرات بالبو التنظيمية حيث اثارت هجرة 20 ألف شخص حتى أولئك النائمين والارتياح العام في بانه أصبح لمهاجري إيطاليا أخيرا وطننا لهم "ليبيا". وكتب دبلوماسي إيطالي "ان الاشباح المأساوية للسفن التي نقلت الملايين من مواطنينا لوراء البحار أصبحت مع الان مجرد ذكرى حزينة حيث يستطيع شعبنا اليوم العثور على المأوى والعمل والازدهار في ضل رايتنا وفي اتحاد وثيق مع الوطن الام."

مرة أخرى اثار كل هذا الاطراء حنق موسوليني رغم تهنئته العلنية لبالبو مع كل هذا الضجيج الذي صاحب قوافل الهجرة وامر بتسيير باقي المهاجرين في قوافل متفرقة وأصغر كثيرا من اساطيل بالبو الاستعراضية التي احتجاج المسلمين في شمال أفريقيا والشرق الاوسط.

خرجت التظاهرات في بغداد ضد التهديد الايطالي للأغلبية العربية المطلة على البحر المتوسط وسمحت فرنسا ببث الإذاعات المعادية لإيطاليا من سوريا وشمال افريقيا. في عام 1939 ومع وصول أحدث دفعة من المهاجرين لليبيا لاحظ المقيم العام الفرنسي في تونس قلق المسلمين في تونس على مصير إخوانهم في الدين تحت الحكم الايطالي.

يتبع...

غسان عتيقة

* راجع الحلقات السابقة (رابط)

الفاروق | 06/06/2017 على الساعة 15:52
تقزز
كم تؤسفني الحالة المرضية المزمنة التي عليها المتشدقين بحكاية برقة وطرابلس وفزان .. سرد التاريخ حقيقة قابلة التأويل والنقد ونقض روايات لبعضها لأحداث وهكذا دواليك .. أما أن الحاضر وكما ذكر المعلق .. صناعة الأوطان ثبحث عن رجال وليست أبواق تردد كالببغاوات في خراف زايد .. ليبيا قديما وحاضرها هي وطن لكل الليبيين وأن أرادوا تقسيمها إلي مسميات وأقاليم تم صنعها بأيادي إستعمارية فكيف سيكون مسمي ليبيا .. يعني نصيب من ؟؟ أم سنراكم تطالبون بتقسيم إسم ليبيا أيضا. وفي كل الأحوال ستبقي ليبيا موحدة واحدة غصبا وقهرا علي المتشدقين .. مع العلم بأن الحقد ليس من أجل برقة بقدر ما هو كره للغصب والقهر الذي لن يزول قبل زوال الحاقدين.
ليبي ليبي | 06/06/2017 على الساعة 09:53
الوطن
متى نتعلم نحن من هؤلاء معنى بناء الوطن و الوطنبة.
سليم الرقعي | 05/06/2017 على الساعة 22:39
الحصيلو !؟
بعد التحية عزيزي غسان، ارحب بعودتك للساحة من جديد بعد فترة انقطاع لعلها بسبب دوخة الصيام واشكرك على نقلنا الى اجواء الكتاب موضوع المقالة، ومنذ الحلقة الاولى حتى الآن فإن القارئ المتفحص المدقق سيتأكد ان دولة ليبيا هي اختراع ايطالي بامتياز من خلال دمج القطرين العربيين طرابلس وبرقة بسكانهما في قطر واحد جديد اسمه ليبيا الايطالية، مع سعي الايطاليين الى تغيير الديموغرافيا لهذين القطرين بحيث يتم استيطان العرق الايطالي في هذا القطر الليبي الايطالي الجديد ليكون هو اساس ونخبة السكان، وكان هناك مع هدف استحداث ثورة عمرانية في هذا البلد الايطالي والمستعمرة الجديدة احداث ثورة ريفية زراعية اعتقد انها لو استمرت لكانت غيرت وجه الحياة في ليبيا وجعلت الزراعة مصدر اسايي للاقتصاد الليبي!، الذي حدث انه بسبب نتائج الحرب العالمية الثانية وهزيمة ايطاليا تم اسقاط واجهاض مشروع دولة ليبيا الايطالية وهو مشروع تحديث حضاري واقتصادي ضخم معزز بالاستيطان الايطالي للقطر الليبي الجديد الذي اخترعه الايطاليون، لم تتاح لهذا المشروع استكمال مساره وتسلم سكان طرابلس وبرقة زمام هذا المشروع والنتيجة كما ترى امامك !!!! ، تحياتي
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل