أهم الأخبار

نكسة فبراير... وبعد نكبة سبتمبر... ماذا يلي؟؟

عبد الكافي عبد الحميد | 2015/02/17 على الساعة 19:11

النكبة صنيعة الظروف، النكسة صنيعة أنفسنا، أين تقع فبراير بين الانتفاضات الشعبية في العالم خاصة، والوطن العربي، المصطلح الذي بدأ يغيب تدريجياً عن النصوص الرسمية خاصة، محور مقالنا الجدلي حيث سيركز على موقعنا بين الدول العربية وموقف انتفاضتنا البريئة التي تلطخت بالدماء والفساد وتحولت إلى كتلة من الأعباء لا يتحملها إلا المواطن المنكوب المكتوي بنار تجاهل السلطات الرسمية له إذ هي منغمسة في تقاسم الثروات والمكتسبات الفبرايرية المغرية!!.

ليس من الممكن وبعد أن خبت جذوة نار الثورة وتهاوت المصطلحات الحماسية، أن نشيد بالانتفاضات العربية وقد أفضت بثوارها المخلصين ممن قضو نحبهم وممن لم يفتأوا متمسكين بأهدافهم ومبادئهم السامية التي ثاروا لأجل تحقيقها إلى هذه النتيجة المؤلمة ، بل ليس من المعقول أن نقف في طابور المنتظرين للذكرى السنوية لثورات أكلت ما تبقى من أجسام أوطاننا التي عشش فيها الفساد ونهشتها الاستبدادية والانقلابات العسكرية على مدى عقود مديدة قاسية وأمامنا طوابير عديدة لنقف أمامها: طابور الخبز، البنزين، الغاز والفحم. وتصريف الدولارات في أكثر الأحوال أريحية!!..

يؤسفني أن أنضم أخيراً، في وقت متأخر جداً، إلى ركب المعارضين لمنظومات الثورات العربية التي لا تزال تعمل بالفكرة الانقلابية الهالكة. وذلك بعد ان اعتقدت كغيري من الكتاب والباحثين أن تلك الآراء القصية عن تبني فكرة الانتفاض في وجه  الشمولية والسلطوية ليس أصحابها إلا ممثلين لنخب الرجعية لعهود الأنظمة الهمجية أينما تعطل الدساتير ويتلاعب بمواد القانون في جلسة مريحة واحدة، تكون في قاعة فخمة ومكيفة، مكتظة بأصحاب الملابس الأنيقة تفوح منهم روائح العطور الفرنسية الراقية يعلنون بيعتهم الرسمية لزعيم جديد من الطغاة يتسلق منصة العرش ليكمل ما بدأه أسلافه في إهلاك الأوطان وإرهاب الشعوب.

إلا أنه، وللأسف، صار من المعيب والشاذ أن يكتب كاتب يحترم قراءه متحدثاً عن آمال الإصلاح والنهوض وتحقيق أهداف الثورات، فيحتفي تارة بذكرى ثورة استبدلت له طاغية بمئة، ويبتئس تارة أخرى على سنوات التجريف وصناعة الفجاجة التي يعتقد الكثيرون أنها كانت لها آثارها الجانبية الخطيرة على مستقبل الثورات.

لكي نبدأ في البحث عن أصل المشكل، ولكي نفهم مغزى هذا المقال، علينا أن نسلم بأن ثورات العرب ليست إلا ثورات مخترقة، دون إطالة النظر في التفاصيل التي لا تزال معظم فصولها غيبية أو مغيبة عنا. تحركات شعبية غاضبة تبنى مشروعها مفكرون وإعلاميون ومؤسسات كانت محتلة التراتيب الأولى من حيث الشعبية عربياً حينها، وقادتها أسماء هي في أغلبها مشبوهة أصلت لفكرة الثورة من الخارج، تاركة المعارضين الميدانيين يدفعون ثمناً غالياً للتغيير الذي تاقوا إليه وهيهات أن يدركوه. إن نظرية المؤامرة أصيلة ولا يمكننا إغفالها وإن زاد مفكرو الموالاة للطغاة في حدة وتيرتها بشكل أدعى للسخرية . فكيف يتبنى الموالون للأنظمة الشمولية البائدة من دول خليجية عميلة وحكومات غربية فكرة الثورة على نظام دكتاتوري عميل وتلك الدويلات الخليجية هي أصلاً قطع أراضي تخضع لسطوة الملوك والأمراء، مفلسة ديمقراطياً وذلك من خلال تأسس أنظمة الحكم الشمولي الدكتاتوري المطلق على مساحاتها. بالإضافة إلى ذلك، كانت الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية الخاضعة للهيمنة الأمريكية في حالة شهر عسل متصالحة مع أنظمة التأخر والاستبداد كما حدث بليبيا إذ نشأت علاقات صداقة وتطبيع غير عادية مع الحكومات الغربية والعربية التابعة لها . وفي طرفة عين، يتغير الحال ويتبدل المءال، فتترسخ مداركنا لأقوال تراثية عريقة كـ "دوام الحال من المحال" كي يكتب التاريخ على مشاهد منا ومسامع تداول الأيام وتغاير الأزمان وتقلب الأحوال كما هي الدول تتشكل وتتنقل بين أطوار البناء والتأسيس والذروة وحال الانهيار، وإن لم تكن تلك الحوادث والمجريات التاريخية المتتالية -في الحالة العربية عامة والليبية خاصة- قد وقعت لأسباب وعوامل عادية كضعف الدول والصراع داخل الأسر الحاكمة، إنما لتخطيط مسبق يغدر فيه أصدقاء الأمس أعداء اليوم بالمستهدفين من الحكام الجبابرة العتاة فسرعان ما تسقط أنظمتهم أو تترنح مترافق ذلك الحال بوضع الدولة إذ تنهار أو تترنح بانهيار أو ضعف سلطة أنظمة الحزب الواحد المختزلة كل ما تقوم عليه الدول من المؤسسة العسكرية والقضائية إلى الاقتصاد الذي لا يخصخص بأي شكل . تلك الثورات المصطنعة لم تكن فكرة بريئة ومبادرة جريئة، إنما بنيت على أساس موضة جديدة وفرصة مواتية لتغيير العملاء.

لقد اعتادت عصابات الجريمة المنظمة العالمية التي نقرأ عنها ونشاهدها في الأفلام المتلفزة، الإقبال على تبديل رجالها عند أي فرصة سانحة، لتحقيق أهداف عديدة تختلف بحجم المسؤوليات والمهام وتفاوت مدى خطورة المافيا والأخرى وأهمية وتغلغل تنظيم على حساب الآخر. هذا يتعلق بالمافيات، التي هي ليست إلا أجسام متناهية الصغر إذا ما قورنت بالمنظومة الماسونية وأجهزة الاستخبارات المافياوية التي هي شبكة كبيرة من الأنظمة والتشكيلات التي تعمل ، سواء منفردة أو ككل، على شاكلة نظام عمل المافيات المعهودة وطريقة تفكيرها وتخطيطها للمشروعات الإجرامية المستقبلية.

الانقلابات العسكرية، تلك الموضة القديمة التي سقطت مع مضي السنوات، كأنما فصلت للأوطان والشعوب لترزح وتئن تحت ثقل تسلطها وزيفها وخداعها، قدمت أكثر النماذج تعفناً عن بلد يحكمه كيان عسكري، وإن كان رأس النظام مدني يفصل له العسكر ما يلبس كما هو الوضع في الحالة السورية. انقلابات وأنظمة تعيسة في مجمل التعبير أخرت الدول التي قامت بها عن ركب الدول التي نجت من تغلب العسكر عليها وحافظت على استقرارها وزادت من نموها مقابل ركود السياسة والاقتصاد في أوطان الانقلابات التي هي في الأغلب خطوات غير بريئة -كما الحال في الثورات العربية الحديثة- نظمت لها القوى الإمبريالية لزعزعة تلك الأوطان بشكل انتقائي وتدميرها تدريجياً وخلق حالة من الغضب والحنق الشعبي على الزعماء المتقلدين للمناصب القيادية المسيطرين على مراكز سيادة الدولة مما يدفع في الواقع إلى ثورة شعبية غير منظمة يتمكن اللاعب الرابح -وهو في الغالب لاعب من الخارج- خلالها من التغلغل وسط الثوار الذين يعملون بعنفوانية وعشوائية مجهضاً تلك الثورة ومثنيها عن مسارها التي قامت لتتقدم فيه ، على نقيض الانقلابات المنظمة التي لا يتركز فيها خضم الوقائع وبإمكان قادة العملية الانقلابية العودة بالبلد إلى سابق عهدها في أيام مع عدم إهمال وقوع الضرر الكبير الذي ستخلفه السنوات التالية للانقلاب إن كانت الدولة المعنية قد قطعت فيها مسيرة بناء وإصلاح كما حدث بليبيا وسوريا والعراق قبل الانقلابات الدموية الهمجية التي جرت بها.

بعد أن تحققت الغاية التي نشأت الانقلابات لأجلها، وضاقت الشعوب بحكامهم المستبدين المستعلين ذرعاً، بدأ التخطيط للخطوة التالية والأخيرة وشرع إستراتيجيو المؤامرة في إعداد خطة عملهم لشن الضربة القاضية، بداية الحرب والكراهية الدينية الحديثة والخبيثة، والتي لم تنضب مشاربها الحاقدة ولم يكف الكثير عن تجرع سمومها بعد قرون من نهاية الحروب الصليبية الاعتيادية المباشرة التي كنا نتوقع أن التعايش السلمي والتءاخي الإنساني سيتحقق بعد طينا شعوباً غربية وعربية لصفحات التاريخ الأسود وتعمدنا نسيان آلام قهر الرجال وتغلب الدول. لكن أبت الظروف والنفس البشرية الاستحواذية إلا أن تجد طريقة ووسيلة للحصول على مطامحها، وأصر صناع الجسم الغريب في منطقتنا العربية، على المضي قدماً في صناعة الشرق الأوسط، العبارة التي مرت على بداية ظهورها عشرية كاملة، لتعلن الحرب الغير مباشرة على العرب والعروبة، المسلمين والإسلام، بخلق الفوضى العارمة الدائمة في المنطقة واستبدال الطغاة العملاء بوحوش بشرية متعطشة للدماء فاقت أعمالهم البربرية وجرائمهم الدموية روايات الخيال والحقيقة عن أكثر الشعوب همجية وبربرية ووحشية وتدمير ومُنَاصبة العداء  للحضرية "المغول".

بعد أربع سنوات من تواريخ قيام تلك الانتفاضات الربيعية العربية في جغرافيا وديمغرافيا محدودة كأنها منتقاة بعناية، وفي ظروفها المثيرة للريب، لم يُّتفق على نتيجة مجمع عليها من طرفي النزاع، قوى الرجعية، والقوى الثورية الفعلية، حول هذه الانتفاضات، إلا كونها قد فشلت إن كانت حقاً ثورة، ونجحت إن كانت فعلاً مؤامرة. أنا بطبيعتي إنسان عملي ولا أفضل التنقيب العميق في الوقائع من أبواب المفاهيم والنظريات والسجالات المثارة حولها بشكل واسع، ولا أستخدم المصطلحات التي تستعمل بسهولة، يمكنني الاكتفاء بأن كارثة مضاعفة قد وقعت بفشل الثورة ونجاح المؤامرة إن سلمنا بوقوع ثورة بمفهومها الواضح ووجود مؤامرة بمعناها الحقيقي. إن طبيعتي العملية المذكورة تجعلني أبحث في مدى جدوى هذه الثورات التي ركبتها قوى هي أقصى أن تكون متصفة بالقوى الثورية، على شاكلة قوى وأحزاب وتكتلات الإسلام السياسي وفي مقدمتها قوى الإخوان المسلمين، التي تحتم علي أفعالها ونظرياتها وأساساتها المعوجة الناشئة عليها أن أصفها بالقوى الرجعية إذ لطالما تصالحت مع المستبدين والطغاة لتحقيق مكاسب سياسية والحصول على امتيازات مالية واكتساب مواقع إستراتيجية في منظومة السلطات القائمة آنذاك.

أجمع الموالون للأفكار الثورية الحداثية، والمعارضون لها، على رفض تعبير "ربيع عربي" في الآونة الأخيرة عندما يطلق على هذه الثورات التي لم تحدث في كامل المنطقة العربية كي يعمم اللفظ بمعناه الشامل، ولم تكن في معظمها إلا سلسلة من الكوارث والأزمات والنوائب التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ملامح لربيع فات أو يُنتظر حلوله.

وسواءاً فشلت الثورة، أو نجحت المؤامرة، فقد تحققت الكارثة في كلا الحالين. فنجاح المؤامرة يسر الأعداء، وفشل الثورة يحزننا، لكل شخص مهتم كامل الحرية في الحديث عن المؤامرة والتفصيل فيها خائضاً في روايات قد تكون صحيحة في مجملها، لكن، وعلى أية حال، يبقى المطلع والباحث العملي البعيد عن خلط الأوراق المتخلي عن التعصب السياسي مشدوهاً أمام ما ألحقته تلك الانتفاضات المركوبة من أضرار بليغة بالبلدان الثورية في الأوجه الإستراتيجية، العسكرية والسياسية خلال سنوات قليلة لم نكد ننتهي من عد أيامها لنشرع في تعداد عيوبها وأخطائها وعثراتها وانتكاستها الكارثية المفزعة.

ليس من تشخيص مناسب لهذه الانتفاضات الثورية متوفر إلا ويعتريه اللغط، لا أدري لِمَ لا يظهر على السطح ما هو واقعي ملموس لا يتوجه بالولاء لطرف أو لآخر، وفي بلداننا وبعد تلك الانتفاضات الشعبوية حراك مدني واسع ووتيرة تدوين وكتابة واتصال وإعلام متزايدة بشكل عجيب!!..، هل هذه الانتفاضات انقلابات على مثيل الانقلابات السابقة على الأنظمة الملكية -كما في مصر والعراق وليبيا- حيث قيل أن الشعب أيد تحركات الجيوش وأعطاها الشرعية!!..، أم أنها نصف انقلابات ونصف ثورات لأن بعضها قد اكتسب زخماً عسكرياً كبيراً كما حدث بليبيا وسوريا إذ تسلح فيها الشعب وفرق وأفرع عسكرية انشقت لتبدأ ثورات حمراء لا تزال عواقبها حادة ملهبة المنطقة حتى الآن؟؟.. لقد كانت الإجابة على كل ذلك يسيرة، فلكل بلد من بلدان العرب وقعت فيه حركات شعبية لها ميزاتها وخصائصها التي تساعد على تصنيفها وتحليل كل منها على حدة.

كيف لحادثة حرق شخص لنفسه ذهب بها إلى نار جهنم مع أمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط أن يفجر مقتله  على يد نفسه ثورة أشعلت بدورها ثورات أخرى، كيف لها أن تقدم لنا صورة جيدة ونظرة أمل مُزهِرة لمستقبل مبارك والافتتاحية كانت على هذا الشكل الإباحي!!.. لقد قالها شيخ طاعن في السن تشرب من الزمن وتجاربه يوم قامت، "لا تتوقع خير من غضب رباني على موت مرء أحرق نفسه انتقاماً لها".

الانتفاضة التونسية، نموذج للانقلاب الحديث النادر الوقوع، فيها أرغم الجيش رأس النظام الفاسد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي على التنحي ومغادرة البلاد وتخلى بعدها العسكر عن سلطاتهم مسلمين إياها للسياسيين المحسوبين على الحزب الحاكم قبل تصحيح المسار من فئة شعب مثقفة وراقية تحذر كل الحذر من سرقة انتفاضتها الثورية وكبح جماح شهوة التغيير التي كانت أشواق مشتركة لكل العرب المتطلعين لمستقبل أفضل ينتهي فيه الفساد والاستغلال والرأسمالية ونظام حكم الحزب الواحد والليبرالية الحديثة التي تقاسمت مجتمعة  الأوطان مخلفة شعوباً فقيرة تبحث لنفسها عن صلاحية.

ظل الجيش بعيداً عن المشهد السياسي، حتى تمكنت النخب والحركات السياسية القيادية من تحييد الحركات الرجعية الأسلماوية التي شاركت الأنظمة الاستبدادية تأخير العرب على مدى العقود التسعة الماضية. ظهر جراء تلك المحاولات الإصلاحية نموذج جيد، ولكن لا يستحق أن يحتذى إذا ما بحثنا عن الكمال، لمشهد سياسي مستقر تنظم فيه انتخابات برلمانية ورئاسية تخرج بالبلد  من المراحل الانتقالية المتتالية مع ملاحظة عدم لمسنا لتغييرات جذرية كتلك التي يتوق لها الثوريون الحقيقيون خصوصاً في الجانب الاقتصادي وملف محاربة الفساد.

في النموذج المصري، كانت الحركة الثورية مبادرة، وإن لم تكن سباقة، إلا أن شطارة وتنظيم قيادات الرجعيين الذين تغلغلوا وسط ميادين التحرير في حال من الفوضى وعدم الاصطفاف السياسي وغياب القيادة السياسية الراشدة للحركات والقوى الثورية الحقيقية التي كانت تؤيد الثورة وتتطلع للانفتاح والثقافة والرقي مكنت الأطراف الخبيثة سياسياً من ركب الثورة وإن كانوا يشكلون أقلية بالمقارنة مع الأغلبية التي كانت قد بدأت تتخوف من إمكانية فشل الثورة وتوجيه ضربة موجعة لها على يد قوى الثورة المضادة من متأسلمين وفلول.

وكما كان الحال في الانتفاضة الليبية، خرج للمصريين على المشهد شباب أصابهم الغرور لا يعرفون عن السياسة والقيادة إلا ما يتلقونه عن طريق وسائل الإعلام، لا يكادون يفقهون شيءاً، لا يعرفون لتاريخهم السياسي سيرة قبل 25 يناير، فكان لمرض الغرور وحب اللمعان والبحث عن المكاسب من قبل قيادات الائتلافات الشبابية المتناثرة الغير منظمة فرصة لقوى الرجعية والثورة المضادة لتبني بعض تلك القيادات وإعطائها ما أرادت في أول خراب يصيب الثورة ويهدد استمرارها ونجاحها فحيثما ضُّخَ المال بين الثوار، فسدت الانتفاضة وانحلت وهذه النتيجة انتسخت ولكن بشكل أكثر حدة، في ليبيا حيث كان الإرهاب مضيقاً على الحريات التي لم تكت تتنفس نسائم التحرر والانعتاق حتى تقع فريسة لعمليات الاغتيال والخطف والتهديد، الإرهاب الذي كان سلاحاً وجناحاً عسكرياً يكتسب التغطية من زعمائه وقادته االرئيسيين، السياسيون الأسلماويون الذين كمموا الأفواه، وغيبوا وأقسوْ المعارضين لسياساتهم الاستبدادية الرجعية حتى لا تكتب نهاية لمشروعاتهم وللانتفاضة المركوبة التي لوثتها أعمالهم الخطرة، فلا تكتب نهاية لمشاريع تلك الحركات حتى تحين نهاية لانتفاضة ثورية مؤسفة كانت حق استحالت باطلاً بغضه الثوار الأطهار أنفسهم. فالثورة إن لم تأتي ببديل أفضل من الطغاة، فلا حاجة لها. بل من الأوجب أن نحذر منها أيما حذر. وهنا نتوقف ونرضى بعهود الطغاة حتى يبدلنا الزمن خيراً منهم. هكذا ضربت الشعوب الثائرة بصياط الحقائق المرة وأدبت تأديباً مرغماً للكل أن يعود عن قناعاته، فلا عادت الشعوب العربية المنكوبة في نخبها وقياداتها والمبتلية بعمالة متصدري المشاهد الثورية للقوى الخارجية تعرف ثورة أو انتفاضة إذا كان البديل كوارث ودماء وهلاك بنيوي وأخلاقي مريع.

كما حدث بالوضعية السورية والليبية، والعراقية قبلها، إذ لم يعد هناك اقتناع بإمكانية التخلص من عهد الاستبداد الذي هو وجه من وجوه الاستعمار الذكي إلا ويتحتم التسليم بطلب استعمار جديد هو أنكى وأمر. الحقيقة أن الثورة الليبية وهي ثورة شعبية حقيقية لم تحظى بدعم المؤسسة الأمنية والعسكرية كما كان الحال في الحركتين المصرية والتونسية، فالمؤسسات تلك بمعناها المتعارف عليه أكاديمياً لم تكن موجودة إبان انطلاقة الانتفاضة والهبة الشعبية، باستثناء ما تبقى من كتائب الجيش القليلة التي نجت من مخطط العميل القذافي في تحطيم قوى الجيش الليبي وتشليحه كوادره، والتي كانت تحت إمرة اللواء الركن الشهيد عبد الفتاح يونس الذي أنقذ تلك القوات القليلة وضمها إلى قيادته الحكيمة حيث التحقت بالثورة في أول أيامها.

لم يكن الانتصار على النظام القوي المتحسب لهذه الثورة في وجه طغيانه المتزايد بسيطاً، بل ما كان ليحدث لولا التدخل الخارجي والذي كان بداية الشرخ الذي أصاب الثورة، حيث شرع الكل في صنع الائتلافات والتودد للغرب المهاجم لحليفه السابق وذلك للقضاء على النظام المجرم الذي أفقر الشعب الليبي، وحرم عناصر المعارضة المتغربة عن الوطن الجاهلة بالمتغايرات التي حدثت فيه بعد عقود من سريان الانقلاب، حرمها من التمتع بامتيازات حكم دولة كليبيا، وهذا الذي كان يدفع المعارضين لتبني المعارضة إلا ما ندر ممن ابتعدوا عن المشهد بعد نجاح العمل العسكري ضد العقيد الراحل لمعرفتهم بفشل الثورة منذ البداية واقتناعهم بأن الشخصيات التي تقلدت المناصب السياسية وأعطاهم الشعب الشرعية بعد انتخابات السابع من يوليو سوف لن تحقق شيءاً للبلد غير قيادتها للهلاك التي تعيشه بكل ما يعنيه في الحاضر الأليم.

سوريا وليبيا، حالتين متطابقتين، مع اختلاف نوعي في البدايات، كلا الدولتين لم تنشأ فيها مؤسسات بالمنطق، فلا برلمانات ولا أحزاب ولا جيوش مستقلة عن العائلة المستبدة الحاكمة وأمراء الحرب من أولادها، فلولا التدخل العسكري الغربي الذي أفسد الثورة ولا بد يحدث في الواقع إذا صدقنا في نيتنا إسقاط النظام الليبي البائد، لكان الحال على ماهو عليه في سوريا من انقسام ودمار وخراب وتواجد جيوش ضخمة من الضباع البشرية المتوحشة. لقد أوقعنا الإعلان الدستوري المشؤوم والذي ظهر للعيان بكل شجاعة من صائغيه للفراغ الدستوري الخطير الذي كان بليبيا منذ وقوع الانقلاب، الذي عزز وتغذى بالانقلاب الدستوري الثاني وهو الانقلاب الحقيقي على ثورة فبراير ومبادئها عندما خرجوا علينا في الإعلام الذي وُهَب لهم في جله بمستند دستوري حقير وبائس للإطالة في أمد المرحلة الانتقالية مما يساعد على استمرارهم في تنفيذ مخططاتهم الإفسادية التي ظهرت نتائجها للجميع بعد إفشال عصابة المتأسلمين وأجنحتهم العسكرية الميليشياوية للاستحقاق الانتخابي في 25 يونيو 2014 بإيقاعهم البلاد في هذا المستنقع الخطير، إذ أعِدنا قصراً ورغماً عن أنوفنا إلى المربع الأول، وصرنا نسير بخطىً ثابتة نحو المسار السوري، أو العراقي، وكأنما لم تنتهي الحرب مع القذافي وإنما كانت استراحة محارب لتعود منظومته الاستبدادية للعمل من جديد وبقوة أكبر بعد استراحة قصيرة.

دولة فاشلة، شعب يقاسي كل يوم، أزمات متتالية وضربات كثيرة يتلقاها يومياً، نقص حاد في الدقيق وإمدادات الغاز والبنزين في بلد نفطي، ليس هذا عجيب، فهذا مايحدث في العراق منذ 2003 وهي أغنى الدول بالثروات الطبيعية على الإطلاق. لم يعد لنفطنا وغازنا وبحرنا الطويل الذي يصنفه العلماء كفرع من البحر المتوسط كونه "البحر الليبي" ذات فوائد مرجوة، فالنفط القليل المتبقي نبيعه لنشتري بدلاً منه بنزيناً من اليونان، ولنعالج به أبناءنا الذين يسقطون يومياً على يد الوحوش البشرية التي احتلت بلدنا. إن هذه المآسي المكعبة لا يمكن أن تكون نتيجة ثورة أفادت الشعب الثائر إلا أنها حلحلت مشاكل الركود الاقتصادي وقللت من مخاوف اليونانيين والإسبان والبرتغاليين من إفلاس بلدانهم. دولة الثورة تقع ضحية لاستعمار همجي بربري يستخدم عبارات مهيجة للكراهية الدينية ويعمل على إيجاد بيئة مناسبة للتدخلات الأجنبية لتستعمرنا وتنزع عنا استقلالنا الذي لم يدم أكثر من 18 سنة فقط. إن التزاحم الغربي على حل المشكل الليبي -كما يزعمون- بتدخل عسكري بري لم يحدث في التحالف ضد داعش العراق بعد أن أفسدت بلاد الفرات أشد الإفساد في الغزو الأميركي الغربي لها عام 2003. هي محاولة من المؤكد، أنها ستنجح، وسط هذه الظروف والمعطيات وفي جو التنافس في العمالة وحب السلطة والمال السائد في الوطن وبين أبنائه. إن الحرب الدولية التي بدأت قبل حوالي عام لمحاربة التنظيمات الإرهابية، والذي كان تحالفاً كبيراً عن طريق تسديد ضربات جوية، لم تنجح حتى الآن وبعد كل هذه الفترة وكل هذه المليارات التي صرفتها الشركات الأمريكية في المنطقة -دويلات الخليج أو شركات الخليج بمعنىً أدق- في القضاء على داعش "أطفال الشوارع". لأن هذه الحرب هي أعلنت لتقليم داعش وليس لهدف القضاء على خادم أمين منح الغرب فرصاً ذهبية لإضعاف الدول العربية وإرهاب القادة والقضاء على استقلال بلداننا وحرية اتخاذنا للقرار.

الآن لم نعد نفكر -كليبيين- في المضي قدماً لنلحق بعمان ودبي والرياض، ولكن التحدي الآن أن نعود إلى المربع الأول، وضع دولنا قبل أربع سنوات، أي قبل الحركات الثورية، حتى ولو وصفنا بالرجعية، أين نحن من خروج من هذه الأنفاق التي تهنا فيها.. كيف لنا أن نجد طريقنا نحو الدولة البوليسية إن أراد بعضنا ذلك.. سوف تمنعني اعتقاداتي ومبادئي عن التوق إلى زمن البوليسية، ولكن سأظل، وغيري كثيرون من أصحاب الفكر والرأي، باحثاً عن خروج مشرف من هذه الكتلة من الكوارث التي ألمت بنا. من وجهة نظري، أنا لا أرى خيراً في مجموعة من العساكر بدأوا مسيرتهم بالكذب على الشعب حول موعد نهاية معركة عسكرية أيدنا قيامها من البداية كمعركة تحرير بنغازي، مجموعة تتأخر عن الحسم كما يشاع للضغط بتشكيل مجلس عسكري وتعيين قائد له يجمعون عليه، وإن صحت تلك الشائعات والتخمينات، فإن الشعب هو بالطبع الخاسر الذي لن يربح في كل الأحوال، وعليه أن ينتظر في طوابيره حتى يرتقي أحد المتصارعين العرش وتنتهي الحرب. وأراه أمل مقطوع. ورجاء غير معقول.

إن خروج ليبيا من هذه الكوارث، بأقل خسائر ممكنة، قد يتحقق، على عكس دول كسوريا والعراق واليمن، التي هي فسيفساء من الطوائف والمذاهب المتنوعة في وضع استعداد لتتشظى إلى عشرات الدويلات، وفي تأهب أن تشعل فتيل حربٍ طائفية على مستوى العالم الإسلامي من شأنها أن تفجر الشرق برمته في أكثر الأحوال سوءاً.

ليبيا، لن تعود دولة صالحة، غير فاشلة، إلا بإعادة الأمر إلى ماكان عليه ليلة 31 أغسطس 1969 بما فيه العرش والمملكة والعاصمة والدستور، وإقامة صلح كصلح الحرابي الذي دعى له الملك الصالح الراحل محمد إدريس السنوسي، بين العشائر والقبائل والمناطق المتناحرة، لنقطع الطريق أمام الغرب الذي بدأ يفكر في ابتلاع دولتنا وحلفائه الذين شرعوا في تعبيد الطريق له لشرعنة تدخله في شؤون بلدنا، إن الولايات المتحدة لن تسمح لدولة نفطية كليبيا تتمتع بهذا الموقع الجغرافي الفريد أن تستقر وخصوصاً إن وجدت عملاء يصغون لها ويبيعونها تراب وطننا، لذا وجب إقصاء الفبرايريين عن المشهد لتلوثهم بكير العمالة والولاءات إلى بلدان ما وراء البحار.

الربيع العربي المزعوم كان خيار وفقوس، وهذا وحده يلخص مقالي ويترك القارئ مع لمحة عامة واعتقاد، يمكن تعديله متى أراد، حول الاستفهام عن عدم وصول الربيع العربي ذاك إن كان مجمع ثورات من أجل الديمقراطيات إلى دول كالأردن والمغرب والجزائر ودول الخليج العربي. أم أن الخبز والجوع هو الذي دفع الشعوب الليبية والمصرية والتونسية والسورية واليمنية للانتفاض. إذاً فهل الغرب بريء من التنظيم لهذه الحركات وهل الشعب المغربي والجزائري مستمتع بكامل حقوقه المالية وينعم بالرفاه والرخاء!!.

لن يتكرر هذا الكلام في أي مقال مستقبلي: لن يسمح لمملكة ونظام ملكي أن يقود دولة نفطية، غير شركات الخليج، ولذلك دبرت الانقلابات العسكرية في ليبيا والعراق. دول نفطية، تاريخية وجغرافية عملاقة كالعراق وليبيا، يمسك الخيط بها ملك، ولا يطرأ عليها كل فترة وأخرى أشخاص جدد ترسيخاً للديمقراطية البائسة التي فصلتها لنا القوى الإمبريالية نقيض ديمقراطيتهم المؤسساتية المراقبة. يمكن لمملكة كالعراق وليبيا أن تكون خطراً على المخططات الغربية في حماية الكيان الإسرائيلي وتشليح العرب استقلالهم ومنعهم من التمتع بثرواتهم الطبيعية المتوفرة بأحجام ضخمة في هذين البلدين. أمامنا فرصة كفرصة 1949، لسرقة استقلالنا من الأمم المتحدة والنضال السياسي والعسكري لاستعادة الشرعية الدستورية وانقاذ ليبيا قبل فوات الأوان، عندها نتوحد في وجه داعش الذي يهدد بلداً شاسعة وكتلة بشرية قليلة، غير قادرة على مصارعته في هذا الجو من التطاحن والتناطح. لا قلب لإنسان على هذا الشعب إلا صاحب البيعة الشرعية، ولا طريق لنا إلا العودة إلى الوراء، ليس لأربع سنوات، وإنما لأربعة عقود ونيف، إذا ما أردنا الإصلاح.

عبد الكافي عبد الحميد

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل