مقالات

د. الهادي بوحمره

مقدمة في الهيئة التأسيسية الليبية

أرشيف الكاتب
2016/10/30 على الساعة 15:04

الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور هي أول هيئة تأسيسية منتخبة في تاريخ ليبيا، هذه الهيئة كان عليها التزام بتحقيق نتيجة تتمثل في وضع مشروع دستور يعرض على الشعب للاستفتاء عليه. هذا التكييف لالتزامها يأتي من أن الاعلان الدستوري، الذي انتخبت بناء عليه الهيئة، لم يضع أي احتمال في عدم انجازها للمهمة التي انتخبت من اجلها. ففي حين انه وضع حلا لحالة رفض المشروع في الاستفتاء، فهو لم يضع احتمالية عدم تمكن الهيئة من انجاز عملها. هذا التكييف الذي كان واضحا منذ بداية عمل الهيئة، والذي ظهر بوضوح فهم اعضاء الهيئة له عند وضعهم للائحتها الداخلية، يستبعد بشكل مطلق اي عمل يهدف الي تعطيل عمل الهيئة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن من المسائل التي تتعارض مع هذا التكييف مسألة مقاطعة اعمالها.

فالالتزام بتحقيق نتيجة اوجب توقع انتهاء عضوية أيا من الاعضاء بالإقالة او الاستقالة او الوفاة، واستبعد احتمالية المقاطعة لمخالفتها لالتزام كل الاعضاء بتحقيق نتيجة، حيث لا احتمال في عدم انجاز المهمة، ولا احتمال في عدم عرض المشروع على الاستفتاء. فكل الاحتمال يكمن في عرض المشروع على الاستفتاء وعدم حصوله على ثلثي الاصوات الصحيحة من المقترعين.

ومن خلال ذلك، يسقط قياس مهمة الهيئة التأسيسية بمهمة السلطة تشريعية. وتسقط محاولات مقاربة سبل العمل داخلها بسبل العمل في البرلمانات او المجالس التي اجتمعت فيها صفتا التشريعي والتأسيسي. وبناء على ذلك، كان يجب على كل عضو من اعضائها مواجهة كل التحديات ومناقشة كل التصورات التي قد تكون متعارضة في بناء ليبيا الجديدة، واستنتاج حلول تجتمع عليها غالبية الاعضاء لكي تطرح على الاستفتاء. بمعنى أن القبول بدخول انتخابات الهيئة التأسيسية شكل التزاما على كل عضو بإيجاد الحل، دون اي تحديد مسبق لنوعية هذا الحل. فكما أن لكل عضو أن يطرح ما يراه مناسبا من تصورات، فإن عليه- في المقابل- ان يضع في ذهنه وجوب ايجاد حل مع غالبية أعضاء الهيئة، دون الوقوف عند مسلمات قد لا يراها غيره من الاعضاء من المسلمات. فرفض أي حل تقبله الاغلبية، ينشئ التزاما بإيجاد بديل له يحوز موافقة أغلبية بديلة، لكي تتمكن الهيئة من تحقيق النتيجة التي التزم بها أعضاؤها عن تقدمهم للانتخابات.

من ناحية اخرى، الهيئة التي فوضت بالانتخاب الحر السري المباشر هي الركن الأول للسلطة التأسيسية التي يكتمل ركنها الثاني بالاستفتاء على الدستور من الشعب الليبي. فهي ليست سلطة تشريعية ولا سلطة تنفيذية ولا قضائية وعملها ليس عملا تشريعيا ولا تنفيذيا ولا اداريا ومن باب أولى ليس قضائيا، وإنما  هو عمل تأسيسي، ويجب أن يبنى استنباط احكامه على هذا الاساس. ومن ذلك- على سبيل المثال لا الحصر- انعدام ولاية القضاء الاداري بشأن عمل الهيئة التي انتخبت من أجله. بما في ذلك المسار الاجرائي التي تضعه الهيئة للوصول الي صياغة مشروع الدستور والموافقة عليه والمسائل المتصلة بذلك. مع ملاحظة أن الولاية تأتي قبل الاختصاص. فانعدام الولاية يعنى بالضرورة انعدام الاختصاص، دون أن يعنى عدم الاختصاص عدم الولاية، وأن الحكم الذي تصدره المحكمة في اطار ولايتها وخارج اختصاصها هو حكم مشوب بعيب عدم الاختصاص يقبل الطعن، ويصبح حكما باتا باستعمال طرق الطعن أو باستنفاذها، أما حكمها خارج ولايتها فهو حكم منعدم لا يتطهر من عيوبه مهما طال الزمن، وتتم مواجهته بدفع أمام قاضي الموضوع او بدعوى مبتدأة دون ميعاد محدد.

فكما أن هناك فصلا بين السلطات الثلاث ينظمه الدستور كأساس لاستجابة الدستور لمعايير النظام الديمقراطي الرشيد، هناك -أيضا- فصل سابق له هو الفصل بين السلطات الثلاث من جهة والسلطة التأسيسية من جهة أخرى. ففي مقابل تعدد السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، هناك وحدة السلطة التأسيسية التي تعلو على غيرها من السلطات باعتبارها المنشئة لها. بمعنى أن نظرية الفصل بين السلطات المنظم دستوريا تقود بالضرورة الي نظرية السلطة التأسيسية القادرة على تنظيم السلطات والفصل بينها. ذلك لأن مثل هذا الفصل لا يمكن ادراكه بدون القبول بسلطة أعلى من السلطات التي يفصل بينها. ومن هنا يأتي التمييز بين السلطات المنشأة بالدستور والسلطة التي تنشئ الدستور.

ومن نتائج ذلك، أن اعمال السلطة التأسيسية لا تخضع للسلطة التشريعية، لأن من اعمال الأولى  انشاء الثانية وتنظيمها، ولو خضعت السلطة التأسيسية لما يصدر من السلطة التشريعية من قوانين لانتفى عنها -بالضرورة- وصف التأسيسية، ولوجب نقل الوصف للسلطة التشريعية، باعتبار انها يمكن ان تتحكم في التأسيس بالتعديل في اختصاص السلطة التأسيسية او تقييده بما تصدره من قوانين. وهو أمر لا يستقيم بالمطلق، لأنه لا يمكن لسلطة تنظم بالدستور أن تتحكم فيه. فالدستور هو عمل السلطة التأسيسية وليس عمل السلطات التي يحكمها الدستور. والقول بخضوع السلطة التأسيسية لسلطة سوف تكون من انشائها، ينفى عنها موجبات الاستقلال ومتطلبات التأسيس التي فوضت به مباشرة من قبل الشعب،  وينفى مبرر وجودها، ويحول عملية الانتخاب الحر السري المباشر لأعضائها  إلي مجرد عملية عبثية.

ويقع في هذا الاطار وضع السلطة التأسيسية للائحتها الداخلية، والتي لا يمكن احداث أي مقاربة بينها وبين اللوائح التي تصدر من جهة الادارة، حيث لا يمكن اخضاعها للتدرج الهرمي التي تخضع له هذه اللوائح في المسائل التي تتصل بكيفية اعداد المواد الدستورية. لأن الغاية هي وضع تنظيم دستوري  جديد، والذي لا يمكن -بهذا الوصف- ان يكون مقيدا بما تضعه السلطة التشريعية القائمة مؤقتا من قوانين. ولو كان الأمر غير ذلك  لما صحت تسمية التأسيسية. ولكي يكون الأمر أكثر وضوحا، يجب التمييز بين اللوائح التي تصدرها جهات الادارة بمختلف تصنيفاتها واللائحة التي تصدرها الهيئة التأسيسية. فهذه الأخيرة لا تتقيد الا بالتنظيم الاجرائي المسبق للمسار الدستوري، دون أن تتقيد بأي احكام موضوعية تمس بمسائل دستورية أو بكيفية مناقشتها او تبنيها. انطلاقا من أنه لا تملك أي جهة تقييد هذه المهمة التي فوضت السلطة التأسيسية بإنجازها من الشعب مباشرة.

وبالرجوع إلي الهيئة التأسيسية الليبية، نجد أنها تشكل الركن الأول للسلطة التأسيسية، باعتبارها تضع مشروع دستور وليس دستورا.  فلأنها هيئة منتخبة تضع مشروعا للدستور، فهي تختلف -أولا- عن هيئة منتخبة تضع دستورا، وتتميز -ثانيا- عن أي لجنة لم تنتخب من الشعب تتولى إعداد مشروع دستور. فهي من ناحية فوضت دون غيرها من الشعب بوضع مشروع الدستور، ما يعنى ان مشروع الدستور هو اختصاص حصري لها.  ومن ناحية اخرى، يعتبر عملها عملا تأسيسا لا يكتمل إلا بالموافقة عليه في استفتاء عام. ومن ثم، فإن انطباق وصف السلطة التأسيسية بشأنها لا لبس فيه. ووصفها بالهيئة العامة هو وصف لا يستقيم مع طبيعتها وفق كل المعايير. وهو نتاج لكون القائل به لم يتأقلم مع وجود سلطة تأسيسية منفصلة عن السلطات الثلاث وإنما ظل حبيس الوضع القائم قبل انشائها.

فكما يتبين من حيثيات حكم دائرة القضاء الاداري بمحكمة استئناف البيضاء الصادر في 09/05/2016م، أنه لم يطرح من احتمالات التكييف للهيئة الا ما تكونت عليه مفاهيم القضاة منذ بداية عملهم الي اليوم، لان الفكر الذي وضع الحكم لم يكن قادرا على الخروج من الصندوق الذي رسم خيارات للعقلية القانونية في ليبيا والذي تشكل من بعد دستور ليبيا لسنة 1951م بموجب ما في هذا الصندوق من قوانين وسوابق قضائية. هذا الفكر كان عليه ان يستوعب التحول الذي تم بإيجاد سلطة تأسيسية واحدة مهمتها انشاء بقية السلطات وتنظيمها، وأن هذه السلطة لا يمكن إلا أن تكون واحدة ومنفصلة عن غيرها من السلطات، لكي يكون هناك معنى لوصفها بالتأسيسية. وبما أن تاريخ النظام القانوني الليبي لم يعرف وجود هيئة دستورية منتخبة مباشرة من الشعب، كان من الواجب على القضاة الليبيين دراسة التجارب المقارنة، من أجل فهم الطبيعة القانونية الحقيقية للهيئة التأسيسية وبناء احكامهم وفق ذلك. ومن السوابق القضائية المقارنة التي كان من الممكن الاستعانة بها لفهم أسس التمييز بين السلطة التأسيسية وغيرها من السلطات:

(1) حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية رقم 166/ 34 ق دستورية.
(2) حكم محكمة القضاء الاداري في مصر في الدعوى رقم 72326 لسنة 67ق.
(3) حكم المحكمة الإدارية بتونس رقم 26/2013م تحت عدد 415903.

وبما أن وضع مشروع الدستور هو اختصاص حصري للهيئة فوضت به مباشرة من الشعب، فلا يجوز المساس به او تعديله، وإلا عد ذلك انقلابا على الارادة العامة التي عبر عنها الشعب في انتخاب عام وإفسادا للمسار الدستوري. ومن هنا، فما تضعه الهيئة التأسيسية يجب ان يعرض دون أي مساس به على الشعب في استفتاء عام. ويقتصر دور السلطة التشريعية على اصدار قانون الاستفتاء، الذي هو التزام دستوري وفق نص المادة الثلاثين من الاعلان الدستوري المؤقت وتعديلاته، دون ان يكون لها خيار في ذلك. فما يمكن ان يكون محلا للنقاش داخل السلطة التشريعية ليس اصدار او عدم اصدار قانون الاستفتاء، بل هو مضمون قانون الاستفتاء والخيارات التي يمكن ان تطرح في كيفية بناء احكامه. دون ان يكون لها اي اختصاص في التعقيب على عمل الهيئة او تقييمه، لأن ذلك يعد بمثابة سلب لوصف التأسيسية منها.

مع ملاحظة أن التزام السلطة التشريعية بإصدار قانون الاستفتاء لا يرتبط بإخطار الهيئة التأسيسية لها بإكمال مشروع الدستور وغير معلق على أي شروط مسبقة. وبما أن الاعلان الدستوري حدد موعدا لإجراء الاستفتاء ولم يحدد وقتا لإصدار قانون الاستفتاء، كان من الممكن اصدار قانون الاستفتاء قبل بداية الهيئة لعملها او مع اصدار قانون تنظيم انتخاب الهيئة. فالفرق واضح بين اصدار قانون الاستفتاء واجراء الاستفتاء. وإذا كان الأمر كذلك،  فإن ربط إصدار قانون الاستفتاء بأي إجراء او مسار- أيا كان- هو مخالفة دستورية جسيمة.

د. الهادي بوحمرة

متابع2 | 02/11/2016 على الساعة 17:40
ملامتى
اوافق الكاتب فيما قدمه من تحليل اكاديمى,لكن المشكلة الاساسية تكمن فى ان هذه الهيئة التاسيسية المنتخبة قصرت كثيرا فى تنفيذ التزاماتها .وطالما ان التزاماتها هى التزامات بتحقيق نتيجة ينبغى ان تحقق هذه النتيجة فى الوقت المرسوم لها والا اعتبرت قد اخفقت فى ذلك وما يترتب على ذلك من مسؤولية اتجاه الشعب الطرف الاخر فى العلاقة.كان املنا ان تعد لنا دستورا مناسبا فى زمن معقول لكن هذا الامل قد تلاشى ولا شك ان التاريخ سيسجل هذا الاخفاق .
Ghoma | 30/10/2016 على الساعة 16:20
Acrobatics of Logic Aside the Constituent Assembly Mistook Its Task
You can parse the law and split the atoms of logic but the fact remains the Constituent Assembly misunderstood its role and function. It was not elected to solve present Libyan problems but to find and lay down a set-up for a new beginning. You should have compared them to those who had met in Philadelphia in 1787 to write a constitution for the newly federated 13-colonies; and/or to those in France after the Revolution of 1789. The mistaken task has caused all the squabbling and bickering that ultimately paralyzed and doomed its workings and thus have doomed its results to disappointing failure. The solution is not to hold a referendum but to elect another Assembly with clearer task and well defined function to write a constitution worthy of a modern state in the 21st. century. Thanks. Ghoma
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع