مقالات

د. خالد المبروك الناجح

الكُلّ (ايحشّ لشكارته) والوطن خارج اهتماماتنا

أرشيف الكاتب
2016/10/28 على الساعة 19:30

وجدتُ أنّهُ لا مَناصّ من جلدِ الذات ووضعِ هذا العنوان الصادِم المُعَمِّم المُعبِّر عن واقع حالنا وبالتأكيد هناك الاستثناء الذي يُثبِت القاعدة كما يقولون... لا أودُّ الحديث في هذه المقالة عن حالنا زمن النظام السابق فهو الآن في ذمّةِ التاريخ بكُلِّ ما لَهُ وما علَيه، لكن من الإنصاف القَول بأنّه ترك لنا (بغَضِّ النظر عن الدوافع) أرصدة ماليّة كبيرة في طريقها للاختفاء تمامًا.

صاحَبَ انتفاضة 17 فبراير الوعود والأحلام الورديّة الخادعة أو اللاواقعيّة بأن تُصبح ليبيا في مَصافِّ الدُّوَل المتقدّمة في شتّى المجالات وبأن يكون الحدّ الأدنى للمرتّبات 4000 دينار شهريًّا !، ورافَق نجاحها رجوع (المُناضلين)! الذين قرَّروا بيع (نضالهم لعقود) بمرتّبات خياليّة مع أنّ النضال المزعوم لِمَن كان منهم بالغرب هو إصدار مجلّة شهريّة هزيلة من أربع صفحات من الحجم الصغير تتفوّق عليها أي جريدة حائطية بأيّ مدرسة، وعمليّة فدائيّة يتيمة غُرِّرَ بمَن نفّذها ونحتسبهم عند الله شهداء.

بدأ العبث بالأموال الليبية أيام المجلس الوطني الإنتقالي بصرف مكافآت لثوّار تضاعف عددهم عشرة مرّات أو أكثر ومِن ثَمّ تَمّ التأسيس لثقافة تشكيل الميليشيات المسلّحة بتمويل من الدولة وكانت تلك البداية لما نُعانيه الآن من فوضى أمنيّة وإهدار للمليارات. صَرَف المجلس الانتقالي أيضًا وبدون دراسة مبلغ 2000 دينار لكلّ أسرة  و200 دينار لكل فرد، وألهمَت هذه الفكرة رئيس المؤتمر الوطني لاحقًا للوعد بمنح 5000 دينار لكلّ أسرة في الذكرى الثانية (للتحرير) في محاولة لكسب ودّ الشعب لتمرير أجنداته السياسية لكنه لم يُتَح له التنفيذ حينها.

فرِحنا بأوّلِ عُرس إنتخابي منذ عهد المملكة فكان أوّل قرار لِمَن انتخبناهم (نُخبَتنا) هو إقرار مُرتّبات خياليّة لأنفسهم وإخضاعها لأقساط الضمان الاجتماعي كَي يضمنوا تقاعدًا فلكيًّا في مخالفة صريحة للقانون حيث أنّ ما يتقاضوه هو مكافأة لا تخضع للضمان الاجتماعي. مارَس أعضاء المؤتمر إيثار الذات في كُلّ شيء مِن السياحة الرسميّة إلى حجِّ بيت الله وحتى الإجازة خلال شهر رمضان (للتّهَجُّد حسب قولهم!) والأنكى هو تشكيلهم لجان للبحث عن أرصدة النظام السابق بشتّى الدّوَل ومَنحهم 10% من قيمة ما يجدونه!، وقد حاولتُ التعليق على هذا بما يُناسب فوجدتُ أنّ الصّمت أبلَغ.

عَجّت السفارات الليبية بالخارج بالمُتنفّذين بأعدادٍ لوحضَرَت للسفارات جميعًا لَما استَوعَبَتهم وُقوفًا، والمُرتّبات الفلكيّة لا زالت مُستَمرّة "واللي يكبِّش ما عاد يتنحّى"!، وغير ذلك من العبث الذي يستنزف ميزانيّات وصلت 70 مليار سنويًّا.

لم يكُن اختيارنا للبرلمان أفضل حالًا من المؤتمر بل العكس تمامًا: زاد أعضاء المؤتمر من امتيازاتهم المُجحفة وزاد عبثهم واستهتارهم بمَن انتخَبهم وتغيّبهم بفنادق الخمس نجوم بدول الجوار غير عابئين بالمدّة التي أُنتُخِبوا على أساسها والحُجَّة نفسها كسالفهم هي عدم ترك البلاد في فراغ تشريعي !، وليَهنأوا ما دامت حُجّتهم أنّهم باقون إلى حين انتهاء لجنة صياغة الدستور من مهمّتها التي كان مُقرَّرًا لإنجازها أربعة أشهُر والتي لم ولن تنتهي هي الأُخرى طالما مرتّباتهم وامتيازاتهم فاقت ما يتقاضاه أعضاء مجلس النوّاب، بعدما دغدغ رئيسهم المناضل علي الترهوني! مشاعر الشعب في البداية بأنّهم لن يتقاضوا إلّا معاشاتهم الأصليّة ومكافأة رمزيّة مقدارها دينار واحد شهريًّا نظير العمل بلجنة الدستور!.

وجَبَ التنويه إلى أنّ النفعيّة تقتضي أن ينسى البرلمان ما كان يُردِّده عن " المؤتمر المنتهية ولايته "وبالمقابل ينسى المؤتمر ما كان يُردِّده عن" البرلمان المُنحلّ بحُكم المحكمة " ليولَد اتّفاق الصخيرات ويستمرّ البرلمان في عمله ويستمرُّأيضًا المؤتمر تحت مُسمّى المجلس الأعلى للدولة، وحين حدثت خلخَلةٌ ما، صار المُقترَح أن يُدمَج المؤتمر الوطني مع مجلس النوّاب في مجلس الأُمّة ويُؤخَذ الأكبر سِنًّا في مجلس الشيوخ والأصغر في مجلس النوّاب (يعني بالفلّاقي اللي ايكبِّش ما عاد يطلع وطز في اللي انتخبونا)!.

حتّى جُلّ مَن صَدَّعوا رُؤوسنا وأسموا أنفسهم "مُحلِّلون سياسيّون" إكتشفنا أنّ غرضهم هو عرض بضاعتهم للبَيع إلى أن يتحصّلوا على وظيفة المستشار السياسي لكذا أو المُلحَق الإعلامي بكذا لشراء سكوتهم وضمان تمَلّقهم لتِلك الجهات (الكُلّ ايحشّ لشكارته)!.

يطول الحديث عن قصّة اللي ايحشّ لشكارته لنجدها في كلّ تفاصيل حياتنا اليوميّة، فمسؤولي المصارف يقتسمون الحوّالات مع ميليشيات تُؤَمِّن لهم الحماية، ومسؤولوا الإعتمادات منهم يمنحونها للصوص المال العام ثُمّ يعتمدون أسعار البضائع على أساس السوق الموازية هذا إن جاءت بضائع أصلًا ولم يتمّ جلب حاويات فارغة أو مليئة بالرمل، والبعض يسطو أو يخطف مقابل فدية وهكذا.

المُحصِّلة بدلًا من أن يكون أقل راتب 4000 دينار شهريًّا لم تزِد مرتّباتنا بل نقصت عمليًّا إلى أقلّ من 35 % مِمّا كُنّا نتقاضاه أواخر عهد النظام السابق بحكم تدهور قيمة الدينار، ولم يتمّ إنفاق أيّ مبلغ على استكمال المشروعات التي كانت قائمة قبل 2011 أو تطوير الخدمات بل أصبح  ما كان قائمًا منها يتهَرّى ويتآكَل، وخُلاصة  القَول أنّنا في مُجملنا وبكُلِّ أسف لا نمتلك الحَدّ الأدنى من الوطنيّة ولا أدلُّ على ذلك من مراقبة تصرفات "نُخبتنا" الذين كانوا نتيجة اختيارنا، وأنّ جُلّنا (ايحشّ لشكارته كيف ما ايجي)، والنتيجة صادمة في تقرير البنك الدولي مؤخّرًا بأنّ أكثر من 400000 مواطن ليبي من المُشرّدين وأكثر من مليون وثلاثمائة ألف يفتقدون للأمن الغذائي. السؤال الذي يفرض نفسه : أتُناسِبنا الديموقراطية إذن؟!.

أ. د. خالد المبروك الناجح

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع