مقالات

د. ابراهيم قويدر

رؤية حول السلم الاجتماعي الوطني الليبي (1)

أرشيف الكاتب
2016/10/28 على الساعة 11:17

تمهيد

إن الانشغال ببناء المجتمعات الراقية والمتطورة يعد من أهم الركائز التي اهتمت بها جميع الأمم والشعوب، وإن من أعظم مباني إعمار الأرض، بناء الأفراد في المجتمعات وتنظيم العلاقات الأساسية فيما بينهم، وبناء الروابط التي ترسخ طريق التفاهم من أجل الحفاظ على شبكة العلاقات الإنسانية في المجتمع. وبعد حدوث النكبات بصفة عامة، والحروب بصفة خاصة وما يصاحبها من ارتدادات تؤثر في البناء الاجتماعي وتنخر في عمق النسيج سلكت البشرية طرقًا متعددة لإعادة بناء مجتمعاتها.

وقد عرفت المجتمعات البشرية ظاهرة التعددية الدينية والمذهبية واللغوية والإثنية، حيث لم تعد هناك مجتمعات خالصة تضم أهل دين معين، أو مذهب معين، أو عرق معين أو لغة معينة، وتحولت التعددية إلى قيمة أساسية في المجتمعات المتنوعة، بشريا ودينيا وثقافيا، فأصبحت التعددية في ذاتها لا تعني سوى ظاهرة اجتماعية، ويتوقف الأمر  بشكل أساسي علي إدارة التعددية.

إن هناك إدارة سلمية، تحفظ للجماعات المتنوعة التي تعيش مع بعضها- مساحة للتعبير عن تنوعها في أجواء من الاحترام المتبادل، وهناك تعددية سلبية تقوم على اعتبار التنوع "مصدر ضعف" وليس "مصدر غناء"، ما يستدعي نفي الآخر المختلف، لصالح الجماعات الأكبر عددًا، أو الأكثر سلطة، أو الأوسع ثراء ونفوذًا، وهو ما يؤدي بدوره إلى حروب أثنية، ومذهبية، ودينية، ويخلف وراءه قتلى وجرحى وخراب اقتصادي، والأكثر خطورة ذاكرة تاريخية تتناقلها الأجيال محملة بمشاعر الحقد، وذكريات الكراهية، والرغبة في الانتقام.

ولقد جاء الإسلام ليتمم كل فضيلة لبناء الإنسان ومجتمعه بمنهج متوازن، وقد أمرنا الله تعالى في  كتابه بأن نعتبر من مسيرة الأمم والشعوب وأن نلتمس منها جميعًا ما يفيدنا في المحافظة على مجتمعاتنا الإسلامية والارتقاء بها.

ومن هذا المنطلق جاء اجتهادنا هذا لنحاول فيه تقديم "رؤية لعناصر تنفيذية تحقق لنا السلم الاجتماعي داخل وطننا ليبيا ومجتمعنا الزاخر بالقيم والأعراف الاجتماعية الحاثة على الصلح والتسامح"، محاولين بقدر الإمكان الاستفادة من تجارب الغير-  أمريكا، جنوب أفريقيا، النيبال، الجزائر، لبنان.. وغيرها- دون المساس بطبيعتنا وأصولنا وأنماطنا الاجتماعية الوطنية والظروف الخاصة بنزعاتنا الداخلية. السـلم الاجتماعي:

التعريف:

يُعد السلم في مقدمة القيم الإنسانية الرفيعة، وهناك العديد من الأقوال المتواترة في هذا الخصوص، التي شاعت في أعمال الفلاسفة والباحثين والشعراء والأدباء، وجميعها تمجد السلام، وتجعل منه قيمة أساسية ومحورية في الحياة، ومثله مثل غيره من المفاهيم، يحتاج السلم إلى تعريف محدد، وهو في تصوري يختلف من مكان إلى آخر في التفاصيل، أما التعريف العام فيبقى واحدًا، بمعنى أن عناصر تنفيذ مفاهيم السلم الاجتماعي في جنوب أفريقيا تختلف عن لبنان والسودان، وحتما في ليبيا، حيث إن لنا خصوصيتنا، وبالتالي فسيتم التركيز على المفهوم التفصيلي الملائم لمجتمعنا الليبي.

وكلما زاد العنف والنزاع الداخلي في المجتمع، فإن ذلك حتما سيؤدي إلى إضعاف شبكة العلاقات القائمة بين فئات المجتمع وأطيافه، وهو ما يؤدي إلى تفكيك روابطه وتحويله إلى مجتمع يكرس التخلف ويعمل علي إضعاف جبهة الوطن الداخلية.

والبرهان القاطع يثبت أنه كلما تمكنّا من ترسيخ الانسجام والتعاون ودحر أو تجميد الخلافات بين أطياف المجتمع- يقوى النسيج الاجتماعي وتزداد اللحمة الوطنية  بين الأفراد، وبالتالي يمكننا أن نعرف السلم الاجتماعي المنشود في هذه الورقة بأنه: "توافر سبل تجميد الخلافات والصرعات في المجتمع الليبي دون المساس بالحقوق وتجسيد الاستقرار والأمن الكافل لحقوق الأفراد والمساواة في التعامل طيلة فترة السلم الاجتماعي حتي بناء أركان ومؤسسات الدولة".

إن أهم مقومات السلم الاجتماعي- والتي تعتبر عاملا أساسيا في تكوينه- هو وجود سلطة ونظام يتفق عليه الجميع ليتحمل هذا النظام إدارة شئون المجتمع لتعيش القوى المختلفة تحت سقف هيئة واحدة تلبي الحدود الوسطى أو الأدنى المتفق عليه بين الجميع، وإلا فسيكون البديل هو الاستمرار في الصراعات والفوضى بين الفئات المتقاتلة والمتناحرة سياسيًا وعسكريًا.

العدل والسلم الاجتماعي:

إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: من له الأولوية.. العدل بين الناس، أم تحقيق السلم الاجتماعي بينهم؟!

من خلال السلم الاجتماعي الوطني يمكن حفظ الأنفس، وصيانة الدماء، وإشاعة المحبة والوئام بين أفراد المجتمع على اختلاف عقائدهم وألوانهم وثقافاتهم ونظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لفترة زمنية محددة ليس فيها مساس بالحقوق بل تجميدها حتى ترسيخ السلم وتكوين الدولة. ويتحقق السلم الاجتماعي من خلال إعلاء صوت العقل، واحترام الاختلاف، وتعزيز العيش المشترك، والإقرار بالتنوع، الذي يضمن حريات الإنسان وحقوقه. وحين نفقد السلم الاجتماعي في المجتمع، نفقد الحقوق الأخرى.

وإذا كان البحث أو النضال من أجل العدل، يبرر القتل والعنف والخصومة والكراهية، والاحتراب الداخلي، والتهجير القسري والإفناء المتبادل، فإن البحث عن السلم الاجتماعي، والنضال من أجله، هو بحث عن حق الحياة للناس أجمعين، لأنه ليس هناك مبررات دينية أو إنسانية، تقدم أياً من الحقوق على حق الحياة وكرامة الإنسان، وحق السلم الاجتماعي هو الذي يحفظ الأنفس والأعراض والعقول والمعتقدات، ويحقق الوئام بين الناس.

إن قواعد فقه السلم الاجتماعي، قائمة على أساس أن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وهي قاعدة فقهية أصيلة في الشريعة الإسلامية، ومن هنا، تصبح مسألة إشاعة مفهوم السلم الاجتماعي بين الناس، مدخلاً ناجعاً للعيش المشترك، وتنمية التوافق والمشتركات، ولرفض الحيف والظلم.

فلنتأمل معنى السلم والسلام في صلواتنا وعباداتنا وسلوكنا، باعتبار أن السلام هو ميزان السعادة الإنسانية، وقد ذُكر السلام في القرآن الكريم إحدى وأربعين مرة، وذكرت كلمة "الحرب" ثلاث مرات فقط، أما كلمة السيف، فلم ترد في القرآن الكريم مطلقاً.

وللحديث بقية.......

إبراهيم قــــويدر
www.drigm.com

* راجع الأجزاء بـ (ارشيف الكاتب)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع