مقالات

د. أحمد إبراهيم الفقيه

ما حدث لصديقي الناقد محي الدين صبحي

أرشيف الكاتب
2016/10/27 على الساعة 22:15

لا اعرف شعبا من الشعوب التي زرت بلادها، يقبل على ارتياد المطاعم، ليتناول وجباته فيها اكثر مما يتناول هذه الوجبات داخل البيوت، مثل الشعب الفرنسي، فصناعة الطعام وتقديمه جاهزا للزبائن، في المطاعم والفنادق ربما المنتديات والحدائق، هي بالتأكيد اكثر الصناعات رواجا وازدهارا، وتستقطب اكبر عدد من  الناس، وتستطيع ان تجد المطاعم تحاذي بعضها بعضا في الشارع الواحد، تفوق عدد المتاجر والحوانيت التي تخدم اغراضا اخرى غير بيع الطعام الجاهز، ومع ذلك يمكن ان تفشل في العثور على مقعد شاغر اذا جئتها قاصدا الاستفادة من خدمتها دون حجز مسبق.

ولابد ان هذا الهوس الفرنسي بتناول الأكل خارج البيوت، هو الذي جعل صديقنا الكاتب والناقد الراحل الدكتور محي الدين صبحي، يستجيب لاغراء ان يتحول من مهنة الكتابة الى مهنة اصحاب المطاعم، وان يكون شريكا في ملكية مطعم في باريس، يوظف فيه مدخراته، ويكون بالنسبة له مصدرا لدخل يعفيه من العمل الوظيفي في المجال الصحفي الذي يأكل منه لقمة عيشه، ويتفرغ في مراحل عمره الاخيرة للتأليف والكتابة الادبية.

ولكي اضع الامور في سياقها، لابد من اعطاء القاريء فكرة عن الظرف الذي حصل فيه هذا الاغراء للكاتب السوري  الكبير، بان يتحول الى صاحب مطعم في فرنسا، اذ تلقى عرضا بالدخول في هذه الشراكة اثناء وجوده في مطلع الثمانينيات في فرنسا، على سبيل العمل والاقامة، فقد التقينا مجموعة من الادباء والكتاب العرب، من اقطار عربية مختلفة، تحت مظلة المجلس القومي للثقافة العربية، لتاسيس مجلة الوحدة، المعنية باحياء الفكر القومي وبلورة المشروع الحضاري العربي، وما يتصل به من ابداع ادبي وفني،  التي تقرر ان يكون انطلاقها مؤقتا من باريس، الى حين الاتفاق مع احدى العواصم العربية  لاتخاذها مقرا  تصدر منه المجلة، وكان بعضنا قد وصل الى فرنسا، واقام على سبيل التفرغ، وعلى راس المتفرغين الدكتور محي الدين صبحي، بينما كان بعضنا الآخر يعملون بشكل استشاري، غير متفرغ مثل حالتي انا،  وكانت مجموعة من المطبوعات والدوريات العربية قد انتقلت من بيروت بسبب الحرب الدائرة هناك، الى باريس لمواصلة الصدور، فاتاح ذلك وجود مطابع وشبكة توزيع وبنية تحتية تساعد على اصدار مطبوعة تتوجه الى القاريء العربي في بلاده، وفعلا باشرت مجلة الوحدة الصدور من باريس، بشكل شهري منتظم، واستقر صديقنا محي الدين في فندق قريب من مقر الصحيفة في حي الاوبرا في باريس، هو فندق كوسيه،  وكان في تلك الفترة يعيش بمفرده، دون ان يكون معه احد  من افراد عائلته، ونشات صداقة بينه وبين طباخ عربي في مطعم الفندق، اسمه العربي، فرنسي من اصل تونسي، وكان اخونا العربي رجلا مهذبا، محبا لزبائنه العرب، يسعى لارضائهم، ويعد لهم الوجبات التي يحبونها حتى لو لم تكن موجودة على قائمة الطعام، وكنت شخصيا عند وجودى في الفندق للمشاركة في اجتماعات التحرير، احظى بمعاملة كريمة منه، وكان حلم هذا الطباخ ذي الاصل العربي،  ان يملك مطعما خاصا به في العاصمة الفرنسية، واثقا ان امتلاك مثل هذا المطعم هو اضمن وسيلة لصنع ثروة يؤمّن بها مستوى معيشيا راقيا له ولاسرته، بسبب ما يعرفه من اسرار هذه المهنة، ومن اقبال الناس على مثل هذا المطعم تحت ادارته واشرافه، وفاتح صديقه محي الدين صبحي، في المشروع، يريده ان يكون شريكا له في انجازه، قائلا بانه يملك خطة كاملة لمطعم ناجح، يكون مقره في نفس هذا الحي، حي الاوبرا، وانه يملك عددا هائلا من الزبائن الجاهزين المضمونين، فهو على اتصال بسبب عمله في الفندق، بعدد من الوكالات السياحية، التي تتعاقد مع المطاعم لتقديم وجبات لزبائنها، باسعار مخفضة، وسيكون المطعم تحت ادارته، يعمل بقوة تشغيلية كاملة منذ اول يوم لافتتاحه، وكان تركيز السيد العربي على محي الدين صبحي دون غيره، لانه سمع من صديقه محي الدين انه يملك بيتا اضافيا في دمشق، غير بيته الخاص، حصل عليه من مشروع سكني اقامه اتحاد ادباء الشام لاعضائه، وكان سعيدا باستلام مفتاح البيت الذي سبق ان دفع اقساطه، وصار حرّا في التصرف ببيعه اذا اراد، ليصله ثمنه محولا عن طريق اهل التجارةن الى مكانه في باريس بين سبعين وثمانين الف دولار، وكان صاحبه العربي يبدي استعداده بان يساهم هو ايضا بمبلغ مماثل، وسيتمكنان بمثل هكذا مبلغ من اقتناء مطعم في قلب هذه المنطقة الحيوية التجارية من العاصمة الفرنسية، بكل ما لديها من قوة استقطاب سياحي تفوق أية منطقة اخرى، وتقضى الخطة ان يتم دفع ايجار مقدما لمدة عام او اكثر، لمقر المطعم، ثم تبدأ الأموال تتدفق لتغطية مصاريف العمل اليومي، وجني الفوائد والارباح، واقتنع المرحوم محي الدين صبحي بالفكرة والخطة العملية لتنفيذها، كما رسمها الشريك الخبير بالمهنة واسرارها، وتمكن من بيع البيت واستلام ثمنه في باريس، وكان صديقه العربي جاهزا ليباشر تأجير المكان الذي كان مطعما سابقا، لا صعوبة في تراخيصه واعداده للعمل في اسرع وقت، واستقال من عمله في مطعم الفندق، ليتفرغ لاعمال الديكور وشراء احتياجات المطعم الجديد، واذكر ان المرحوم محي الدين، كان في غاية السعادة وهو يذهب لتفقد المطعم عندما كان تحت الاعداد، واراني اياه في احدى زيارتي الى فرنسا، ولم يكن يبعد غير خطوات عن الفندق الذي نتخذه مكانا لاقامتنا، وحان في تلك الفترة موعد انتقال مجلة الوحدة الى الرباط لتبدأ صدورها من هناك، بعد ان حصلت على ترخيص ودعم من الحكومة المغربية، وانتقل الصديق محي الدين الى مقر عمله الجديد، تاركا لشريكه، اكمال المهمة، ادارة المطعم، الذي كان خلال اشهر قليلة، جاهزا لاستقبال زبائنه،  وكان محي الدين صبحي سعيدا بهذه الاخبار، التي تأتيه تباعا عن تطورات العمل في المطعم، وينظر بأمل وعشم الى المستقبل القريب، الذي يتحرر فيه من ربقة الوظيفة، والكتابة تحت ضغط الحاجة، والإنتقال الى بيت ريفي في ضواحي باريس، يقرأ ويكتب ويستقبل في حسابه المصرفي، دخلا شهريا يضمن له حياة مرفهة له ولاسرته.

الا ان هذه الفرحة انتهت للاسف الشديد الى صدمة شديدة، والامال العريضة وصلت الى طريق مسدود لظروف طارئة وعارضة، لم يكن يتوقعها احد، اذ انني غبت عنه فترة من الزمن، ورجعت للالتقاء به في الرباط، متوقعا ان اجده قد اقترب من تنفيذ حلم الانتقال الى عاصمة النور، حيث اسس لنفسه حياة جديدة هناك، وترك العمل بالمجلة، فاذا بصديقي الضحوك البشوش، يظهر عابسا، حزينا على غير عادته، ليقول لي، وانا اساله عن مشروعه، الذي شهدت بداياته الواعدة المبشرة بالخير والاستقرار المعيشي، وبلهجة تتلون بانفعال اقرب الى البكاء، بانه لا فائدة ابدا، وان هناك قرارا تم إتخاذه في السماوات العلى، بعدم وصوله الى درجة من الثراء والترفيه، تعفيه من الكدح والعناء طوال حياته مثل رقيق الأرض، خادما في مشاريع الآخرين، وتحت إمرتهم وارادتهم، وانه بعد ان ضاع بيته في دمشق، ضاع مشروع المطعم في باريس، ولا عزاء ولا سلوى، لاقتناعه بانه من اهل الشقاء والمعاناة وشظف العيس الى نهاية العمر. ولاول وهلة ظننت انه ذهب ضحية صديقه العربي، وان الرجل الذي ظنه صديقا، يتظاهر امامه بالشرف والأمانة، كشف عن وجه نصاب محتال شرير، فسرق امواله، وجهده، وسجل المطعم باسمه، متنكرا له، مدعيا انه وحده صاحب المطعم. إلا ان الامر لم يكن كذلك، وان شريكه المسمى العربي، خسرهو الآخر امواله، واضاع حلمه، وصرف  ما يقرب من عام من عمره سدى، وانه كان مضطرا لقفل المطعم، واعادة المبنى الى اصحابه، بعد ان تراكمت الخسائر، وقام بتسريح العمال الذين استأجرهم للعمل في المطعم، وباع الى تاجر روبابيكيا القدور والمناضد والكراسي والصحون والملاعق والاكواب والثلاجة والفريز، مقابل بعض المال الذي صرف تعويضا لجزء من الخسائر. وعندما سألته عن سبب الافلاس السريع الذي اصاب مطعما في بداية تشغيله، صار يصب اللعنات على الثوار العرب الذين يرحبون باي إرهابي شرير، تقذف به طرقات العالم،  ويحتضنونه ويتبنون اعماله المسيئة اليهم والى قضيتهم، ويقصد الارهابي الفانزويلي كارلوس، ويلعن الزعماء العرب الذين يمولونه ويعتبرونه ثائرا، وهو مجرد مجرم وقاتل بالفطرة والسليقة، يجري في عروقه دم الإرهاب والتوحش، لأنه وبسبب القبض على رفيقة له، وشريكة في الارهاب ارسلها لتنفيذ احدى التفجيرات، فوقعت في يد الشرطة، قام بحملة تفجيرات في باريس، روعت العاصمة الفرنسية، وافرغتها من سواحها وزوارها، لانه سقط  عدد كبير من الضحايا بسب هذه الاعمال الارهابية، وكان شريكه العربي قد اعتمد في جلب الزبائن للمطعم على المجاميع السياحية، التي الغت حجوزاتها، وعدل اغلبها عن المجيء الى باريس، وطبعا كما اخبرني الدكتور محي الدين، بان مثل هذا الارهاب، بما يتلوه من انقطاع في مجيء السواح، وما ينشا عنه من شلل في الحياة  السياحية، لن ينجلي تاثيره سريعا، وسيأخذ وقتا، لن تستطيع استيعابه والصمود أمامه إلا المؤسسات الراسخة في المجال من مطاعم وفنادق، ولكن مطعما حديث الولادة، مثل مشروعه ومشروع صاحبه العربي، فلا امكانية امامه للصمود والبقاء في وجه ازمة كهذه، ولابد ان يذهب ضحية لها.

لقد توفى صديقنا الباحث والناقد والاديب محي الدين صبحي بعد بضعة اعوام من هذا الحادث، الناتج عن موجة الارهاب الكارلوسية، في باريس، بسبب مضاعافات مرض السكر،  ودفن في مدينة مولده دمشق، ولازلت على يقين بان وفاته في سوريا ليست مقطوعة الصلة بتفجيرات باريس التي سرقت تحويشة عمره وقضت على حلم الاستقلال المادي والاستقرار المعيشي بعيدا عن رق الوظيفة. عليه رضوان الله.

د. احمد ابراهيم الفقيه

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
Ghoma | 29/10/2016 على الساعة 21:32
Jack of All Trades: Invetment Needs Some Acumen Too
Each must stick to what he/she knows best. A writer is a writer not a businessman. Restaurants are well-known to be of high-risk business adventure. If an establishment makes it the first year it has some chances to succeed. Otherwise 9 out of 10 fail in the first year. A restaurant needs more than a cook and service-personnel. It needs also good management. And not any manager but one who knows about food and people's tastes and behavior. Your friend's case happens every day. His investment in a restaurant was very risky. Terrorism may have had a part of its failure but more probably its management was not up to the task. Any restaurant to succeed has to build some local clientele. It cannot let its life depend on tourism only. Besides, restaurants that care for tourists are usually not very good. So here we go! Another sad misadventure. Thanks. Ghoma
م.ب | 29/10/2016 على الساعة 00:20
شكرا دكتور احمد
شكرا للكاتب المتميز صاحب القلم الرائع علي المقال الذي عرفنا بصديقه الكاتب مبدع كتاب الأمة المشلولة وهي حقا كذلك الي ان يأذن الله لها بالشفاء عاجلا غير اجل ، من العجيب ان انه ذكر بين طيات الكتااب أباً حيّان التوحيدي وضجره وتبرمه من شظف العيش ويبدو ان مقالة "رزق الكاتب يمر عبر شق القلم " صحيحة الي حد ما ، كتابه الرائع هذا اجاب عن أسئلة محيرة كنت لا املك الإجابة عنها ، اسأل الله سبحانه ان يغفر لنا وله وان يجعل كتبه وعلمه صدقة جارية له الي يوم القيامة ، شكرا مرة اخري للسيد الكاتب استاذنا الدكتور احمد الفقيه
خالد عطية المحروق | 28/10/2016 على الساعة 22:24
و كان صديقه العربي جاهزا ليباشر تأجير المكان الذي كان مطعما سابقا
من الواضح أن فشل المحاولة ليس له علاقة بكارلوس و لا بأصدقائه من العرب و ذلك لأن المكان كان مطعما سابقا و تركه صاحبه قبل أن يفكر كارلوس في أرسال شريكته لباريس لتقوم بما قامت به.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع