مقالات

سالم قنيبر

المسيح ومن حوله في القرآن والأناجيل... إتفاق واختلاف (4)

أرشيف الكاتب
2016/10/27 على الساعة 06:08

نص القرآن الكريم على الآيات التي جاء بها المسيح عيسى ابن مريم إلى قومه، المتمثلة في القدرات الخارقة التي كان يقوم بها (بإذن الله) من إحياء للموتى وإبراء للمرضى، وبعث للحياة في الجماد، وإنباء عمّا هو غائب عنه. ويكلم الناس وهو في المهد.

وأجمعت الأناجيل الأربعة على تقديم الكثير من القصص عن أعمال يسوع التي أخرج فيها الأرواح النجسة والشياطين.. التي كانت تسكن المرضى من الناس.. وتصيبهم بالجنون والصرع ومختلف أنواع ما يستعصي على العلاج.

وهو يحي الموتى.. يذكر لوقا.. في المدينة التي تدعى(نابين).. أنه بينما كان يسوع مع جمع من تلاميذه يقتربون من باب المدينة شاهد جنازة ميت وحيد لأمه التي كانت تتبعه باكية حزينة،... فلما رآها (الرب) أي يسوع رق قلبه لها وتقدم فلمس النعش قائلا (أيها الشاب لك أقول قم). فقام الميت في الحال. (لوقا 7/11ـ16)

وكذلك فعل مع الصبية ابنة يايرس رئيس المجمع التي أقامها من الموت. (لوقا 8/40ـ55)

وقصة أليعازر.. شقيق مريم ومرثا.. المقربتين من يسوع.. الذين هم من بيت عنيا.. الذي أقامه المسيح من القبر بعد أربعة أيام من موته قدمت بتفاصيلها في موضع آخر من المتابعة لسيرة المسيح. كما وردت في سفر يوحنا (11/1ـ44)

"لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا"... وذلك ما تم ذكره عن العديد من الوقائع التي أخبرت "بالآيات التي كان يصنعها في المرضى".... فكان يطوف بمختلف أنحاء البلاد يشفي كل مرض وكل ضعف، وانتشر خبره في جميع سورية، وكانت الجموع تتوافد عليه أينما حل وبرفقتهم المصابون بالأمراض المختلفة، فكانت آيات الشفاء تحل عليهم.

"ولما نزل من الجبل تبعه جموع كثيرة وإذا أبرص قد جاء وسجد له قائلا يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني. فمد يسوع يده ولمسه قائلا أريد فاطَّهر، وللوقت طهر برصه". (متى 8/1ـ3)

وذلك بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس،... الذي كان يستعطي على قارعة الطريق في أريحا، أخذ يصرخ عندما شاهد يسوع مارا مع جمع من تلاميذه "يا يسوع ابن داود ارحمني"... وعندما قال له يسوع "اذهب إيمانك قد شفاك" أبصر في الحال"... (مرقس 10/46ـ52)

وأعمى آخر شفاه يسوع ولكن بطريقة أخرى،. . وكان ذلك الإنسان أعمى منذ ولادته،.. يقول يوحنا صاحب الرواية.. بأن يسوع "تفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عين الأعمى وقال له اذهب واغتسل في بركة سلوام الذي تفسيره مرسل فمضى واغتسل وأتى بصيرا."... (يوحنا 9/1ـ 8)

وتلك المرأة التي كانت مصابة بنزيف مزمن لم ينجح الأطباء في شفائها، جاءت إلى يسوع ولمست ثوبه... "لأنهـــا قالت إن مسـسـت ثوبه شفيت"… فللوقت توقف نزيف دمها وتماثلت للشفاء. (مرقس 5/25ـ43)

هذه المشاهد للآيات التي قام بها يسوع من إعادة الحياة للموتى، وشفاء لأسقام المرضى، وإخراج للشياطين والأرواح الشريرة من أجسام للناس اتخذتها للسكنى... يستعاد ذكرها للمقارنة بما جاء عن مثيلاتها في القرآن.

في سورة آل عمران، وبعد أن بشرت الملائكة مريم بحملها للمسيح، تبلغها بما سيكون عليه في مستقبل حياته "وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين".. ويرتبط ذكر رسالة المسيح إلى بني إسرائيل بالآيات المعجزة التي ستتحقق على يديه {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأُحيِ الموتى بإذن الله وأُنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لأَيةً لكم إن كنتم مؤمنين} (آل عمران49). ويتحقق ما بَشَّرت به الملائكة مريم وما أخبرتها عما سيكون عليه ابنها وما كُلِّف به وما صاحب تبليغ رسالته من قدرات خارقة اختصَّه الله بها {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أَيَّدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تُخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إنْ هذا إِلاَّ سحر مبين} (المائدةـ110). بإذن من الله كان المسيح ابن مريم يحقق المعجز من الآيات، التي اتفق بعضها مع ما ورد في الأناجيل، وأختلف منها الكثير، وبينما لم تتطرق الأناجيل إلى مخاطبة المسيح لقومه عند ولادته، كذلك تشكيل الطير من الطين وبعث الحياة فيه. أو الإخبار عما يوجد ببيوتهم وما يدَّخرونه فيها. فإننا لا نجد في القرآن ما يشير إلى الشيطان أو الأرواح النجسة التي كانت تقيم بأجساد المرضى وتصيبهم بمختلف أنواع العلل والجنون أو الصرع، تلك الظاهرة التي تناولتها الأناجيل باتساع وأبرزتها ضمن من قام يسوع بشفائهم ممن كانوا يعانون من الآلام المبرحة والأوجاع المائدة والعشاء الأخــــير.

تناولت الأناجيل الأربعة العشاء الأخير الذي تناوله يسوع مع تلاميذه ليلة عيد الفصح في أورشليم. وسجلت ما دار فيه من أحاديث ووصايا  وما قام به يسوع في تلك الليلة عقب العشاء من أعمال، تحولت إلى طقوس تؤدى ومناسك تحظى بالقداسة وتمجد ذكراها في كل عام.

وكان يسوع قد توجه مع تلاميذه من الجليل إلى أورشليم قبل الفصح، وأخبرهم وهو في الطريق عما سيتعرض له من التعذيب والإهانة وحكم الموت الذي ينتظره من قبل رؤساء الكهنة والكتبة. وأقام في بيت عنيا بجبل الزيتون، بينما أخذ يتردد على الهيكل يعلم ويحاور وينتقد القائمين على شئون الدين اليهودي من فريسيين وكتبة وكهنة ومعلمين وشيوخ. مما عرضه لنقمتهم ودفعهم للتآمر عليه.

وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح يقول مرقس قال له تلاميذه أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح "فأرسل اثنين من تلاميذه وقال لهما اذهبا إلى المدينة فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء. اتبعاه. وحيثما يدخل فقولا لرب البيت أن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي. فهو يريكما عِلِّية كبيرة مفروشة معدة هناك أَعِدَّا لنا. فخرج تلاميذه وأتيا إلى المدينة ووجدا كما قل لهما فأَعَدَّا الفصح". (مرقس 14/12ـ16)

 وفي المساء كان الطعام قد أعد واجتمع في العِلِّية يسوع وتلاميذه "وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم. لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. وأقول لكم من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت أبي". (مَتَّى 26ـ29)

ويختص يوحنا بذكر حدث ذلك التقليد اللاهوتي الممارس إقتداء بما قام به يسوع أثناء العشاء الأخير،... فيذكر أنه "قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة وأتَّزر بها... ثم صبَّ ماءً في مِغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان مؤتزرا بها".. وعندما اعترض بطرس على ذلك. قال له يسوع "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب"... وبعد أن قام بغسل أرجلهم أفهمهم المعنى الذي من أجله قام بذلك "فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأني أعطيتكم مثالا حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضا. الحقَّ الحقَّ أقول لكم أنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه". (يوحنا 13/4-17)

الحواريون في القرآن هم أنصار المسيح وأتباعه والمؤمنون بما أنزل عليه... يقول الله تعالى بشأنهم {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون} (المائدة 111).. وهم تلاميذ يسوع الإثنى عشر الذين اختارهم المسيح للمشاركة في حمل عبء الرسالة معه في حياته وبعد وفاته. ومن بينهم يهوذا الأسخريوطي الذين قام بتسليمه لطالبيه من اليهود.

ويأتي ذكر المائدة، التي أنزلها الله على المسيح عيسى ابن مريم استجابة لدعائه، في سورة المائدة، بعد أن قام بطلبها الحواريون لتثبيت الإيمان واطمئنان القلوب. يقول تعالى {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن يُنَزِّل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين. قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بَعْدُ منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين}. (المائدة 112-115)

العشاء الذي اشتهى يسوع أن يأكله مع تلاميذه ليلة الفصح وتم الإعداد له بتوجيه منه غامض إلى مكانه،  وما أصبح لذكرى هذا الحدث من الشأن الكبير في مستقبل الديانة المسيحية بعد المسيح. والمائدة التي جاء ذكرها في القرآن، وما تضمنه دعاء المسيح بأن "تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا". إشارة  يمكن التوجه بها إلى استدلال تقارب  دون إغفال ما ورد في النصوص عنهما من تباعد.

يتبع…..

سالم قنيبر
بنغازي الخميس 27 أكتوبر 2016

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع