مقالات

يونس شعبان الفنادي

مفهومُ ومقوماتُ الوحدةِ الوطنية (3/3)

أرشيف الكاتب
2016/10/01 على الساعة 07:15

العوامل المؤثرة في الوحدة الوطنية

أولاً: العوامل الايجابية

المقصود بالعوامل الايجابية هي تلك العناصر التي يمكن بها تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ مفهومها وتجذير مقوماتها بين أفراد الشعب بشتى الوسائل والإمكانيات سواء الوجدانية أو المادية. ولا يتسع المجال هنا للخوض فيها بالتفصيل الدقيق ولكن يمكن سردها بشكل مبسط، حيث أن أبرزها هو النظام السياسي القوي الذي يوطن الحرية والعدالة والمساواة بين أفراد الشعب وفرص العمل المتكافئة وتوفير الخدمات. كما أن العقيدة الدينية الوسطية السمحاء التي تنبذ التطرف والتشدد والانجرار إلى السياقات المذهبية المتعارضة ركن أساسي في هذه العوامل. وكذلك الإعلام المسئول الذي ينحاز للوطن دون غيره، ويبتعد عن السقوط في براثن التجاذبات السياسية والصراعات الحزبية، ويتجنب الخطاب المناطقي والقبلي والجهوي، وينبذ خطاب العنف والكراهية هو ركن أساسي في تعزيز الوحدة الوطنية. إلى جانب كل ذلك تأتي الموارد والمصالح الاقتصادية الوطنية المشتركة لتوفر الدعم المطلوب تسخيره لتعزيز الوحدة الوطنية بالتوزيع العادل لفرص العمل وبرامج التنمية بين كل المدن والمناطق بما يخدم أبناء الوطن كافة. ويبرز عنصر مهم من العناصر الايجابية لتعزيز الوحدة الوطنية وهو عنصر التعليم والتربية الوطنية من خلال المناهج الدراسية والمناشط الشبابية كافة وذلك لما لها من أهمية قصوى في خلق ترابط اجتماعي ورياضي بين أبناء الوطن الواحد في كل ربوعه وغرس تلك البذور الشبابية الأولى بمحبة الوطن والولاء له دون غيره. وفي هذا الجانب يؤكد عالم الاجتماع تشارلز تايلر «Taylor»، على ضرورة إثراء المناهج الدراسية بالثقافة الوطنية، ليعرف الأبناء تاريخ بلادهم.. حيث يرى أن نقطة البداية في تعزيز الهوية الوطنية، تبدأ بغرس القيم نظراً لتأثيرها على سلوك الناشئة. وكذا ينظر إلى القيم الاجتماعية والدينية والأخلاقية، باعتبارها الأساس الذي تتمدد معه وبه شخصية الفرد.

لا شك إن غرس القيم والأحداث والمناسبات الوطنية في نفوس الناشئة يعتبر من أهم العوامل الداعمة لتعزيز الإحساس بالانتماء للوطن وتحصين الوحدة الوطنية، ومن هنا لا بد من تضمينها المناهج التعليمية حسب مستويات كل مرحلة تعليمية.

ثانياً: العوامل السلبية

العوامل السلبية وهي المقصود بها العناصر أو التداعيات التي تقوض أو تهدد بنيان الوحدة الوطنية والسعي إلى تمزيق البلاد وتدمير نسيجها الاجتماعي، وإهدار مقدراتها ومواردها الاقتصادية. ومن أبرز هذه العوامل هي ضعف النظام السياسي وما يتخلله من فساد ورشوة ومحسوبية ومحاصصة جهوية، وغياب العدالة الإدارية في توزيع المؤسسات وبرامج التنمية المكانية بين مدن ومناطق البلاد، وتفشي المركزية في إنجاز الإجراءات الإدارية، والبيروقراطية التي تكرس الظلم والتذمر والبغض والكراهية لمنطقة على حساب أخرى مما يهيء النفوس البشرية والظروف المادية للنزاعات الجهوية وإشعال فتيل وشرارة الحروب المناطقية والقبلية التي تجد فيها صراعات الأيديولوجية الحزبية والمطامع والمصالح الخارجية فرصاً وملاذاً لتمرير برامجها ومناصرة فئة أو مدينة أو قبيلة ضد أخرى، مما يعمل على إطالة أمد هذه الحروب حتى تقضي على الوحدة الوطنية والبلاد بأسرها.

إن تكرار سيناريو هذه العوامل السلبية، كثيراً ما تستنسخها دورات التاريخ المتعاقبة عبر تقلباتها، فنجدها تظهر ذات فترة معينة ثم تخمد لتتفجر من جديد وهكذا، وبالتالي فإنه لا يمكن الوثوق والإطمئنان على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الوطن ما لم تتعزز روح الوحدة الوطنية، أولاً كقيمة سامية يفخر بها أفراد الوطن بجميع شرائحه ومكوناته، وثانياً كمشروع تنموي خدمي يوفر للمواطنين على امتداد تراب الوطن واتساع رقعته الجغرافية رغد العيش وكرامة الحياة، ولابد أن تتحصن هذه الوحدة الوطنية بالوعي والإدراك لخطورة ما يحاك من مخططات وتهديدات داخلية وخارجية تتكرر وتتلون عبر الزمن، مثل التطرف الديني، وإثارة الحساسيات الجهوية والقبلية بين أفراد الوطن الواحد، والمحاصصة السياسية، والسيطرة القبلية على الموارد الاقتصادية وغيرها.

إن الوعي بأهمية الوحدة الوطنية والإحساس بالسياسات التي تهدد كيان الوطن صار واجباً حتمياً علينا جميعاً سواء بما تجره علينا العلوم التطبيقية من مبتكرات وتقنيات حديثة أو بعض القضايا الملغمة المريبة التي صارت تتشابك في حيثياتها وغموض أبعادها ومراميها والتي من بينها تهديد ظاهرة التغير المناخي الذي وفق بعض تصوراته سيؤدي إلى العديد من الهجرات البشرية الجماعية والتغيرات البنيوية الاجتماعية المترتبة عنها، والتي بدورها ستقود إلى تغيير ديموغرافي وسياسي ينتج عنه تأسيس دول وأوطان جديدة، ومنحها الشرعية الدولية على حساب تفكيك وتقسيم وتمزيق الكثير من البلدان والأوطان القائمة حالياً.. ولنا في التاريخ الكثير من الدروس والعبر والسير عن إبادة دول عتيدة وظهور قوميات وأمم ودول جديدة تتماشى مع المتغيرات العالمية، لذلك يجب أن ننتبه إلى كل السياسات المريبة التي قد تجر الوطن إلى تصدع الوحدة الوطنية ومن ثم تمزيقها وتقسيم الوطن إلى أوطان ودويلات، والعمل بالتالي بكل جدية على التصدي لها ووئد فتتنها الظاهرة والباطنة، قبل أن تشعل نيران الحرائق التي تقوض بنيان الوحدة الوطنية وتدمر الوطن بأكمله.

خاتمة:

إن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان لأي مجتمع لأنها مصدر قوته وإزدهاره ورقيه وتقدمه الذي يتجسد من خلال تلاحم الشعب بجميع أطيافه لتوطين قيم الخير والمحبة والاعتزاز بالوطن الهوية والانتماء.. بالوطن المكلل بالمجد والفخر والتاريخ العريق، وكذلك بالآمال والطموحات العظام المرسومة لمستقبل أكثر إشراقاً وبهاء وحضوراً بين كل الأمم... ومن ثم العمل الحثيث والسعي والتفاني والإبداع بكل الطاقات البشرية واستثمارها من أجل سمو الوطن ورفعته بين الأمم والأوطان كافة.

وتعزيز الوحدة الوطنية يجب أن يبدأ من مراحل مبكرة في الحياة التربوية التي تتأسس بتأهيل النشء على حب الوطن والعمل على رقيه وازدهاره من خلال التفوق العلمي والتنافس الشبابي الرياضي والاجتماعي وانتشاره في كل مدن الوطن على امتداد الجغرافية الشاسعة، ورفع رايات الوطن في المحافل الدولية والظهور بمستوى متحضر في جميع المناسبات. كما أن تنشيط الذاكرة الفردية والجماعية باحياء المناسبات الوطنية وتوارث سير أعلام وشخصيات الوطن التي قدمت العديد من الاسهامات عبر مسيراته المختلفة هو عمل بالتأكيد يمثل الوفاء الوطني وزرع روح المحاكاة والاحتذاء بتلك الشخصيات الوطنية الرائدة.

وبلادنا الحبيبة ليبيا هي بلا شك ولادة للنجباء والرواد والأوفياء الذين سطورا تاريخاً وطنياً مجيداً من أمثال بشير السعداوي وعمر فائق شنيب وأحمد سيف النصر وغيرهم، الذين سيظلون قناديل مضيئة في ذاكرة الوطن تشع أنوارها وتبرز مواقفها على مر العصور كنماذج للوحدة الوطنية في أبهى صورها، فتتوارى خلفها العديد من الصور الباهتة والمواقف المريبة، لا لشيء إلا الايمان والوثوق المطلق والأكيد بأن المجد والبقاء دائماً هو لمن يضحون من أجل الوطن لا للذين يخذلونه.

يونس شعبان الفنادي
[email protected]

* سبق نشر الحلقات بصحيفة (فسانيا)… راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب).

* جزء من ورقة أعدت لتقديمها في لقاء "الوحدة الوطنية" بمكتب الدكتور عبدالرحيم الكيب رئيس وزراء ليبيا الأسبق بتاريخ 2 أغسطس 2016 بطرابلس.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
البهلول | 03/10/2016 على الساعة 21:04
ما احوجنا إلى الوحدة
لاشك ان الوحدة قوة ومن خلى عنها هان وخارت قواه وضعف امام الاعداء بالوحدة الوطنية نحموا بلادنا من طمع الطامعين ونصون كرامتنا فمن خرج من احضان الوحدة الوطنية ، اصبح ظهره مكشوف وفقد نصيرا وتكالبت عليه الضباع من كل جانب حافظوا على الوحدة الوطنية وتماسكوا بقوة لان في الوحدة قوة للجماعة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في الجحيم علينا ان نعمل ليل بنهار حتى نلم شملنا الذي تمزق بسبب هذه الفبراير اللعينة التى لم تخرج علينا الا بالمآسى والاحزان علينا ان نتركها وراء ظهورنا ونبحث عن اخوتنا ونحقق وحدة الوطنية بكل مكوناتنا الثقافية والعرقية فالاسلام يجمعنا وطلما جمعنا قرون فلماذا الفرقة والضياع حتى اصبحنا مثل الايتام على موائد اللائام .
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع