مقالات

سالم الكبتي

رشاد الهونى… رحيل الى المستقبل

أرشيف الكاتب
2016/09/30 على الساعة 16:37

فجر الثانى من اكتوبر 1993 انطفاْ قلب رجل اسمه رشاد الهونى. كان الصبح يقارب على التنفس. توقفت رحلة قامة وطنية كبيرة وموهبة اْصيلة وتجربة مليئة بالحركة والحياة تجلت فيها على الدوام صورة رشاد الانسان. المثقف والكاتب. الصحقفى الذى اْجاد اْصول مهنته. الصديق للجميع.

رحلة طويلة بداْت عام 1937 قطعها الرجل بلا توقف وبكثير من الحب والمعاناة وكان خلالها يرنو بكل ثقة وصبر الى المستقبل دائما. بداْ حياته الادبية شاعرا. قصائد ومقطوعات جميلة بعضها تغنى به مطربون ومطربات من ليبيا والوطن العربى ثم وجد نفسه فى القصة القصيرة. شغف بها ونال جوائز عن بعضها ثم اْخذته المقالة منهما وصار من اْكبر كتابها اْسلوبا وعرضا وطرحا للموضوعات والقضايا المهمة على المستويين المحلى والخارجى.

ثانى قصصه كتبها ونشرها اْواخر عام 1961. كان عنوانها (رحلة الى المستقبل). فى اكتوبر من ذلك العام صدرت ليبيا اول شحنات البترول الى العالم. القصة صورت ببساطة حياة وواقع مجموعة من العمال خلال وجودهم فى البريقة (الميناء الذى انطلق منه التصدير) داخل خيمة اقامتهم فى معسكر العمال بعد انتهاء ساعات العمل. يتحدثون ويتسامرون اخر الليل حول موقد النار والشاى.. ويحلمون بالغد الماْمول. مصباح وزملائه فى تلك الخيمة. اْحدهم يقول: (خايف من ها البترول يضيع وما يلحقنا منه شى!) فيما تمر بسرعة الذكريات القديمة عبر الاحاديث.. المعتقلات التى شهدها المكان فى فترة ماضية اْيام الطليان.. البريقة والقهر والموت. مصباح العامل النشط حين سمع النقاش والامنيات تذكره مباشرة مقتل والده من قبل اولئك الطليان قرب الموقع الذى تنتصب فيه الخيمة. ربط من الماضى للحاضر. تذكر سؤاله لاْحد الشيوخ من اْقاربه.. اْين ذهب والده!. اجابه: ذهب فى رحلة الى المستقبل. مستقبلك اْنت يامصباح.

المستقبل والغد الواعد. تواصل الاجيال. التاريخ والحاضر. والاسئلة: كيف ستصير ليبيا بعد تفجر البترول. بعد تصديره. بعد تغير ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية.. حياة الناس. كيف ستنهض من اْثقال التخلف الذى يرين عليها وتنسى الماضى وتجتاز اْلغام التاْخر وتمضى نحو المستقبل.

كانت القصة تختصر هموم رشاد وجيله والاسئلة الحائرة المعلقة فى السقف. روح المستقبل ظلت تتوهج فى عطاء رشاد الهونى.. شعره وقصصه ومقالاته. كانت كلها تعكس شخصيته وموضوعه. كلها ملزومة واحدة ترى الى المستقبل.. الى الغد. لم يكن رشاد فى الماضى. استفاد منه وتعلم لكنه ظل يكتب بروح المستقبل وبروح الحب والمعاناة. النظرة البعيدة الواعية. الشعور بالمسؤولية تجاه الاخرين. وتجاه مستقبل اْولاد واْحفاد الوطن. كان رشاد يعيش فى المستقبل.

فى عمله شابا بالجامعه الليبية الوليدة ثم فى مجال البترول اشتغل بهذه الروح الصادقة ومع الناس كان يتخطى واقعه وزمنه الذى يعيش ويحمل مثل اصدقائه الاْحلام والاْمنيات العريضة. وكانت الحقيقة - الصحيفة - الحلم الذى وضع حجر اْساسه شقيقة الاْكبر واْستاذه محمد عام 1964 خطوة متقدمة نحو المستقبل اْيضا. اْسهم رشاد فى هذا الاساس الذى كان مستودع الحلم الكبير. الكلمة تصنع المستقبل وتزيل المستحيل. ظل الحلم ينهض ويعلو مع الاْيام. صحيفة تصدر اْسبوعيا كل يوم سبت من حجرة متواضعة وامكانيات صغيرة وتواجه صعوبات باْسرار مثل الفولاذ. وبعد عامين تصبح يومية تزدهى بالاخراج والالوان والمادة والخبر وبالكثير من الصفحات تتحدى الذين لايحلمون بالمستقبل.. تصارع الاشاعات والاتهامات والاقاويل ومحاولات الاحتواء وتثبت نفسها عن استحقاق. وتمضى الى المستقبل. وتضحى ملتقى للعديد من الكتاب والقراء من كل ليبيا. مقر حديث ومطبعة ومحررون ومراسلون وارشيف المعلومات وصور مباشرة من العالم تضع المواطن داخل الوطن فى الحدث نفسه. فى قلب العالم من طرابلس وبنغازى والمرج والخمس ومصراته وسبها.. وكل المدن والقرى. تتابع الحقيقة والمستقبل. وتعقد صلات مع المسؤول فى كل المواقع كبيرا وصغيرا. تخلق علاقة بينه وبين المواطن تتحسس مشاكله ومعرفة نبض اْحاسيسه اليومية. كانت الحقيقة نبضا للوطن ومشروعا للمستقبل. تلك رسالة الصحيفة اليومية التى اْتقنها رشاد صاحب المهنة الاصيل فهو يعرف تماما اْن: (الصحيفة اليومية لاتصدر يوميا اْصلا الا لغرض المتابعة الفورية لما يحدث فى الوطن خاصة وفى العالم عامه من اْحداث سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية فى كل متناسق لا تطغى فيه ناحية على اخرى الا بمدى اْهميتها وتاْثيرها. واْن الصحيفة اليومية تصدر يوميا لاْنها تملك شئيا جديدا تقوله وليست تقول الاشياء لاْنها مضطرة للصدور. بمعنى اْننا لانكتب لكى نصدر بل نصدر لاْننا نملك ما نريد اْن نكتبه ونناقشه. والصدور يوميا ليس غاية فى حد ذاته بل وسيلة لمتابعة النقاش وتبادل الراْى بصورة مستمرة ودائبة فاذا لم تجد الصحيفة شئيا تناقشه وتعرضه على الناس وتسمع اْراءهم فيه فاْنها بالتالى لاتحتاج الى الصدور يوميا. اْن الوسيلة لايجوز اْن تصبح غاية بالنسبة للصحافة.) وذلك ماكتبه بشجاعة فى مذكرة طويلة مؤرخة فى 9 ديسمبر 1971 موجهه الى اْحد اعضاء مجلس قيادة الثورة فى ذلك الوقت الذى طلب فيه من اصحاب الصحف المستقلة تغيير هوية صحفهم من سياسية الى فنية او رياضية او علمية او ادبية او الى غير ذلك من التخصصات. وصار ذلك واقعا مؤلما حين تطبيق الصحافة الجماهيرية وفقا للنظرية والكتاب الاخضر !!!. ثم قالت المذكرة الشجاعة: (السياسة فى العالم كله وفى بلدنا بالذات لاتغطى الميدان الدبلوماسى فقط بل تمتد اْيضا الى جميع الميادين الاخرى فى حياة الفرد. اْنها توعية له وتعريف له بمشاكله العامة وباْصدقائه واْعدائه وماضيه ومستقبله وواجبه تجاه اْرضه وشعبه. والصحافة التى تضطر الى تجنب هذا كله تتجنب فى الواقع كل شى).

كان ذلك حلم رشاد صاحب المهنة. المستقبل الجميل لليبيا التى عاشت اْيام الحاجة والفقر. كان حلما ليبيا محضا. انتماء لليبيا وكيانها وتاريخها اْنطلاقا لمستقبل يصنعه تجدد اْجيالها مع توضيح صريح للثغرات وكشف للاخطاء والسلبيات. والمستقبل ظل فى نظر رشاد وجيل لايمكن تحققه بدون شخصية الوطن والمواطن. بدون مقومات الوجود والحرية والصراع والتحدى. الوطن يبنيه اْبناؤه. الوطن فكرة كبيرة شاملة ينبغى اْن يحتضنها الجميع. الوطن هو المستقبل دائما.

رشاد والحقيقة والمستقبل معا فى كل خطوة. فى كل نفس من اْنفاسه المتلاحقة فيما قامته تعلو مثل نخيل هون والحلم يكبر وهدير الالات يقطع سكون بنغازى فى الليل المظلم لتخرج الحقيقة مع الشمس.. مع الصباح. تخرج من الظلام الى النور.. الى المستقبل يعانقها المواطن والمسؤول بعينيهما دون فرق فى كل مكان ويتفاعلان معها.

كانت تناقش مشاكل المواطن وتقترب منه وتصل اليه وتعزز الثقة فيه وفى شخصيته. تحاور المسؤول. تغطى اخبار الوطن والعالم. وتنشر القصيدة والقصة والمقالة والصورة واللوحة والدراسة وتعطى مثالا قويا على اْن الموهبة الليبية لاتقل عن غيرها شاْنا اْو مكانة وتستطيع اْن تنجز المستحيل وتحلم بالمستقبل مثل الاخرين.

المستقبل حلم الوطن ورشاد وكل جيله وكل مخلص ضرب بشراسة. تناثر قطعا وداسته الاحذية واْتسع الظلام واْبتعد المستقبل عن الخطوات المسرعة والحالمة. نكوص بالوطن الى الوراء بقوة. وفى يناير 1972 بعد اْيام من اجتماع ذلك العضو فى القيادة الذى كان رئيسا للمحكمة الشعب. ضم رشاد وزملائه فى المهنة على امتداد ليبيا قفص الاتهام . كان المتهم الثانى فى القضية رقم 9 لسنة 1970. واْخذوا يواجهون بشجاعة تلك المحكمة ويدافعون عن الحرية والكلمة والوطن والمهنة والصحافة المستقلة. يواجهون خصما وحكما فى ذات الوقت. اغلقت الحقيقة مع اخريات بحكم صدر بعد اْسبوع من جلساتها.

اغلقت الحقيقة واوقفت عن الصدور ولم يعد ممكنا الاستمرار فى الحلم اْو باْى شى اْخر. كانت المحكمة تحكم المستقبل والغد المنتظر وتضع عليهما فيتو وشمعا احمر. اغلقت الصحافة المستقلة وسدت معها نوافذ مشرعة على عيون الوطن ثم طلب راْس السلطة من رشاد اْن لايبقى فى ليبيا بعد يوم طويل من التحقيق والاعتداء فى معسكر الحرس ببنغازى. قيل له اْن العقيد لايريدك هنا. وذلك شي طبيعى المستقبل والعقيد لايلتقيان. وكانت الاقامة فى لندن وفى القاهرة. اطلق جريدة العرب اول صحيفة عربية تصدر فى لندن ثم مجلة الغد. يستمر الحلم بالغد والتواصل مع المستقبل. من يملك الان حلم للمستقبل فى ليبيا بعد اشتداد الضربات الشرسة الى راْس الوطن؟!

كان رشاد قامة صحفية وطنية حقيقية. كان اكبر من القفص والاتهام. لم يكن ذات يوم من عيال المهنة اْو مرتزقتها. لم يكن دخيلا على الحرف والكلمة والحبر والورق وهدير المطابع. كان صاحب موهبة اصيلة تملك مشروعا وحلما حقيقيا للوطن. وفى كل ذلك.. فى كل الحلم واْطرافه والوانه يلوح رشاد الهونى كبيرا وعاليا. قامة تبقى باْمتداد الوطن وان تغافل عنها الغافلون اْو المغفلون.

قامات الوطن العملاق مثل رشاد الهونى واْمثاله الشرفاء.. حلمت بالمستقبل للوطن ولم تحلم بالجوائز اْو الكؤوس الصدئه اْو الشهادات الباهته التى تعلق بلا معنى فى كل مكان. تلك القامات ستظل شامخة فى ذكراها وغير ذكراها مادام الوطن.. مادام المخلصون رغم العيال والاقزام والجوائز المضحكة!!

سالم الكبتى

رشاد فى مكتبه بدار الحقيقة - بنغازى 1969



اغنيتان للحزن. قصيدتان لرشاد نظمهما عام 1961. (بخط زوجته السيدة حميدة البرانى)



رشاد فى رسم كاريكاتيرى بريشة رسام الحقيقة (عبدالعظيم)



الحقيقة فى عددها رقم (1194). صدر فجر الاثنين 1 سبتمبر 1969. لم يصل الى القراء. ظل جزء من التاريخ.



الورقة (1/5) التى اعدها رشاد الهونى في 9 ديسمبر 1971 حول وضع الصحافة اليومية فى ليبيا



المتهمين فى قضية (افساد الراْى العام - محكمة الشعب - 17 يناير 1972). المتهم الثانى رشاد بشير الهونى



لماذا تصدر العرب؟ اولى مقالات رشاد فى العرب يوم صدور عددها الاول. لندن الاربعاء 1 يونيو 1977

عيد الحفيظ اغويل | 01/10/2016 على الساعة 21:26
لك كل الشكر
نشكرك على هذه اللفتة الرائعة التي ذكرت فيها قامة من قامات الوطن وهو الأستاذ الفاضل رشاد الهوني، لا أحد يا صديقي يفصل بين رشاد والحقيقة، فكل منهما كان مدرسة، وقد تربيت أنت تحت رعاية المدرستين، وأنا أعرف ذلك، ولا زلت أتذكر أنّ المرة الأولى التي رأيت فيها أنا المطبعة من الداخل كانت عن طريقك، فقد اخذتني إليها وقلت لي سأعرّفك على أحد الذين يقفون وراء خروج الصحيفة. ذهبنا معاً الى مصحّح الصحيفة في مكتبه داخل المطبعة، كان ذلك عام 68. وهو أستاذ فلسطيني، نسيت اسمه الآن. وأعتقد أنّك قلت لي أن الوحيد الذي لا يُصحَحُ مقاله هو الصادق النيهوم. لم تكن دار الحقيقة مجرّد مطبعة تصدر صحيفة كما كان يظن البعض، بل كانت مؤسسة إعلامية ببنية بشرية وتقنية عالية، فطاقمها الكتابي يضمّ خيرة مبدعيّ البلاد. وكانت تقام في داخلها ندوات وملتقيات ثقافية، كما وكانت مطبعتها تضم أحدث آلات الطباعة في ذلك الوقت. حيث كان كل هذا الزخم المادي مُقاماً على قطعة من الأرض لا تزيد مساحتها عن ألف متر مربع.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع