مقالات

يونس شعبان الفنادي

مفهومُ ومقوماتُ الوحدةِ الوطنية (3)

أرشيف الكاتب
2016/09/29 على الساعة 10:41

وبعد استعراض بعض المفاهيم للوحدة الوطنية من خلال ما تناوله المفكرون عبر أزمنة مختلفة ومناطق متعددة يمكن الإشارة إلى أن أبرز المقومات التي تبنى وتتعزز بها الوحدة الوطنية هي:

- النظام السياسي.
- الشعب ومكوناته الثقافية المتعددة.
- هامش الحرية وتطبيق العدالة.
- تكريس الاعتزاز بالوطن والمواطنة.

أولاً: النظام السياسي

يلعب النظام السياسي دوراً رئيسياً في تحقيق الوحدة الوطنية وتعزيزها من حيث تفعيل تطبيق مواد الدستور الوطني بهدف التعايش السلمي بين فئات الشعب وتوفير الحقوق والضمانات المختلفة. فالنظام السياسي الذي يمثل قيم ومصالح وهوية الجميع، ويلبي حاجاتهم ويشبع رغباتهم ويحقق أعلى درجات العدالة والمساواة فيما بينهم، سيكون من خلال برامجه لتعميق مشاعر الولاء والانتماء للوطن قد خطى خطوات متقدمة نحو ترسيخ الوحدة الوطنية في وجدان الأفراد وحياتهم العملية.

فالنظام السياسي الذي ينطلق في سياساته وخياراته من مفهوم الدولة للجميع وبالجميع، ويؤسس وظائفها وأدوارها المختلفة تبعاً لذلك المفهوم، ويفتح مشروعاتها ومؤسساتها وهياكلها ومناصبها ومسئولياتها لمكونات المجتمع كافة، دون تحيز لهذه الفئة أو تهميش لتلك، سيكون قد قطع شوطاً في خلق شعور الإنصاف والعدالة بين مواطنيه وهذه من أهم ركائز الوحدة الوطنية.

ثانياً: الشعب بمكوناته الثقافية المتعددة:

إن برامج النظام السياسي، رغم أهميتها وضرورتها، إلا أنها وحدها لا يمكن أن تلبي كل اشتراطات ومتطلبات تحقيق الوحدة الوطنية، وإنما هناك حاجة ماسة وضرورية إلى جهد كل فرد من أفراد الشعب بجميع شرائحهم، باعتبارهم المكون الأساسي للدولة. فالشعب برموزه الدينية والشعبية، وفعالياته السياسية والنخبوية، يمثل ركناً أساسياً وعمودا فقريا في تعزيز التماسك الداخلي الوطني، وتعميق خيار التوافق الأهلي وفق عدد من الالتزامات من بينها تهيئة مكونات الشعب المختلفة لقبول بعضها البعض نفسياً وفكرياً وسلوكياً. فقبول الآخر يعني بالضرورة الاعتراف به وجوداً وفكراً ومشاركة، واحترام ما يحمله من توجه، وما يتخذه من مواقف في أي مجال كان، ومن ثم تأتي خطوة هامة تتمثل في تفعيل ذاك الاعتراف بتنشيط صيغ التفاعل والتضامن اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ووطنياً، إذ لا تعايش بدون انفتاح وتواصل وتفاعل.

وهنا، في هذا الجانب، بلا شك لا يمكن إغفال أهمية الحوار الموضوعي والعقلاني أو تجاوزه كعنصر يمثل أحد المقومات الأساسية للوحدة الوطنية لكونه يضفي الشرعية على الأطراف المتحاورة. فالحوار مع طرف ما يعني سياسياً الاعتراف بوجوده، والرغبة في التواصل معه، والحوار كمبدأ وأسلوب ووسيلة لا غنى عنه حاضراً أو مستقبلاً في معالجة المشكلات البينية المتوازية، وتضميد الجروح، وترسيخ قيم المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وتفعيل الحراك السياسي والاجتماعي، فضلاً عن أن الحوار أسلوب مهم في التعرف على القواسم المشتركة، وقيم التعايش الأساسية بين كل الشرائح، وبالتالي تحديد المساحات المشتركة التي يجب تنميتها وحمايتها على الدوام، إضافة إلى أن الحوار هو آلية مهمة في حفظ سلامة المجتمع وإبعاده عن شبح النزاعات المسلحة والاحتكاك والفوضى والعنف. فالعنف كما يقولون يبدأ عندما ينعدم الحوار أو يتعطل.

وإن كان الحوار هو فعل وسلوك أخلاقي وثقافي متحضر فإن الثقافة الوطنية إجمالاً هي مفهوم مركب يشمل أساليب الحوار المختلفة والتفاعل والتواصل مع أشكال المعرفة والمعتقدات والعادات والفنون والأعراف التي اكتسبها الإنسان من خلال عضويته في المجتمع. ولا شك أن إنتماء الفرد إلى الثقافة الوطنية هو أساس الانتماء إلى الوطن. مع التأكيد على أن وجود ثقافات فرعية أخرى تحت مظلة أو في إطار الثقافة الوطنية العامة السائدة لا يؤثر سلباً على تماسك الفئات الوطنية أو تلاحمها، ولا يقوض وحدتها الوطنية، بل بالعكس تماماً، فهذا التنوع الثقافي لو تم توظيفه بصورة حسنة، فإنه لن ينال أبداً من الثقافة الوطنية الشاملة الواحدة أو الموحدة، بل غالباً ما يثريها ويغذيها ويعززها، فمثلاً التراث الذي ينسب لجماعة ما في الدولة يسهم في رفع مكانة جميع أفراد الدولة حتى لو لم يتعلق ذلك بتراثهم وعاداتهم وفنونهم وتقاليدهم الخاصة. فثقافة الأمازيع والطوارق والتبو مثلاً تشكل إثراءً ثقافياً ومعرفياً للثقافة العربية والوطنية سواء في ليبيا أو غيرها، سيظل الليبيون يفخرون ويعتزون بها في ربوع الوطن كافة.

ثالثاً: هامش الحرية وتطبيق العدالة:

لاشك أن الحرية ترتبط بشكل وثيق بالعدالة، بجميع أصنافها. فالعدالة هي التي تمنح الهامش الواسع للحرية والتسامح والتعايش السلمي بين كل الأطياف الاجتماعية في الوطن الواحد. لكن لا يمكن أن تتوفر الحرية دون وجود نظام حكم ديمقراطي يضمن حرية الفكر للفرد داخل الدولة، والتي هي الأساس لكل الحريات الأخرى مثل حرية التعبير وحرية المعتقد وحرية العمل وغيرها. وأهم ضمانات ومتطلبات حرية الفكر هي توسيع دائرة المعرفة لكل الأفراد من خلال إقرار مجانية التعليم، لأن الفكر مرادف للمعرفة التي لا تتحقق إلا بتوفر التعليم، وعندما يصبح العلم سلعة تباع وتشترى فإنه يصبح احتكاراً للقادرين على تسديد فواتيره من طبقات المجتمع الميسورة الدخل، ويكون بالتالي معبراً عن مصالحها الضيقة. أما مجانية التعليم فإنها تتيح شيوع المعرفة وتنوير العقول وإنتاج الكثير من الأفكار النيرة لجميع أفراد الشعب داخل الوطن الواحد.

بعد ذلك تأتي سيادة القانون وتثبيت مبدأ المشروعية من خلال تفعيله في كل أرجاء الدولة وفق نصوص الدستور الوطني، أبو القوانين كما يعرف، حيث يسود العدل وتعم المساواة بين جميع أفراد الوطن الواحد. وكذلك ترسيخ مباديء الشفافية وعرض الحقائق على الشعب من خلال وسائل الاعلام الوطنية النزيهة مما يعزز جسور الثقة بين الحكومة وأفراد الشعب ويدعم المحبة والإخلاص للوطن المشترك.

إن ضمان توفر الحرية وترسيخ العدالة بين جميع أبناء الوطن الواحد يضع على الدولة مسئولية إقامة نظام ديمقراطي يحقق الحرية لجميع أبناء الوطن، وبالتالي يمكنهم من نيل حقوقهم كاملة، مما سيقود إلى المساهمة في تعزيز مقومات الوحدة الوطنية، فضلاً عن حق الدولة في حرية التدخل والإجراء الحاسم لمحاسبة ومواجهة من يسعى لتهديد أو تقويض ركائز الوحدة الوطنية، أو يسهم في إضعافها من خلال تعصبه العشائري أو القبلي أو المناطقي.

رابعاً: تكريس الاعتزاز بالوطن والمواطنة:

لا شيء يصون الوحدة الوطنية ويحمي مكاسبها سوى تكريس مفهوم المواطنة عملياً في حياة الأفراد من خلال منجزات التنمية المكانية التي سرعان ما تتحول إلى ثقافة اعتزاز بتلك المكاسب الخدمية فتسكن وجدانهم بكل حميمية وغيرة ومحبة. ولا شك بأن أساس ذلك هو العمل التنموي المادي وكذلك رفع الهمم وإذكاء الروح المعنوية وخلق مشاعر الاعتزاز بالوطن ومكتسابته. وحين تكون هذه المهمة من أولويات الحكومة ومسئولية رئيس الحكومة نفسه، فبالتأكيد سيكون تأثيرهاً أكثر فاعلية وأهمية. ولعل المثال الأبرز على هذا في ليبيا هو ما نادى به رئيس وزراء ليبيا الأسبق الراحل عبدالحميد البكوش حين التقى طلبة وأساتذة الجامعة الليبية فى لقاء مفتوح ومباشر لأول مرة بمدرج أحمد رفيق المهدوي في أوائل شهر مارس 1968 [14] ليبعث فيهم ومن خلالهم رسالة وطنية مهمة استهلها بالقول (… لقد أردتُ أن أذكركم باْن الجهود اللي بذلت والأرواح اللى ضاعت إلاَّ من قيمتِها.. ومسؤوليتُنا اليوم كجيل جديد .. هو أن نحمل الأمانة .. أن لا نضيّع مستقبل هذا الوطن .. لا يهم ما يحدث.. المهم أن تستمر حياة هذا الشعب.. يستمر نظامه.. ويستمر أمنه). ويواصل حديثه الصريح بنفس ذاك اللقاء قائلاً (.. المفروض أننا قبل أن نكون أي شيء آخر يجب أن نكون ليبيين فخورين باْنفسنا. فخورين باْن احنا ليبيين. لدينا تراث. ولدينا تاريخ. لدينا تراث ولدينا طموح. كل شعب له طموح. لكن احنا بكل أسف نغمر طموحنا وآمالنا بطموح وآمال الآخرين. احنا لا نعادي أحداً ولا نحمل أي روحٍ عدائيةٍ لأي شيء ولأي فكرة لكن لا نستطيع أن نكون أعضاء عاملين فى أسرة عربية أو إسلامية ما لم نكن نحن أنفسنا أحياء. احنا لا نريد أن نذوب فى أحد. احنا إذا قررنا نتعاون.. نتعاون. لكن احنا ليبيين لا نستطيع أن نقرر أي شى ما لم نكن ناضجين .. وما لم نكن مدركين لواقعنا... وما لم نكن متمسكين بشخصيتنا... احنا مانكونش منتمين لأي شيء إلا لوطننا... الوطن أولاً... وهنا البداية… وبعد ذلك تاْتى بقية القرارات).

ولم يكتفي الراحل عبدالحميد البكوش بدوره السياسي بل ظل يمارس دوره الثقافي في تنوير العقول وطرح العديد من الأفكار التي رسخ بها مفهوم طبيعة الانتماء والارتباط بالوطن من خلال الهوية والشخصية الليبية المميزة حين ظل ينشرها في الكثير من مقالاته وكتاباته وأدبياته والتي من بينها قوله (... إن الانتماء إلى الوطن هو أبرز وأهم الانتماءات سواء كانت أكثر ضيقا أو أكثر اتساعاً، فالعالم منقسم اليوم إلى أوطان ترتكز كلها عل علاقة الفرد بالوطن الدولة، أكثر من ارتكازها على أى من علاقات الانتماء الأخرى الأضيق والأوسع، ومن هنا فإن الشخصية الوطنية تعني نسيج إحساسات الفرد بأنه مرتبط بأرض معينة وشعب معين ارتباط أخذ وعطاء، وتظل هذه الإحساسات هي المحور المحرك لنشــــاط وطموحات المواطن. وإذا كان تحقيق نهضة حضارية في أى وطن يستلزم خلق مواطنين قادرين على التقدم، فإن حمل أؤلئك المواطنين على الفعل يستوجب، إلى جانب أشياء أخرى، شحذ هــمة كــل مواطن وكــل مواطنة وذلك بإيقــاظ شعور الانتماء الوطــني لدى كل منهما…).[14]

يونس شعبان الفنادي
[email protected]

* سبق نشر المقال بصحيفة (فسانيا)… راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب).

[13] سالم الكبتي، عبدالحميد البكوش.. ومشروع شخصية الوطن (الجزء الأول) (الجزء الثاني)، (الجزء الثالث)، موقع ليبيا المستقبل www.libya-al-mostakbal.org، بتاريخ 8 مايو 2014.

[14] يونس شعبان الفنادي، ليبيا والوطن في أشعار عبدالحميد البكوش، صحيفة "ميادين" العدد رقم 33 بتاريخ 27 ديسمبر 2011، ص 18-19، بنغازي، ليبيا.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع