مقالات

سالم الكبتي

الكاتب العمومى!!

أرشيف الكاتب
2016/09/28 على الساعة 03:52

(مثقفوك يابلد هم المصيبة الحمراء فيك.. والنكد)

سيد الحردلو

هل تذكرونه؟

حين كان يقبع فى محله مرتديا نظارته السميكة وتتدلى اْذناه لسماع الاخرين القادمين اليه من كل الاْمكنة ويظل يكتب لهم بلا توقف فيما بعض خيوط الشمس تتسرب عبر الباب الغليظ. يكتب بقلم الكوبيا الذى يبله بين حين واخر بلسانه اْو يغطس مداده فى الحبر الازرق. يكتب عروض الحال الطويلة وشكاوى التذلل الى جهات الاختصاص فى المدينة: مراكز البوليس والمحاكم الشرعية والبلدية والاْشغال ومخازن التموين ومختار المحله ومتصرف الحاضرة وشيخ القبيلة وناظر المدرسة. الطلب والعرض نفسه. الاْسلوب نفسه. الصياغة نفسها. الشكاوى نفسها والتوجع نفسه لايتبدل.

يتقدم العالم الكبير حول الكاتب العمومى والشكاة وتبقى المشاكل التى يكتب بشاْنهما خالدة. يبقى الكاتب العمومى فى محله (سر) كل مايتبدل الاْسماء فقط. اْسماء المتظلمين والمتوجعين. عناوين الجهات والمسؤولين. اْما طوابع الدمغه.. اْما الكلام. اْما طريقة العرض للبضاعه فلا جديد فيها. لا حداثة. لاتطور. منتهى الالتزام بالمنهج وباللغة وبقضايا اْبناء الشعب البؤساء الذين لاتنتهى مشاكلهم واْزماتهم منذ حلولهم بالدنيا... فهل تذكرون تلك الحرفة العتيقة؟

الكتابة العمومية فى ذلك الزمن ابتداء من اْيام السلطان سليمان القانونى ومابعده كانت مهنة للعيش لقلة الكتاب ووسيلة للتكسب. وصاحب الصنعه يعيش على هموم الاخرين اليومية : شكاواهم. ضيقهم من الحكومة اْو محطة النور اْو استخدام الحنفيه العامة اْو ضوضاء الطريق اْو من الجيران اْو رئيس المصلحة اْو قرود حديقة الحيوان. ان الكاتب العمومى الخالد يكتب بالطريقة ذاتها بلا ملاله ويقابل اْصحاب المظالم بكل صبر على الدوام دون اْن يرف له جفن لكنه رغم الكوبيا ودواة الحبر الازرق لايستطيع فعل اْى شىْ للشكاة والبائسين من المعذبين فى الارض سوى اْن يقبض منهم قروش اْتعاب اْصابعه واستهلاك الحبر.. اْن يكتب والشفاء على الله!

هل تذكرون الكاتب العمومى؟ القابع فى محله العتيق وسط الضجيج وزحام السوق حيث يظل وسط الكواغط والاقلام والمحابر والكراسى القديمة ومنافض السجائر والغبار الذى يعلو كل شىْ فى المحل. وهل تذكرون من ياْتونه منذ طلعة الشمس فى افق المدينة جماعات وفرادى. من القرى والضواحى والنواجع.. من شوارع المدينة: نسوة ورجال. مطلقات وعوانس. ذوى حاجات ومن ياْملون فى تقرب لاْصحاب الجاه والنفوذ من اولئك الذين لايجيدون فن الكتابة اْو التعبير عما فى اْنفسهم الحائرة المتعبة.

كان ذلك الكاتب يلبس لكل حال لباسا. ينهض بالواجب تماما. انه مثل كاتب الاحجبة تحت اْقواس الفندق سواء بسواء. يكتب ولايملك العلاج اْو الشفاء. لايملك سوى الكواغط والحبر وضرب القلم وعد النقود. الذى يظل يقبع تلك الايام طوال النهار - لقلة الكتاب - فى محله المعتم يتبادل الحكايا القديمة عن اْيام الحرب والجوع والفقد ويهش الذباب بمنشته ويعطس ويتثاءب فى لحظات الكساد رانيا بنصف عين لما يدور فى الشارع المقابل واْحيانا يرسل ضرطتين من اثر التخمه بعد عشاء الليلة الماضية.. انتظارا لذوى الحاجات ولايتوقف من جديد عن الكتابة الماْلوفة والتكرار الممل ويبلل اْصابعه بريقه اْثناء تقليب الاوراق وعروض الحال والمستندات وتصفح الجريدة الاسبوعية.

اذا كنتم لاتذكرونه فاْن نموذج الكاتب العمومى مازال عندنا. لم يبارحنا قط. مازال يعيش بيننا خالدا مهابا وان تغيرت الصورة والحال.. فى الصالونات والمقاهى والصحف والمواقع رابطة الكتاب واتحاد الصحفيين والمراة المناضلة والاْندية والجامعات والاْحاديث واللقاءات والحوارات والشاشات وفى الخطب والندوات والمهرجانات.. وفى كل شىْ. مازال البعض يتقن ببراعة تامة اللغة القديمة ومهنة الكتابة العمومية الخالية من الذوق والتناسق مثل نبات المقابر المهجورة. يتقنها بالضبط فى كل المناسبات واستغلال الفرص التى تستحق ولاتستحق. انه لايترك عيدا اْو ماْتما اْو عرسا اْو ماْدبة الا واْدلى بدلوه فيها. ينطلق مكافحا ومفاخرا لشحذ العزائم وايقاط همم اْبناء الشعب واحفاد المجاهدين وبنات الثوار.. وغيرهم بالاْسلوب نفسه واللحن نفسه والايقاع نفسه والصياغة نفسها والتكرار الثقيل الممل نفسه... والكذب نفسه اْيضا!!

اْنه فقط يغير - فى لحظة ابداع مذهلة - لافتة المناسبة وبعض الجمل والعبارات ويضيف من عنده لزوم الشغل. بعض الملح والزنجبيل والفلفل الاسود مغايرة لما سبق نظمه ثم تتغير الخلطات تبعا للمناسبة: مرة مالحة. مرة حلوة جدا. مرة قد قد. مرة حامضة. مرة حارة. مرة.. مرة كالحنظل. وفى كل المرات يطل بذاته مثل خيال الماْته عبر الكتابة العمومية فارغا من كل شىْ.. من المعاناة ولحظات الصدق والعطاء النبيل.

ان الكتاب العموميين  ظاهرة عجيبة تستحق التاْمل وهم لدينا يصيبون غيرهم بالساْم اْو البرص ويقاربونهم على التقيؤ. هم يعتقدون بلا حياء اْو خجل اْن الاخرين يقراْون لهم واْنهم يكتبون الصحيح. غير اْن الواقع لاجديد عندهم. يكررون فقط. هذا حال الثقافة والابداع العمومى فى ليبيا. كتابة عمومية من الصبح الى الليل.

الكاتب العمومى - حفظه الله - مايزال يعيش بيننا. يلبس كرافتته. ينفث دخانه الاجنبى. يشرب قهوته. يجلس واضعا رجلا على رجل فى المقهى فى لحظات التجلى والرومانسية. ينتظر اتعابه مقابل مايفعل. يجيد الحكى عن ماْساة ليبيا التى تشكو غياب الكتاب الحقيقيين ووضعها المتخلف. ويحك مؤخرته ويلتقط ماتقوله اْفواه الاخرين ثم يسرقه. يلونه ببعض الحبر المزيف مثل الدحى فى فصل الربيع ويحشره فى كتابته العمومية البائسة وفى نضاله الكلامى البائس.. وينسبه لنفسه.

الكاتب العمومى مايزال يعيش بيننا لم يسقط بعد... مايزال مثل المرحاض العمومى. الرائحة، الملل، المحاولات، التكرار، الانشاء، التصنع، الكلمات ثقيلة الدم، الكذب... وبقية الخوارق... لا جديد عند الكاتب العمومى فى عموم ليبيا. يرحمه الله!!

سالم الكبتى

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
د.محمد يونس الدرسي | 29/09/2016 على الساعة 20:19
أبدعت المقال
أبدعت المقال ... أنا نفسي لم أعد أقرأ لهؤلاء الكتاب العموميون .... لا يكتبون عن الواقع اليومي المرير المعاش .... يكتبون عن كوكب آخر ... هم ليسوا هنا
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع