مقالات

يونس شعبان الفنادي

مفهومُ ومقوماتُ الوحدةِ الوطنية (2)

أرشيف الكاتب
2016/09/27 على الساعة 00:53

مفهوم الوحدة الوطنية عبر التاريخ:

لقد برزت مسألة الوحدة الوطنية منذ صدر الاسلام حين صاغ رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام (صحيفة المدينة) أو (دستور المدينة) ليكون خير مثال على الوطنية والمواطنة وحب الوطن والالتزامات والحقوق المترتبة والمكفولة بين الوطن والمواطن. فبعد الهجرة من مكة إلى يثرب حدثت الكثير من التغيرات البنيوية والديموغرافية الاجتماعية في المدينة التي صارت تحتضن فئات مختلفة من السكان المقيمين والوافدين: كفاراً مشركين، ومسلمين مهاجرين وأنصار، ويهوداً من بني عوف وبني قينقاع وبني النضير وبني قريضة، مما استوجب عقداً اجتماعياً ووثيقة تحدد الحقوق والواجبات لكل طرف وفق تعاليم الدين الاسلامي الجديد التي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان من الرسول الكريم إلا إعداد (صحيفة المدينة) أو كما تسمّى أحياناً (دستور المدينة) والتي تضمنت اثنين وخمسين بنداً أبرزها: احترام الديانة لكل طرف، وحفظ الدم والذمم وحماية الممتلكات، وحق المواطنة لكل طرف في الدفاع عن المدينة من أي عدوان خارجي من القبائل الأخرى.

هذه الصحيفة التي مثلت الدستور المدني الأول في الإسلام جسدت مفهوم الوطنية وأبرزت أهم مقومات العيش المشترك بين البشر كافة والواجبات والضمانات التي يكفلها المجتمع أو الدولة لكل فئة اجتماعية تشترك في نفس الوطن.

وعند العودة إلى التراث الفكري العربي نجد العديد من المساهمات حول مفهوم ومقومات الوحدة الوطنية لعل أبرزها ما أورده عالم الاجتماع عبدالرحمن بن خلدون (1332-1406م) في مقدمته المشهورة عن شكل الدولة الخلدونية والتي جعل من أهم مقوماتها عنصر الشعب والسكان بكل ما يربطهم من مشترك حياتي متنوع ومتعدد، ويوحد هدفهم من أجل الرقي بالدولة والدفاع عنها والحفاظ على هويتها. وابن خلدون حتى وإن انحاز إلى المشترك القبلي أو العائلي أو الاجتماعي الواحد، فذلك لإيمانه بقيمة وقوة وفاعلية ذاك المشترك، الذي يمكن أن يتطور ويتوسع مفهومه في العصر الحديث، ليشمل الوطن بأسره كقبيلة واحدة، وبالتالي يعزز مكانة الدولة بذاك التلاحم المتين والسعي المتواصل من أجل تطور وتقدم الوطن ورقيه وازدهاره.

ولم يقتصر اهتمام ابن خلدون بعنصر الشعب على مجرد وجوده كجماعة بشرية في إطار الدولة بأي شكل كانت عليه، بل يتجاوز ذلك ليؤكد على ضرورة وحدة الجسم السياسي والاجتماعي لهذه الجماعة البشرية لكي يتحقق الاستقرار للدولة، لأن ابن خلدون يؤكد على أن بناء الدولة لا يتم إلا على أساس الجماعة المتلاحمة المتماسكة، وعلى العكس من ذلك فهو يؤكد كذلك بأن (..الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن تستحكم فيها دولة، والسببُ في ذلك اختلافُ الآراءِ والأهواء لأن وراءَ كلِّ رأيٍّ فيها أهواءٌ عصبية تمانع دونها، فيكثرُ الانقضاضُ على الدولة والخروجُ عليها في كل وقت..)[6]

ولاشك بأن هذا الطرح العميق لمفهوم وشكل الدولة ونشأتها وفق النهج الخلدوني عبر حركة التاريخ أو الدورة العصبية (نشأة ثم ازدهار ثم انهيار) من البداوة إلى الحضارة عبر المراحل الاجتماعية المتتالية لتطور الدولة، يوحي بأن ابن خلدون يؤكد بشكل أو بآخر على قضية الوحدة الوطنية، كما نسميها اليوم، وأهميتها في تحقيق الاستقرار والديمومة للدولة أو الوطن أو النظام السياسي، وهو أمر لا يتم إلا بتعزيز مشاعر الإنتماء إلى الجماعة وهو الشعب، وإلى الوطن وهي الدولة، وهذا ما يؤكده ابن خلدون حين يورد قائلاً (.. الحاكم لكي يستطيعَ أنْ يحكمَ شعبَه المتعددَ العصبياتِ والقبائلَ يجبُ أن يكونَ الشعورُ المشترك لمجموع الشعب أقوى من الروابط القبلية..) [7] والمقصود بالشعور المشترك لمجموع الشعب هو الوحدة والروح الوطنية لدى الجميع التي يجب أن تتغلب على التعصب القبلي والجهوي والمناطقي والحزبي والايديولوجي السياسي.

أما الإمام عبدالحميد بن باديس (1889-1940م) فقد اعتبر أن المخططات الاستعمارية الغربية هدفها تقويض الوحدة الوطنية للدول لأجل تمرير أهدافها وتحقيق مآربها الخاصة، لذلك يؤكد بأن مواجهتها تحتم (.. علينا أن نعتقد بقلوبنا أن الاتحاد واجب أكيد، محتم علينا، وأن فيه قوتَنا وحياتَنا، وفي تركه ضعفُنا وموتُنا، وأنْ نعلنَ ذلك بألسنتنا في كلِ مناسبةٍ من أحاديثنا، وأنْ نعملَ على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا)[8]. ويذهب ابن باديس إلى أبعد من ذلك ليجعل مفهوم الاتحاد والوحدة من أجل الوطن في إطار الايمان الشامل بالدين الاسلامي حين يقول (.. الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضامن والالتحام، حتى يكون منهم جسدٌ واحد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"..)[9]. وبذلك فإن ابن باديس يعتبر أن الوحدة الوطنية هي العامل الأساس في إقامة الكيان الحضاري للدولة أو الأمة أو المجتمع وبنائه وتمكينه من الوقوف في وجه محاولات التشتيث والتفريق والانقسام. وهو يرتكز في حديثه عن الوحدة باعتبارها فريضة دينية، مطلوبٌ من المؤمنين إقامتُها في حياتهم وفي علاقاتهم المعيشية، دون أن يكون لهم في ذلك خيار.

أما المفكر الإسلامي أبو حامد الغزالي (1058 - 1111م) فقد ربط تحقيق الوحدة الوطنية بوجود وقوة الحاكم وهي الدولة في عصرنا الحاضر، لأنها -وفق مفهومه- هي أساس وحدة الأمة، وذلك لقدرتها على جمع أبناء الأمة حول رأى واحد وهدف واحد. وتتأسس هذه الوحدة الوطنية عند الغزالي على مهابة الدولة، وقوتها، وشدتها، وتأييد الناس لها من خلال عقد اجتماعي وسياسي بين الرعية وبين المسئولين فيها، وهو الأمر الذي يراه الغزالي مطلباً كافياً للقضاء على التشتت وتحقيق التضامن بين الأفراد والسلطة الحاكمة.

ويرى الدكتور عبدالسلام البغدادي أن الوحدة الوطنية هي (.. وجود نوع من الاتفاق والوفاق على ثقافة وطنية مشتركة، وإطار من التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي... بحيث يتحقق التفاعل والتلاحم بين الجميع... بغض النظر عن انتماءاتهم الاثنية المختلفة أو خلفياتهم الثقافية السياسية الفرعية أو انتماءاتهم الإقليمية أو القبلية)[10].

وإن كان التراث العربي زاخراً بالكثير من الدراسات والاجتهادات حول هذا الموضوع فإن المفكرين الغربيين كذلك أسهموا في إثراءه وتنوير الإنسانية بالعديد من الإضافات، والتي من بينها ما أورده المفكر الايطالي نيقولو ميكيافلى (1469-1527م) والذي رأى أن مفهوم الوحدة الوطنية يعني منح الحاكم في الدولة درجة القداسة، لأنه محور الوحدة الوطنية فيها، وهناك ضرورة في رأيه لإذعان المحكومين لهذا الحاكم، والتي يعتقد بأنها من ضرورات تحقق هذه الوحدة، لأن الأخذ بآرائهم جميعاً سيؤدي إلى الفوضى والاضطراب. وقد شاطره رأيه هذا الفيلسوف والقانوني الانجليزي توماس هوبز (1588-1679م) حيث رأى أن الوحدة الوطنية: هي سيطرة الدولة وزيادة مقوماتها من خلال الحكم المطلق الذي سيسهم في إضعاف المناوئين أو المعادين لها، ويرى أن على الدولة غرس صفات الولاء وحب الوطن عند الأفراد عن طريق برامج التعليم والتدريب والتوجيه السياسي[11].

إلا أن الأمر اختلف كثيراً مع المفكر الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778م) الذي رأى بأن الوحدة الوطنية هي عبارة عن عقد اجتماعي بين الشعب والنظام السياسي القائم، حيث يتوحد الشعب في وحدة مصيرية، وفى إطار من المسؤولية المشتركة يطيع الفرد فيها الحكومة القائمة، التي هي نظام اجتماعي ارتضاه عن طواعية واختيار. وقد زاد روسو على ذلك بالربط بين الوحدة الوطنية والديمقراطية من خلال وجود حكومة ديمقراطية يستطيع الشعب في ظلها أن يجتمع، وأن يتمكن كل مواطن من التعرف على أفكار غيره من المواطنين[12].

يونس شعبان الفنادي
[email protected]

* سبق نشر المقال بصحيفة (فسانيا)… راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب).

[6] ابن خلدون، المقدمة، دار إحياء التراث العربي، ط4، د. ت.، ص 28 وما بعدها
[7] المرجع السابق نفسه.
[8] المصدر http://www.binbadis.net
[9] المصدر السابق نفسه.
[10] عبدالسلام إبراهيم البغدادي، الوحدة الوطنية ومشكلات الأقليات في أفريقيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص 291-294.
[11] مجموعة مؤلفين، رؤوساء الدول أمام حق تقرير المصير وواجب الحفاظ على الوحدة الوطنية والتربية، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، فاس، 1994.
[12] المصدر السابق نفسه.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
باحث | 27/09/2016 على الساعة 16:39
إلى السيد العربي
أثناء الكتابة لابد من الاستدلال بشواهد تاريخية موثقة وهو أمر تتطلبه الدراسة أو الورقة البحثية. وحتى وإن كانت بعض النظريات قد تجاوزها الزمن كما ذكرت في تعليقك إلا أن الاشارة لها هو من باب السياق التاريخي المطلوب للتمهيد لتناول موضوع الورقة. اتفق معك بان هناك تطورات تقنية وفكرية ولكن كما ذكرت عند الكتابة لابد من الاستدلال بما سبق من دراسات وكتابات ماضوية سابقة. أكرر لك الشكر وكذلك للكاتب الاستاذ يونس على هذا البحث القيم والذي يأتي في وقت غاب فيه تسليط الضوء على أهميته للبلاد
العربي | 27/09/2016 على الساعة 11:03
مفولات عفا عليها الزمن
مشكلتك انك لازالت متمسكا بنظريات ومقولات ترجع الى العصور الوسطى لم تعد تصلح الان بسبب حدوث تطورات هائلة تجاوزت كل المفاهيم الوطنية وشعارات القومية ... منها ان العالم اصبح قرية صغيرة و كذلك حدوث ثورات كبيرة في المعلومات والاتصالات والتقنية والتكنولوحيا والعولمة والتجارة العابرة القارات . والاحلاف العسكرية الدولية والمنظمات الدولية التي نجبرك على خيانة وطنك ومبادئك الوطنية محافة ان يفتشوا غرفة نومك
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع