مقالات

د. جمعة أحمد عتيقة

عن وهبي البوري احدثكم...

أرشيف الكاتب
2016/09/24 على الساعة 11:31

 

من سأحدثكم عنه هذه المرة رجل حباه الله بمواهب متعددة وقدرات متميزة.. له باع في الإبداع وخبرات متراكمة في الإدارة وتجربة في السياسة - إنه الدكتور وهبي البوري رحمه الله -.. هوعند الأدباء.. رائد القصة الليبية القصيرة.. وعند دارس التاريخ المحقق والمؤرخ والمترجم.. وعند اهل السياسة رائد من روادها في الدولة الليبية الحديثة انه نموذج (للمثقف الموسوعي) الذي اذا قرأت له وجدت اسلوبية سلسلة مخزونها البحث الجاد والجملة الرشيقة واذا جلست اليه غمرك بوده واسرك بتواضعه وابهرك بعلمه واحاطته.. تعرفت على الدكتور البوري شخصياً منتصف ثمانينات القرن الماضي أثناء دراستي في روما.

اذكر ان شقيقي المرحوم علي هاتفني ذات مرة بعد وصوله لروما فذهبت لزيارته في الفندق لاجد معه الدكتور وهبي (وكان يعمل انذاك مستشاراً في منظمة الدول العربية المصدرة للنفط (اوابك) بالكويت ومعهما الأستاذ (منصور معلى) الوزير التونسي المعروف وكان حديثنا عن هموم الأمة وبداية تصدعات العمل العربي المشترك وحالة التشرذم والخلاف بين الحكام العرب "والتي اوصلتنا لما نحن فيه اليوم" سافر شقيقي علي في اليوم الثاني وبقي الأستاذ وهبي وهنا اتيحت لي فرصة دعوته مع كريمتيه الى منزلي فلبى الدعوة مشكوراً.. وكان اللقاء.. حديثاً انسيابياً ومضامين ثرية.. بدأ الحديث بذكرياته في ايطاليا في ثلاثينات القرن الماضي حيث كان يعمل مذيعاً في اذاعة نابولي ويختلف الى روما بين الحين والاخر للزيارة.. مشيراً الى تجربته العصامية التي مكنته من اكتساب معارف جمّة واتقان لغات عدة وبناء ثقافة موسوعية فذة.

اذكر حين عرج بنا الحديث عن اوضاع ليبيا انذاك (الثمانينيات) انه قال لقد راهنا بعد استقلال ليبيا على التعليم وبناء الإنسان وكان الفقر وشح الموارد طابع حياتنا.. وحققنا في سنوات قليلة كثير من النجاح.. ثم حصل التردي.. وانه لا مخرج ولا أمل ولا وسيلة لنهوض بلادنا الّا بالتعليم والثقافة فلن يستطيع (النفط) ووفرة موارده أن يبني بلداً ويعصمه من التخلف ويحميه من الأطماع اذا لم يتحصن شعبه بالعلم والمعرفة.. بل أنه سيكون نقمة عليه (وها نحن نعيش اليوم واقع هذه الرؤية الثاقبة والإستشراف الواعي)!! ودعت الدكتور وهبي بعد أن شرفني بهذه الزيارة.. تاركاً وراءه الأثر الطيب وحديث العلم والثقافة والمعرفة.. كنت حريصاً على اللقاء به كلما زرت شقيقي علي رحمه الله في الكويت مستمعاً بشغف.. ارتشف من خبرة عريضة وعلم واسع وانهل من تجربة عنوانها (كيف يكون الإنسان مفيداً لوطنه وأمته).

عاد الدكتور وهبي البوري الى بنغازي بعد تقاعده من العمل الوظيفي ليواصل عطاءه الفكري والمعرفي..  ولم ينزوِ ويتقوقع.. ولم يتعالَ ويتكبر في برج عاجي.. بل كان مشاركاً ومبدعاً في كافة أجناس الأدب..  وصنوف المعرفة.. فتح بيته لنخب المثقفين والأدباء والكتاب.. يقابلهم بترحاب وود وبشاشة ولا يبخل عليهم بزاده الثقافي.. اصدر العديد من المؤلفات.. ترجم كتباً عن تاريخ ليبيا.. كان عنواناً لتواصل الأجيال..  ولا اذكر انني زرت بنغازي مرّة إلا وكانت زيارته في بيته محطة رئيسية.. كنت أذهب اليه غالباً رفقة صديقي أحمد الفيتوري الذي اشهد له بقدرته المتميزة في ربط أواصر هذا التواصل مع جيل الروّاد.. وكان بينه وبين المرحوم البوري ودّ ظاهر ولا اذكر انني خرجت من زيارته مرّة إلّا وفي يدي كتاب ممهور بإهدائه.. كان رغم ثقل تكاليف الحياة والعمل لا يعرف السأم.. ولا يتوقف عن الكتابة والبحث.. ومن المفارقات التي تستحق الذكر انه في نفس اليوم الذي صرعه فيه المرض وفارق الحياة وقبل ان تلفه الغيبوبة.. وقع عقداً مع (شركة النشر الليبية) لاصدار كتاب عن تاريخ ليبيا.. وهذه رواية صديقي محمد علي الشويهدي رئيس تلك الشركة انذاك وهكذا كانت الكلمة (والحرف الذي يضع للإنسان سلم) رفيقاً للمرحوم وهبي البوري في رحلة حياته من بدايتها الى حسن خاتمتها.. واذا اردنا ان نحيط بسفر عطائه في مجال العمل العام خدمةً لبلاده فإن ذلك يحتاج الى صفحات وصفحات كان أحد الأباء المؤسسين لدولة الإستقلال تولى الوزارة اكثر من مرّة منذ أول حكومة شكلها المرحوم محمود المنتصر وعمل رئيساً للديوان الملكي وسفيراً في اكثر من دولة.. ومندوباً لليبيا في الأمم المتحدة وترك بصمة مميزة طابعها الكفاءة الرفيعة والخلق السمح المتواضع.

واذكر انني خلال اقامتي في المغرب بداية ثمانينيات القرن الماضي.. قابلت رئيس مجلس النواب المغربي انذاك (ولد سيدي بابا) فسألني عن الدكتور البوري ولما ابلغته انه بخير وأنني اعرفه شخصياً اسهب الرجل في الحديث عنه والثناء عليه.. وقال لماذا لا تستعين به الدولة الليبية لقدراته وسمعته الدولية.. فحشرجت بالإجابة (حيث كنت انا نفسي لاجئاً سياسياً في المغرب 1982)!!!!.. لا أعلم فيما اذا كان الدكتور وهبي البوري قد كتب سيرته الذاتية إلّا ان ما اعلمه انها لم تنشر.. فلربما ترك لأسرته مخطوطاً يضم هذه السيرة العطرة والتي لا شك انها ستكون اضافة نوعية تعلم جيل المستقبل.. ان العلم والمعرفة والثقافة قادرة على بناء الإنسان وأنها أقوى وأجدى من رصاص القتل والدمار.

بقت ملاحظة جديرة بالذكر وهي انني بهذا الحديث وما سبقه من احاديث عن أعلام كبار ورواد عظماء لم أعمد الى التأريخ لهم.. ولا كتابة سيرتهم.. بل جاء حديثي عنهم من خلال صلتي ومعرفتي وعلاقتي بهم وما تركوه في عقلي ووجداني من اثر طيب وعلم نافع وما تلقيته في سيرهم من عبر ودروس وما لهم من افضال عليّ.. علّها ساهمت في أن تكون عاصماً وواقياً لي من الوقوع وسط دوائر (العبث والسقوط) التي صارت لها سوقاً رائجة في بلادنا هذه الأيام!!

رحم الله الدكتور وهبي البوري وجزاه خير الجزاء على ما قدّم وأعطى لوطنه.

جمعة أحمد عتيقة

مواشيع ذات علاقة:

- الدكتور وهبى البوري في ذمة الله
- سالم الكبتي: وهبى البورى.. محطات فى حياته
- تآسيس مؤسسة البوري للأداب في مئوية ميلاده
- د. محمد محمد المفـتي: الدكتور وهبي البوري في ذمـة الله
- ضحايا الغيبة... من قصص الراحل وهبي البوري بمجلة ليبيا المصورة

دكتور محمد علي البوري | 24/08/2021 على الساعة 23:03
سياسة وثقافة
اسرد طيب انا اعلم ان دكتور وهبي البوري بكن لك التقدير والاحترام وذات مرة كان حديث حول القانون فاكرك بكل خير ... ولكن اخي جمعة جدالية الثقافة والسياسة واحتكار الحقيقة عطلت وعرقلة طرح موضوع ثقافي با اكثر أريحية... انا شخصيا احمل راي سياسي مخالف للدكتور وهبي البوري ولكن هذا لايعني زج با الأمر في الموضوع الثقافي ... ويظل تاريخ هو تاريخ. نتمني ان نصل لمرحلة تكون ليبيا كما اردها كل وطني شريف صادق مخلص ..بغض نظر عن التوجه السياسي . لك الاحترام والتقدير.
احمد بازامة | 28/09/2016 على الساعة 17:36
بنغازى
أشكرك الاستاذ جمعه على هذه المقاله التى تروى رجال ليبيا الذين خدموها بدون مقابل أمثال. محمد مصطفى بعيو ،عبد الحميد البكوش وغيرهم من رجالات الاستقلال. ،ونعود الى سيره د وهبي البورى فهو فعلا يعتبر رايد القصه القصيرة فى ليبيا وأول من ادخل الكلمات المتقاطعة فى ليبيا ايضا عمل مع المجاهد أمين الحسينى وافتح اول أذاعه موجهه باسم فلسطين ،وله عده كتب وأهمها. كتاب عن حياه البطل شيخ الشهداء عمر المختار بالاضافة الى عمله فى وزاره الخارجية. والبترول فى عهد الملك الصالح ادريس السنوسي. ويعتبر من المدرسة الدبلوماسية الليبيه التى تدرب فيها الساسه الليبيين فى عهد اللمملكة. ،رحم الله د والموررخ وهبي البورى
ابوالقاسم | 24/09/2016 على الساعة 19:29
إعادة ترميم الذاكرة
بارك الله فيك يا دكتور . على النخبة الوطنية أن تعيد ترميم الذاكرة الليبية التى أفسدها صاحب الفكر الأخضر الذى هدم كل شئ جميل فى حياتنا وطمس تاريخنا وجعل من الجهل منهج لجيل كامل وهذه ما نعانى منه اليوم من بؤس وجفاف ثقافى .
عبدالكريم بزامة | 24/09/2016 على الساعة 18:38
ذكريات
أتعجب لانزعاج البعض من ذكر للخير والخيرين.الكاتب أكد بأنه لايؤرخ ولا يكتب سيرة .هؤلاء الرواد لنا مصلحة اليوم وقد غرقنا في فتن وحروب .لنا مصلحة في ذكرهم بالخير ولنا مصلحة في ذلك الجانب المضيء في حياتهم من البناء بدل الهدم ولو بكلمة طيبة
Ghoma | 24/09/2016 على الساعة 16:48
Impressions+ Memories
You forgot to mention some biography of the departed, so a silhouette of a picture can be delineated. For whom he was working in Napoli's radio? Was he a mouthpiece of the colonizer and then somehow became a "founding father" of the new state! Was he the right person to be advising the OPEC or only part of the corrupt ways of Arab politics? There may be a difference between writing as a friend to memorize and remember a lost friend from writing as an observer and biographer, but mixing the two is not a good idea. It mixes emotions with reporting which makes a bit difficult to give an objective picture. Thanks. Ghoma
افريج محمد البسيونى | 24/09/2016 على الساعة 12:39
بنغازى
الاستاذ جمعه عتيقه أشكرك على هذا السرد التاريخى لسيره احد رجال الاستقلال والمؤرخ د وهبي احمد البورى . للعلم تم إصدار مذكرات المرحوم د وهبي البورى تحت عنوان (ذكريات حياتى ) سنه 2012
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع