مقالات

د. الهادي يحي كازوز

كيف يمكن أن نكون "الأكثر ايمانا" وكذلك "الأكثر فسادا"؟

أرشيف الكاتب
2016/09/22 على الساعة 05:30

منذ مدة قليلة ظهرت نتائج الفساد في العالم لهذا العام حسب دراسة شاملة وسنوية تقوم بها منظمة الشفافية العالمية المختصة بمحاربة الفساد في العالم. وللأسف الشديد فقد فزنا مرة أخرى بالمراكز الأولى للشعوب الأكثر فسادا. ثلاث من أسوأ عشر دول في العالم في تفشي الفساد هي دول عربية ومعضم الدول العربية والاسلامية جاءت كالعادة في ذيل القائمة وليبيا كانت وما زالت من أسوءهم.

ليبيا تحصلت على الترتيب 161، والسودان في الترتيب 165، وسوريا واليمن 154 وايران 130 ولبنان 123 وجيبوتي 99 والجزائر ومصر والمغرب في الترتيب 88 وتونس في الترتيب 76. ومن بعض الأمثلة العديدة والمخزية جدا التي وردت في تقرير منظمة الشفافية العالمية أن 50 مليون عربي دفعوا رشوة للحصول على خدمة عامة وسجلت المحاكم أعلى معدل لدفع الرشاوي وتلتهم الشرطة، وتعرض 38% من المبلغين عن الفساد لاجراءات انتقامية.

كيف يمكن أن تكون "خير أمة اخرجت للناس" هي أكثرهم فسادا؟ كيف يمكن أن تكون بلدنا ومجتمعنا الذي يتنافس في أخذ الصفوف الأمامية في المساجد ولا تسعه الساحات العامة في صلوات الجمع والأعياد أن يكون الأكثر فسادا في الأرض؟ كيف يمكن أن يكون بلدنا الذي يتفاخر بكونه بلد المليون حافظ (وهذا العدد كان منذ حوال 15 سنة فما بالك بالعدد الآن؟) من أكثر بلدان الأرض فسادا؟ وكيف يمكن أن تكون شعوب البلدان التي نلقبها بالكافرة هي الأقل فسادا في الأرض؟ الدانمارك وفنلندا والسويد ونيوزيلندا وهولندا والنرويج مثلا هي من تتصدر الدول الأقل فساداً في العالم.

أيعقل هذا؟ كيف يمكن تفسيره؟

يقول أحد مفكرينا، الصادق النيهوم، وهوعلى حق، بأن "الشعوب التي تفشل في تشخيس أمراضها بشجاعة تموت نتيجة تناول الدواء الخطأ"، وهذا صحيح وأرجو أن لا يكون هذا هوما يحصل لنا الآن. لن تقوم قائمة لشعب لا يواجه ولا يشخص مشاكله بشجاعة.

يرتبط الفساد بعدة عوامل أهمها الفساد السياسي والاقتصادي والديني والاجتماعي، كضعف التعليم والثقافة السليمة والتنافس للوصول للسلطة وتدني الوضع المعيشي والفروق الاقتصادية في المجتمع وعدم المساواة بين الناس.

أنواع الفساد عديدة جدا وللأسف الشديد فان مشاكل الفساد في مجتمعنا ربما وصلت لما يمكن أن تكون معضلة صعبة جدا وخاصة عندما نرى أن الكثيرين يعتبرون بأن التفنن في الفساد هو نوع من الذكاء (فهلوة). لللأسف الشديد فان الفساد تفشى في كل مفاصل المجتمع وليس فقط في كل اجهزة الحكم. جهاز الحكم "يحكمه الفساد" و"يحكم بالفساد" ونتيجة هذا هو ما نرى من تصارع وتقاتل من أجل الوزارات والادارات والسفارات والشركات وابار النفط والعمولات والسفريات حتى للحج بطرق غير سليمة وفاسدة.

ولكن الفساد لم يتفشى فقط في جهاز الحكم بما في ذلك القضاء للأسف الشديد وانما في كل مفاصل المجتمع. في التجارة والصناعة وللأسف الشديد حتى في التعليم، في كل مراحله. كيف يمكن لمؤمن أن يهدر حياة الآخرين بدون وجه حق؟ كيف يمكن لمؤمن أن يتاجر بأرواح العباد والتسبب في قتلهم في عرض البحر بطرق اجرامية بشعة وكافرة بينما يأتي الكثير ممن نعتبرهم كفارا لعرض البحر لمحاولة استنجاد هؤلاء المساكين الذين نتاجر نحن بأرواحهم؟ كيف يمكن لمؤمن اختطاف العباد وحتى الأطفال من أجل الغنائم؟ كيف يمكن لمؤمن أن يكون فاسدا يجلب بضائع فاسدة تسبب امراض ومصائب صحية للآخرين؟ كيف يمكن لمؤمن أن يسطو على منازل وأراضي وممتلكات الآخرين بغير وجه حق؟ كيف يمكن لمؤمن من سرقة وتهريب السلع والتسبب في ارتفاع اسعارها واختفائها وضيق العيش للآخرين؟ كيف يمكن أن يسرق مؤمن ممتلكات الشعب سواءا كانت أسلاك كهربائية أوخدمات (مثل الكهرباء) أوحتى النفط وآباره؟ بل كيف يمكن لمؤمن أن يواصل وحتى لسنوات عديدة قبول راتب بل رواتب في بعض الأحيان بدون عمل مفابل هذا الراتب أوهذه الرواتب؟ كيف يمكن لمؤمن أن يتاجر بالعديد من احتياجات العباد والتي هي حق لهم سواءا التعليمية أوالصحية أوالمعاسية أوحتى جوازات السفر وما الى ذلك العديد جدا؟ وأمثلة الفساد للأسف الشديد في مجتمع يتنافس بل يتصارع أفراده في التظاهر بالتقوى هي بالآلاف.

والأسوء ووالأكثر حزنا هو كيف يمكن لمؤمن أن يستخدم الغش في الدراسة وفي الامتحانات الدراسية وهو ما يحصل للأسف الشديد في كل المراحل التعليمية بما في ذلك الجامعية؟ وكيف يمكن لعائلته المؤمنة أن تسمح له بذلك والأسوء هو كيف يمكن أن تحتفل هذه العائلة "المؤمنة" وتتباهى بهذا النجاح؟

تعلم الفساد وانتشاره بهذه الصور المخيفة جدا في المدارس والجامعات هو أسوء ما يمكن أن يصل اليه مجتمع ويمكن أن يكون ذلك من دواعي هدم هذا المجتمع وزواله كما حصل لمجتمعات سابقة. من هنا يعم الفساد كل قطاعات الدولة والمجتمع. من هنا تتخرج أفواج الفاسدين لتصل الحكم في كل مراتبه وهنا ينتج بالتأكيد المجتمع الفاسد ويبدأ الشقاء. خريجي هذا الفساد سيكونون المفسدين في الأرض، ليس في مجتمعهم فقط وهوما رأيناه وما زلنا نراه. هؤلاء سيكونون الحكام الفاسدين وحماة الوطن الفاسدين وحماة الأمن الفاسدين والقضاة الفاسدين والأطباء الفاسدين والمهندسين الفاسدين والمعلمين الفاسدين والتجار الفاسدين والاداريين الفاسدين ألخ.

هذه السرقات وهذا الفساد هو غباء لا يقوم به سواء الأغبياء الكفرة الذين لا أخلاق ولا دين لهم وهذا هو ما تؤمن به حتى تلك الشعوب التي ننعتها نحن وننعت أهلها بالكفر والتي تحتل المراكز الأولى للدول الأقل فسادا.

فما هوالحل؟

أولا: هل نحن (كمجتمع) صادقين مع أنفسنا ومع الله بأن هناك مشكلة تنخر مجتمعنا وتتسبب في شقائنا وتعاستنا وربما تؤدي قريبا لزوال هذه الدولة وهذا المجتمع؟ أم أننا "عايشين بخير والحمد لله وما ناقصنا شيء واحني أحسن من الآخرين"؟ أو"خليها على الله والله يصلح الحال"؟ هل نحن مستعدون بأن نقبل بأننا مخطئين؟ أعني "نحن" وليس "الآخر". ليس هناك "آخر"، هنا فقط "نحن". "نحن" أوصلنا هذا المجتمع لهذه الحالة المخزية وليس "الآخر". هل نحن مستعدون بأن نتقبل بأننا (جمبعنا، كل منا) قد أخطأ وشارك في تفشي هذه المشكلة؟ أوأننا سنواصل "الرقص في دائرة" حول المشكلة وكذلك مواصلة وضع رؤوسنا تحت التراب واتهام "الآخر الفاسد وليس أنا الفاسد"؟.

علينا أن نبدأ من هنا لأن المشكلة ليست في شخص (مثل القذافي أوغيره) ولا في حكومة أومجلس أواستعمار أوديانة أخرى وما الى ذلك. لوكانت المشكلة سببها هؤلاء لما انتهت بانتهائهم. المشكلة هي "ثقافية مجتمعية" ولذا فان المجتمع هو من يقوم بتخريج هذه الدفعات من الحكام والوزراء والسفراء والمدراء والمعلمين والقضاة والمهندسين والاطباء والمحامين والتجار وما الى ذلك من كل الفئات الفاسدة، وما يفعله هؤلاء من فساد هو نتاج ثقافة مجتمعهم. الأمثلة لاثبات هذا عديدة جدا على مدى العصور وآخرها ما رأيناه من نتائج الربيع العربي، اذ بالرغم من كل التضحيات فالمجتمع (وليس الأقلية التي نهضت في كل بلدان الربيع العربي) هو الذي قرر في الأخير (وهوما حصل أخيرا في ليبيا كذلك) أن تبقى الأمور كما كانت عليه بل أسوء من سابقتها. كذلك يمكننا أن نرى أمثلة من مجتمعات أخرى. اذ بالرغم من ظهور أشخاص أوقلة فاسدة في بعض الأحيان وحتى حكام فاسدون الا أن المجتمع (أوالثقافة التي تحكم المجتمع) يستطيع في الأخير أن يقضي على ذلك ويواصل المسير في طريق سليم.

ما أحاول أن أقوله هنا هو أن المشكلة هي مشكلة كل أفراد المجتمع واتهام "الجميع" "للآخر" فقط بأنه هو المفسد هو نفاق اجتماعي وغير صحيح وغير صادق وهذه ليست الطريقة الصادقة لمحاولة حل المشكلة. الطريقة الصادقة لحل هذه المشكلة العويصة جدا، وخاصة ان كان المجتمع مؤمنا بصدق (وليس فقط هونوع من النفاق الاجتماعي) هو أن يتقبل كل فرد المسؤولية بأنه جزء من المشكلة ويبدأ من نفسه ونترك سياسة النفاق الاجتماعي بصب جام غضبنا على "الآخر" وتحميله كامل الخطيئة واستخدام كل الطرق لتصوير أنفسنا بأننا فقط المؤمنين، فقط الصالحين، فقط الغير مفسدين.

الحالة السيئة جدا والمزرية التي وصل لها المجتمع وأدت لهذا الشقاء الجهنمي وهذه التعاسة هي نتيجة أن "الجميع" يتنافس في التظاهر بالتقوى والايمان وهذا "الجميع" يتهم "الآخر فقط" بالذنب وبالفساد بل حتى بالكفر في بعض الاحيان. كيف يكون "الآخر" فاسدا اذا كان "الجميع" مؤمنا؟ هذه معادلة لا يمكن الوصول اليها بدون جهل مدقع ونفاق اجتماعي وثقافي وديني. عندما نتفق بصدق على أن هذه المعادلة غير صحيحة وغير صادقة ولا يمكن أن تبنى بدون جهل ونفاق، عندها فقط يمكننا أن نتكلم نفس اللغة ونترك النفاق الاجتماعي جانبا، وعندها فقط يمكننا أن نثق ببعض لمحاولة العيش باحترام وبسلام.

الهادي يحي كازوز (لست كاتبا)
سبتمبر 2016

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ساسي | 25/09/2016 على الساعة 16:44
كلام الحق وجّاع
هم الأكثر فسادا ، لأنهم الأكثر إيمانا ؛ فالله يغفر الذنوب ما خفي منها و ما ظهر ، و حجة واحدة كفيلة بمحو كل المعاصي . و لذلك فهم ينادون بتطبيق الشريعة ، التي لا تطبق حدودها الا على الفقراء و المستضعفين و لا تطال ابدا الحكام و الاثرياء . و الحل هو في الغاء مادة التربية الاسلامية ، التي تزين للصغار انهم خير امة اخرجت للناس ، و ان كل الاخرين على ضلال ، و ان الغزو و القتل و الغنائم (استحلال دماء الاخرين و اموالهم و حتى نسائهم) جهاد في سبيل الله . الحل هو في دولة علمانية تطبق قوانين مدنية عادلة و يتساوى فيها الجميع امام القانون . الحل في دستور علماني يخلو كليا من أي نص على مرجعية الشريعة . الحل في نظام علماني يحقق العدالة الاجتماعية و يساوي بين الناس و يطبق القانون بصرامة و يعاقب الحاكم الفاسد و المسؤول الفاسد بعقوبة مضاعفة . الحل هو ان في الاخذ بقيم السويد و النرويج و هولندا و المانيا و فرنسا ، و ليس بقيم السعودية والسودان و الصومال و ايران . الحل باختصار هو في ابعاد الله عن السياسة و التعليم و التجارة . الحل في بناء مراكز البحث العلمي و الكف عن بناء الجوامع . و لن يفعلوا لأنهم مجتمع فاسد
مشارك | 22/09/2016 على الساعة 15:46
تعليق
"...الشعوب التي تفشل في تشخيس أمراضه..."
ممتعض | 22/09/2016 على الساعة 13:15
( نحن ) وليس ( أنتم ) ولا ( هم )
وفي كل مؤسساتنا ومرافقنا وكل جوانب واقعنا وحياتنا ، هي مجرد مظاهر وأعراض إشبه بالطفح المنبئ بالداء المعرفي والثقافي الوبيل الذي يستوطن حنايانا الفردية والجماعية ويعيث فيها فساداً ، والذي بسببه ندعي أننا ( خير أمة أخرجت للناس ) دون أن نخطوا خطوة واحدة في اتجاه تحقيق ذلك ، أما الملاحظة الثانية فحول قول الكاتب ( علينا أن نبدأ من هنا ، المشكلة ليست في شخص .. القذافي أو غيره .. ) فصحيح أن المشكلة ليست في شخص دون غيره بل مشكلتنا جميعاً وأزمتنا كلنا ، بما في ذلك من يجدون مصلحتهم فيها ويعملون على ديمومتها وتأبيدها ، لكننا نتخلى عن مفتاح الحل إذا تجاهلنا أسباب ما نحن عليه وأبرأنا القذافي بلغطه وهراءه الظلامي والعدمي والنابع من مزاجه المريض وأهواءه الصبيانية اللاسوية ، من أنه المتسبب لكل مآزمنا ( وليست هذه تبرئة لنا نحن الذين استمرأنا الفساد ولمّا نزل نتعاطى معه ونتعاطاه .. ولكن عندما استحوذ القذافي على البلد وأهله تحكم بقانون ( أناه ) المريضة و ليقطع سبل العيش الكريم على وتركه مشرعاً أمام من يقبل بالاستخداء والخضوع لأهواء القائد الملهم المريضة ، وكان ذلك كاف لفتح صندوق باندورا وخروج كل الشرور.
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع