مقالات

د. أحمد إبراهيم الفقيه

ليبيا... عودة القط الاسود

أرشيف الكاتب
2016/09/22 على الساعة 05:31

مثل مسلسلات الصراع بين الخير والشر التي تقدمها افلام السينما وتمثيليات التليفزيون، عن ظهور واختفاء الرجل العنكبوت، او عصابة القط الاسود، او عودة زورو او مغامرات طرزان، يتفنن المشهد الليبي في انتاج بدائل واقعية من دم ولحم وطين بشري، لهذه النماذج الخيالية، ولا يخرج رجل من اهل البلطجة والميليشيات والسوابق الجنائية من الساحة، حتى نجده قد عاد في ثوب جديد...

وآخر افلام المغامرات الليبية، تلك التي تابع الناس احداثها في اليومين الاخيرين، فوق مسرح الهلال النفطي، الذي اعطى موقعه الاستراتيجي وارتباطه بقوت الشعب الليبي ومصيره ومقدراته، مزيدا من الاثارة وعوامل التشويق لما يجري فوق ارض الذهب الاسود، وبعد تجاذبات وعمليات ابتزاز وتهديد وشد وجذب واخذ عطاء (الاخذ كان دائما من قبل عصابة القط الاسود، التي تحرس المنشآت، والعطاء من خزانة الشعب الليبي التي تناوب على حراستها فرسان المعبد المقدس لتيار الاسلام السياسي في ليبيا) جاء في الآونة الاخيرة ارنب الرسوم المتحركة الخارق، التابع للامم المتحدة، السيد باجز باني، بظرفه ولطفه وملامح الارنب المسالم الجميل، يجري مصالحة بين قط العصابة فوق ارض الهلال، وبين اسياد المشهد الجديد في طرابلس، في مجلسهم الغرائبي العجائبي الذي يمثل خلطة عجيبة من اهل اسلام سياسي، واسلام قتالي، وتوجهات شعبية قبلية واخرى مدنية وعلمية...

وكان يمكن ان يفلح باجز باني الامم المتحدة، في توفير ارضية اكثر ملاءمة، امام هذه الخلطة المثيرة، الا ان ليبيا ليست طرابلس واحوازها فقط، ولكن هناك في جانب آخر من الخريطة  الليبية، مجلس اخر بخلطة لا تقل غرائبية، مدعو لتقاسم السلطة، الا ان الحصة المعروضة عليه، لا ترضيه، فظل يرتقب متربصا، وينظر، بكثير من القلق وعدم الارتياح، الى هذه الاوراق التي يضعها ارنب المصالحة الدولية في سلال الخلطة الطرابلسية، وقرر انه جاء الوقت لاستخدام ذراعه الحديدية، العسكرية، لطرد عصابة القط الاسود من الهلال النفطي، وبسط سلطة اكثر شرعية ولديها قبول ومصداقية لدى الشعب الليبي، فوق ارض هذا الهلال، وتقديمه هدية لبابا نويل المؤسسة النفطية، لكي يتحول عل يديها الى سلال من الهدايا تقوم بتوزيعها بمناسبة العام الميلادي الجديد، على اطفال الشعب الليبي، فعمت الفرحة البلاد، وخرج الاطفال الى الشوارع يغنون اغاني العيد القادم الذي يبشر بعودة الالعاب والهدايا ووضعها تحت وسائدهم ليلا...

الا ان الفرحة للاسف الشديد لم تتم، لانه في اليوم التالي لهذه المظاهرات الاحتفالية التي استبشرت بعودة بابا نويل الى البلاد حاملا سلال الهدايا، عادت عصابة القط الاسود تضرب ضربتها، وتتحرك تحت استار الظلام، مستعينة بعصابات مجلس شورى ثوار بنغازي الارهابية، تسفر عن روح الانتقام، وشراسة العصابات الاجرامية، تسفك الدماء، وتشعل النيران في مخازن النفط، وتدعي انها تطالب بحق مكتسب، فهي صاحبة هذا الهلال وليس الشعب الليبي كما كان يظن العالم، بدليل اعتراف المندوب الاممي لها بهذا الحق، وتوقيعه المواثيق معها، تحت سمع العالم ونظره...

ولم يكن ممكنا لمثل هذه العصابة ان تظهر من جديد، وتعاود مثل هذا الهجوم، لولا احساسها بان هناك قوى دولية تساندها، هي الولايات المتحدة الامريكية وخمس دول اوروبية اصدرت بيانات تطالب بانسحاب الجيش الذي اسمته القوات الغازية من الهلال النفطي، وتستنكر على جيش البلاد ان يبسط نفوذه على هذه المنطقة الاستراتيجة بدلا من عصابة القط الاسود، وكأنها تدعو بصريح العبارة الى وضع المصدر الاول للاقتصاد الليبي تحت ارادة الميليشيات، ويبقى من تحصيل الحاصل انها توافق على ارتهان كل مقدرات ليبيا لهذه الميليشيات، ولعلها كانت عاملا مساعدا على عرقلة قيام الدولة وابقائها سداحا مداحا لهذه القوى الخارجة على السيطرة والتي تعمل دون التزام بقانون ولا تخضع لحساب ولا عقاب، وقد وجدنا هذه الدول نفسها تقدم مشروعا لمجلس الامن لادانة الجيش وطرده باردة دولية من منطقة الهلال النفطي الا ان الاقدار شاءت الا تستفرد هذه الدول الغربية بادارة هذا المجلس الذي يقود الهيئة الاممية والسياسة الدولية في العالم وان هناك دولا اخرى انصفت الشعب الليبي وجيشه بحيث تم وأد هذه المشروع على يد روسيا والصين والشقيقة مصر اعضاء المجلس.

ولعل هذه الدول الغربية بعد فشل المشروع في الهيئة الاممية عمدت الى بعض عملائها لتحريك ودعم ميليشيا حرس المنشآت النفطية السابقة بهذا الهجوم الذي شاركت فيه عصابات ارهابية بينها القاعدة، كما تقول التقارير الاعلامية، والذي افشله الجيش وافشله زعماء قبيلة مجاهدة عريقة في  وفائها لبلادها هي قبيلة المغاربة وشيخها صاحب الايادي البيضاء على اهله وبني قومه الشيخ صالح لطيوش، فتم ابطال الهجوم ودحر عناصره، وعاد الجيش الليبي يبسط نفوذه على كامل موانيء الهلال النفطي.

ولعل فيما حدت من عبث بهذه المنطقة التي تمثل شريان الحياة للبلاد ومورد غذائها ومعيشتها، درس لكل الليبيين، لكي لا ينتظروا خيرا ياتي من خارج انفسهم، وان يتولوا تقرير مصائرهم، واخذ امورهم بايديهم، والاعتماد على عزيمتهم وارادتهم، وان يجتعوا على كلمة واحدة، لا بديل لها، ولا ولاء لسواها، ولا مصلحة لهم الا بالتشبت بها، هي ليبيا، ليبيا، ليبيا.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* ينشر بالتزامن مع نشره في صحيفة العرب.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عبدالقادر | 22/09/2016 على الساعة 17:05
من أروع المقالات
السلام عليك دكتور ورحمة الله وبركاته .. هذه المقاله من اروع المقالات في وصف الوضع الليبي المضطرب المشوش والذي زاد تعقيدا بالتدخل الاممي المسموم .. أجدت فيما كتبت بارك الله فيك ، شخصيا أعتبرك ومنذ مدة طويلة رجل من رجال ليبيا الذين سيأتي يومهم للاعتماد عليهم للنهوض بهذا البلد لك كل الاحترام والتقدير دكتور ودمت طيبا معافيا متألقا .
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع