مقالات

سالم قنيبر

الله في القرآن الكريم (4)

أرشيف الكاتب
2016/09/21 على الساعة 06:02

الإسلام آخر الرسالات إلى الناس كافة وخاتمها، المكفول حفظه من الله تعالى بالقرآن والسنة،.. المُيَسَّـر عبر تتابع الزمن بيانه والتبليغ به... كانت أولى مواجهاته قد جرت مع المشركين، عبدة الأصنام، سكان مكة، الذين كان معظمهم من قريش قبيلة الرسول (ص). وكانت مكة في ذلك الزمان هي المركز الديني لجميع العرب من سكان الجزيرة... يفدون إليها للحج في أشهر معلومة تعارفوا عليها وحرموا فيها القتال. وكان لمكة كبرى قرى الجزيرة ولأهلها المكانة المرموقة من المهابة والإكبار والإجلال عند سائر العرب.

وتروي كتب السيرة قصة أبرهة الحبشي… عامل النجاشي في اليمن، الذي بنى كنيسة (القُلّــَيْس)… بصنعاء تلك الكنيسة التي وصفها في رسالة للنجاشي بأنها "لم يبن مثلها لملك من قبله"...  ليصرف إليها حج العرب بدلا من الكعبة في مكة... وتقول الرواية… بأن عربيا من بني كنانة خرج حتى أتى القُــلَّيْس فقعد فيها، (أي أحدث فيها)... ولحق بأهله، فلما بلغ ذلك أبرهة وعلم بأن صاحب الفعلة من أهل ذلك البيت الذي تحج إليه العرب، وأن ما قام به هو التعبير عن أن كنيسته "ليست لذلك بأهل"... مما استثار شدة غضبه فقرر هدم البيت "ثم أمر الحبشة فتهيأت... وتجهزت، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام". (السيرة النبوية لإبن هشام ج1 ص 58-61)... ولم تكن حملة جيش أبرهة المتوجه لهدم الكعبة لتخلو من الأحداث والمواجهات منذ بداية تحركها، وكان الختام أو النهاية لتلك الحملة ما أفادنا به القرآن الكريم في سورة الفيل.

كانت الأصنام التي ترمز للآلهة منصوبة في معابد خصصت لها وفي داخل الكعبة... وفي بيوتهم... ولم تكن المهمة المكلف بها رسول الله (ص) التي تدعو للتخلي عن عبادة هذه الآلهة والتوجه بالعبادة لله وحده مهمة ميسرة، ولم تكن الاستجابة لما يدعو الرسول إليه لتلقى القبول من قبلهم أو تصل إليهم. وهذا الله تعالى يخاطب رسوله ويدعوه إلى الجهر بالتوحيد ونبذ الشرك وعدم التوجه بالولاية لغير الله خالق السماوات والأرض... {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قل إني أُمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونَن من المشركين}. (الأنعام 14)

ويخبرنا القرآن الكريم ويصور موقف أولئك المشركين من الرسول عندما باشرهم بدعوته، ومواجهته بالسخرية والاستهزاء والتعالي وعدم الاستجابة والتشبث بما هم عليـه {وإذا رأوك إن يتخذوك إلاَّ هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا. إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا. أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاًّ كالأنعام بل هم أضل سبيلا}. (الفرقان 41-44)

ويستعاد الأمر ويتكرر بالإعلان عن الدين القائم الثابت والهداية إلى الصراط المستقيم المتمثل في دين الإسلام الذي يستوجب إخلاص العبادة لله الواحد الذي لا شريك له {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}. (الأنعام 161-163)

هو الرب الواحد لا رب سواه ولا معبود غيره رب كل شيء رب العالمين {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون}. (الأنعام 164)

ويأتي البيان بالنهي عن اتباع ما يعبد المشركون وما يدعونه من دون الله… ويصدر الأمر إلى الرسول (ص) بالإسلام لله الحي الذي لا اله إلا هو رب السماوات والأرض رب العالمين {قل إني نُهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لَمـــا جاءني من البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين}. (غافر 66) وَيَرِدُ النص بتبيان أن الرسول (ص) إنما هو بشر يوحى إليه ليبلغ رسالة الله الواحد نذيرا وبشيرا. {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون}. (فصلت 6/7) معرفة الخالق من خلال التدبر لمكونات الوجود.

الله المنزه عن التشبيه بأي شيء من مخلوقاته، لا يستطيع العقل تمثله، ذلك أن العقل وهو من المخلوقات، إدراكه ينحصر فيما رآه أو ما يقيس عليه تخيله من موجود الكائنات، مستعينا بحصيلة معرفته التي يستخلصها من تجاربه وإمعان فكره وما يطلع عليه من المتراكم من تجارب من حوله ومن سبقوه. ومجموع ذلك لا يخرج عن حدود موجود المخلوقات. وعلى ذلك فإن الله تعالى الذي ليس كمثله شيء ولا تدركه الأبصار غير ممثل في ذاته وصفاته أو أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه  بشيء من مخلوقاته، التي تخضع من أجل المعرفة بحركتها وتركيبها للنظر والمتابعة والتجربة والتدبر واستعمال قدرات العقل. ويتم الإدراك اليقيني بوجود الله من خلال التأمل لتناسق وتكامل حركة الكون وترابط جزئياتها واتساع المعرفة والعلم بمكوناتها، التي تفصح عن الدلالة على الخالق الواحد المدبر لشئونها.

ويزخر القرآن الكريم بالآيات التي توجه إلى الالتفات إلى الظواهر الكونية التي تشاهد ويقع النظر عليها والحث على تأملها وإدراك ترابطها والتعرف على قدرة الله تعالى التي أوجدتها قال تعالى {ألم تر ربك كيف مد الظل ولو شاء  لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا. ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا.وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا. وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا. ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا}. (الفرقان 46-50)

هذا الظل الممتد فوق الأرض الذي يتحرك بحركة صاحبه الذي ينقص ويزيد، من أين جاء؟... ويرفع المرء رأسه إلى السماء إلى الشمس ويتأمل ويتقصى ويجول بنظره وفكره في هذا الفضاء المتسع الممتد  وهذا الكون المترابط خلقه المتكامل في حركة مكوناته. وتغيب الشمس، فيغيب الضوء ويلبس الوجود الليل… ويرتاح الإنسان ويخلد إلى النوم،.. ويحل النهار ليتحرك الإنسان ويسعى لمعيشته... إنه الواحد الخالق الذي سخر الكون متكاملا مترابطا تنتظم حركة الحياة فيه وتسير وفق تدبير الله وبديع صنعه... وفي هذا الفضاء المتسع الذي يعلو الأرض، حركة الرياح التي تدفع بالمياه الطاهرة النقية المعلقة بين السماء والأرض ينزلها الله أين شاء فتحي الأرض الميتة بالنبات ويشرب منها الناس والأنعام. يوزعها الله عليهم ليذكروا نعمة الله وفضله في غيابها وعند إمطارها.

الشمس التي ينبهنا إلى وجودها هذا الظل الناتج عن اصطدام أشعتها بالجسم القائم فوق سطح الأرض الذي يتحرك مع حركته ويسكن بسكونه، هي مصدر أساسي للحياة. من حرارة أشعتها تصعد المياه إلى السماء لتعود مطرا موزعا يحي الأرض ومن أشعتها ينتج النبات الغذاء والعنصر المكمل لصلاح الهواء، وهي التي تبعث بالدفء والضوء،... كذلك للرياح عملها الموكلة به المستوعب لمهام أساسية تستكمل بها دورة حركة الحياة. ترابط مختلف العناصر المكونة للكون وتأثيرها المباشر بجزيئاتها في الكل الذي يشكل وحدة الوجود مما يدلل على الموجد الواحد {الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}. (الملك 3/4) انه التناسق الذي يبعد عن الاختلاف والتنافر، وكلما ازداد التأمل وتكرار النظر والتدبر كلما ازداد اتساع الرؤية والمعرفة بالمزيد من هذه العلاقة التي تشكل وحدة الكون. وسيعود النظر بتكرار البحث عن النقص أو الخلل في هذا الكل دون أن يصل إلى مبتغاه.

التأمل في مكونات الكون وما يقع عليه بصر الإنسان منها ومتابعة حركتها والدور الذي تقوم يه في استكمال وحدة الوجود الذي ينفرط تماسكه بدونها، آيات على وجود الخالق الواحد بشمول قدرته. وهذه آيات منها يوجه إليها ويشار للالتفات لها وتدبرها {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون. سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون}. (يسن 33-36)... الله الخالق الذي أحسن صنع كل شيء في هذا الكون وقدَّره، هذه الأرض الميتة التي جف سطحها يأتيها الماء فتتدفق فيها الحياة وتزخر بأنواع النباتات التي يتغذى عليها الإنسان، إنها إرادة الله الواحد وقدرته الذي خلق الذكر والأنثى من النبات ومن الإنسان ، ومن كائنات أخرى اختص الله  بمعرفتها.

ومن النظر في الآيات التي تستخلص من حركة الحياة فوق الأرض إلى مظاهر الكون الكبرى  التي يتعاقب سيرها وينتظم جريانها، إنها الآيات المتكررة التي تقع كل يوم ويوجه نحوها إمعان الإدراك وتدعو إلى التأمل، حلول الليل بظلامه وانسلاخ الضوء عنه بخروج النهار، وارتباطه بالشمس المستقرة بجريانها بتقدير من الله الخالق، والقمر الذي يظهر ليلا بمنازله عبر دورة الشهر،  إنها حركة الكواكب في الفضاء كل يسبح في مداره وفلكه، منتظم في سيره، مؤد لمهمته متكامل مع عناصر الكون في تأدية ما كلف به. {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سبق النهار وكل في فلك يسبحون}. (يسن 37-40) إنه الله الخالق لجميع الكائنات المرتبط استمرار وجودها بتكاملها وتناسق أداء مهامها ومنها الإنسان الذي خلق منشؤه من تراب، واستمرار وجوده واتساعه من نطفة بخلق الزوجين. وهو العليم بشأن كل مخلوق منذ حلوله بالدنيا إلى منتهاه {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاًّ بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلاًّ في كتاب إن ذلك على الله يسير}. (فاطر 11)

هذا الإنسان المشرك  الذي خلقه الله من نطفة مهينة... ها هو يتحول عندما بلغ أشده إلى خصم يكابر ويعاند ويكذب ويفصح عن العداء. وهو الله تعالى الذي خلقه، وخلق السموات والأرض من قبله {خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون. حلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين}. (النحل 3-4)

كل ما يحيط بالمرء وما سخر الله له من النعم يستخدمها في حياته وتيسر له العيش وتعينه على الاستمرار، وتبعث في نفسه الرضى والراحة، إنها آيات ظاهرة تبعث على التأمل، وحقائق ماثلة يستوعبها التفكير ودلالة ظاهرة على وحدانية وجوده، وتفرده بالخلق وتدبيره لأمر مخلوقاته، هذا الماء الذي ينزل من السماء منه شرابكم ومنه مأكلكم من النبات والحيوان انه الله الذي سخره لكم {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}. (النحل 10-11)

بأمره تعالى سخر للإنسان ظواهر الوجود الكبرى وجعلها تتفق ومتطلبات معيشته، إنها الآيات الظاهرة المستوجبة للتقصي والتحقق والتأمل وتعقلها المؤدي إلى الإدراك اليقيني بموجدها المنعم على عباده بتسخيرها لهم {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يَــذَّكَّرونَ}. (النحل 12-13)

نِـَعمُ الله على عباده المشتملة على جميع مكونات الوجود التي خلقت من أجل حياة الإنسان بتنوعها وتعددها مما لا يمكن تقصيها. وأينما اتجهت أو تلفت حولك فستجدها تحيط بك وتشير إلى فضل الخالق الذي يسرها لك ووضعها في خدمتك تبعث في النفس الاطمئنان بالإيمان وتستوجب الشكر على الفضل، ترفض الشرك وتقر بالخالق الواحد العظيم {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعللكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذَّكرون. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم}. (النحل 14-18)

إنه الله لا اله إلاَّ هو المتصرف في شئون خلقه الذي لا يخفى عن تدبيره شيء في الأرض ولا في السماء أيا كان صغيرا أو كبيرا ظاهرا أو مختفيا. ذلك الجنين القابع في جوف الحب والنوى يخرجه الله مما يحيط به من موات ليغدو شجرا يانعا ونباتا يؤتي ثماره. وهو المدبر لحركة الأفلاك وما ينتج عنها من تعاقب لليل والنهار وحسبانا للأيام والشهور والفصول والسنين،  إنها الآيات ترد مفصلة ظاهرة الوضوح تدعو إلى الإيمان وتنير سبيل الرشد لمن يفكر ويعقل ويتدبر {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون. فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون}. (الأنعام 95-97)

* بعض من آيات الكتاب تم اختيارها للتدليل على محتوى النص، ولم تكن وحدها كل الآيات التي وردت في هذا الشأن، وما يمكن أن يقال أن جميع الآيات في تدبرها الدلائل الموحية بوجود الخالق وأنها صادرة من عند الله.

سالم قنيبر
بنغازي - الثلاثاء 20 سبتمبر 2016

* راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع