مقالات

د. جمعة أحمد عتيقة

عن مصطفى عبدالله بعيو أحدثكم

أرشيف الكاتب
2016/09/18 على الساعة 18:31

الأستاذ والمؤرخ الكبير ورجل التعليم الفذ مصطفى عبدالله بعيو رحمه الله (عاشق تاريخ ليبيا) كما يسميه الأستاذ علي مصطفى المصراتي أطال الله عمره.. قامة من قامات الوطن وبصمة من بصمات المعرفة والتنوير في تاريخنا المعاصر.. حينما سمعت بإسمه أول مرة كنت أقرب الى سنوات الطفولة (منتصف الخمسينيات) فذات يوم شتوي عاد والدي رحمه الله مساءاً تغمره فرحة وابتهاج سرعان ما سرى هذا الفرح للوالدة واخوتي والأقارب الذين كانوا ينتظرون قدوم الوالد.. عمّت الزغاريد وهمهمات باكية مبتهجة.

الوالد رحمه الله كان في زيارة للأستاذ مصطفى بعيوالعائد للتوّ من الولايات المتحدة بعد رحلة دراسية نال فيها شهادة التخصص في التاريخ.. حمل الأستاذ للوالد أخباراً عن شقيقي علي واثنى على عصاميته واجتهاده وسيرته الحسنة.. في وقت كان الإتصال منعدماً إلّا من خلال سطور في رسائل تصل بين الحين والآخر لا تشبع حنيناً وشوقاً للغائب البعيد (خلف بحر الظلمات)!

وحين عاد شقيقي علي رحمه الله بعد ذلك بسنوات قليلة, كان الأستاذ مصطفى بعيوأقرب أصدقائه الى نفسه وحين إنخرط في سلك الخدمة العامة.. وجد منه خير عون وسند.. وتوثقت علاقتهما الشخصية والإجتماعية.. هنا أتيح لي أن أرى الصورة من قريب وبدأتُ رويداً رويداً أتعرف على مكامن الود وقدرات التواصل.. وينابيع العلم والمعرفة عند المرحوم.

عرفت أن الإستاذ سليل أسرة مجاهدة دفع بها الإستعمار الإيطالي الى الهجرة الى مصر في عشرينيات القرن الماضي وهناك ولد صاحبنا وتفتح وعيه وتمت مداركه.. وما أن أنهى دراسته الجامعية حتى عاد الى بلاده التي كانت على مشارف نيل استقلالها (أواخر الأربعينيات)  التحق بالحركة الوطنية التي كانت تناضل من أجل الإستقلال حيث انضم الى حزب المؤتمر الوطني.. ودخل السجن ضمن شباب المؤتمر وقد تركت هذه التجربة في اعماقه شعوراً بالمرارة من جحود البشر وغياب الوفاء وزيف المواقف.

ثم بعد ذلك ولج أول خطواته في الخدمة العامة في مجال التعليم حيث تولى التدريس في مدرسة الزاوية الثانوية ثم كُلّف بادارتها.. ترك أثراً حميداً لازالت أجيال وأجيال تذكره فتحمده..ثم تقلّد عدّة مناصب ادارية متقدمة وعمل في وزارة الخارجية.. وكديدن رجل العلم والمعرفة, كان البحث والدراسة طابع حياته.. نحت في تاريخ ليبيا نحتاً (اركيولوجياً) كما يقول “محمد أركون”.. كانت الصرامة العلمية والدقة المنهجية هادياً له ودليلاً… فكان من بواكير أعماله التاريخية كتاب (لوبيا هذا الإسم في جذوره التاريخية) وهوكتاب يطرح أسم (ليبيا) القديم.. يهدف من ذلك الى تأكيد الأصالة والجذور الممتدة في أعماق التاريخ لهذا الإسم ثم عدل عن الإستعمال جرياً وراء المثل الشهير (خطأ شائع خير من صواب مهجور!!).. ثم تواصلت رحلة البحث الرصين وبمثابرة المؤرخ الواثق في ادواته البحثية أصدر عدة أجزاء من (المختار في تاريخ ليبيا) والذي يعدّ اليوم مصدراً معتمداً لكلّ المؤسسات والجامعات والباحثين الذين يهتمون بتاريخ ليبيا.. وبحسه القومي الناصع تصدى بالبحث لواقعة تاريخية تتعلق بأطماع اليهود للإستيطان في (برقة) ورصد الوقائع والأحداث التي كانت تقود هذا التوجه.. فنّد المزاعم المزعومة التي كان دعاة هذا الإتجاه يسوقونها لتبرير مشروع الجريمة - كان عنوان الكتاب ان لم تخنّي الذاكرة ((المشروع الصهيوني للإستيطان في برقة)).

وكدأب رواد المعرفة والتنوير, لم يكتفِ الأستاذ بالبحث الأكاديمي وصرامته المنهجية.. بل ساهم وشارك في تكوين منتديات للفكر والثقافة فكان أحد مؤسسي (جمعية الفكر الليبية) والقى في مقرّها المتواضع في شارع البلدية بطرابلس العديد من المحاضرات التي اسهمت في تجديد الوعي التاريخي ونشر ثقافة تأصيل الهوية الوطنية.. واذكر انني كنت حاضراً لأحد محاضراته في مقرّ جمعية الفكر وكان موضوعها محاولة المزاوجة بين أحداث التاريخ الغابرة ومفردات الواقع المعاش وأثناء المحاضرة استشهد برأي لمستشرق (لا اذكر اسمه) وكان يقرأ رأيه من كتابه باللغة الإنجليزية ويقوم في الآن ذاته بالترجمة للحضور.. اعترض احد الحضور وطلب ان يقوم بالترجمة شخص أخر ورشح المرحوم (د.علي عتيقة).. الذي انتفض غاضباً وردّ بحدّة على المعترض (اذا كنت لا تثق في ترجمة مؤرخ كبير أمين كالأستاذ بعيو.. فكيف لك أن تثق في ترجمتي!!) صمت المعترض وجلس محاصراً بنظرات الإستهجان من الحضور في حين الأستاذ واثقاً مبتسماً.. وقال (يا جماعة من حقه الراجل!!) ومضى ينثر بذار المعرفة والثقافة.. وفي مجال الوظيفة العامة وفي حقل التعليم والتأسيس تولى ادارة الجامعة الليبية (1963) فكان يرعى حلماً راوده مع الأباء المؤسسين.. وواصل جهود من قبله من الأفذاذ حتى صارت لنا جامعة يشهد لها كلّ اساطين العلم والمعرفة (طه حسين نموذجاً)!!

وحين صار الجهل سيد الأحكام والإستبداد ومصادرة العقل ديدن الحكام الجدد… تبدد الحلم وتبخر الأمل واعتقل الأستاذ بعد (1969) وأمضى سنوات في السجن ليخرج يواجه الحياة بزاد مالي لا يكاد يؤمن له واسرته قوت يومهم ولكن زاده المعرفي  والثقافي كان زاخراً غنياً مكنه من العمل في مواقع لا تطاول قدراته وقيمته.. ولكنها النفس الرضية والتواضع الواثق - عمل في احدى شركات النفط موظفاً ادارياً - ثم في منظمة اليونيسكووسافر الى افغانستان واقام فيها ردحاً من الزمن واهتم بدراسة تاريخها وديموغرافيتها.. ثم أقام في باريس.. الى أن بلغ التقاعد فاستقر به المقام في الولايات المتحدة ملتحقاً بنجله تميم وكريمته المقيمان هناك.. الى ان توفاه الله ودفن هناك.. وقد روى لي نجله تميم أن الأستاذ في لحظاته الاخيرة وهوينتظر الطبيب في العيادة.. طلب منه ان يشتري له الصحف اليومية.. وما ان ذهب تميم وعاد حتى وجده قد أسلم الروح.. رحم الله عاشق الوطن والتاريخ مصطفى عبدالله بعيو.

د. جمعة أحمد عتيقة

اقرأ أيضا:

- في ذكري رحيله، السيرة الذاتية للأستاذ مصطفى بعيو... رحمه ألله
- مصطفى بعيو: دور الشمال الأفريقى فى الحضارة والفكر الاسلاميين

تميم مصطفى بعيو | 30/09/2016 على الساعة 16:56
تكملة \ شكر و أتمنان....
• كتاب المختار في تاريخ ليبيا اسمه "المختار في مراجع تاريخ ليبيا" وهو سلسلة من الكتب و نشر منها ثلاثة اجزاء الى الان. • كتاب المشروع الصهيوني عنوانه هو "المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا". مرة اخرى اكرر شكري للدكتور جمعة على وافائه و كذلك على جهوده في الكتابة و احياء ذكرى الكثير من اعلام الوطن في سلسلته الشيقة "عن....................احدثكم". مدكم الله بالعافية حتى نقراء لكم من المزيد عن شخصيات الوطن المخلصة. اخوكم / تميم مصطفى بعيو
تميم مصطفى بعيو | 30/09/2016 على الساعة 12:43
شكر و أمتنان....
أتقدم بجزيل الشكر و الإمتنان إلى الدكتور جمعة عتيقة في كتابته لهذا المقال عن والدي رحمه الله. هذه اللفته الكريمة من الدكتور عتيقة و مشاركته لنا بذكريات شخصية عاشها و عاصرها مع الوالد رحمه الله هي شهادة نعتز بها في حق الوالد الراحل. الصداقة التي نمت بذرتها الأولى مع مرور الزمن بين الصديقين و الزميلين و الأخين مصطفى بعيو و علي عتيقة رحمهما الله، وقد تعرض كلاهما، للغربة و فرقتهم مسافات شاسعة ولكن ظلت الصداقة القوية تربطهما رغم كل ذلك وأستمرت حتى بعد وفاتهما عبر الصداقة العائلية التي تجمعنا اليوم والتي نثمنها. وهنا أرجو أن يسمح لي الدكتور جمعة بالإشارة إلى بعض المعلومات المهمة التي ذكرت في المقال و منها: · ولد مصطفى عبدالله بعيو في مدينة مصراته عام 1921 وبعد ذلك أظطر والده (جدي) المغفور له بأذن االله عبدالله احمد بعيو إلى الهروب إلى مصر بسبب الإظطهاد الذي تعرض له من الاحتلال الطلياني. · الكتاب الذي ألفه الوالد و ذكر في المقال بإسم لوبيا عنوانه هو "بعض الملامح عن تاريخ لوبيا". · كتاب "المختار في مراجع تاريخ ليبيا" هو سلسلة من الكتب نشر منها ثلاثة أجزاء الى الأن وهناك نسخة أكتملت ول
سالم الكبتى | 19/09/2016 على الساعة 14:56
اضافة
جميل ما ذكرت اخى جمعة فى حق الاستاذ مصطفى. فقط اشير الى ان اسم الكتاب (المشروع الصهيونى لتوطين اليهود فى ليبيا) اصدار دار العربية للكتاب. ليبيا تونس 1975. من كتبه المهمة بالفعل. رحم الله الاستاذ مصطفى بعيو.
عطية صالح الأوجلي | 19/09/2016 على الساعة 06:55
لا تتعلق بزائل ..!!
كان ذلك في احتفال الجالية الليبية بمدينة لوس انجلوس بمناسبة عيد الأضحى… قدمت متأخرا بعض الشيء فأستقبلني صديقي المحجوب العربي بإبتسامة واسعة وهو يقول.. ستقابل هذا اليوم شخصية مميزة وهو الان في انتظارك.. حدثته عنك وكيف انك تعشق الكتب… قادني من يدي الى شيخ يجلس على كرسي وقدمني له… قبلت رأسه بمودة وجلسنا وتحدثنا حتى أننا نسينا من حولنا… حدثني عن تجربته الطويلة.. عن تطورات تاريخنا.. عن الغربة وعن الحياة…. وحين أزف وقت الرحيل.. قلت لذاك الشيخ العليم… رحلتك طويلة ومميزة ومتنوعة يا سيدي.. فما هي الخٌلاصة…. صمت طويلاً… ثم قال.. الخلاصة يا أبن الأوجلي.. عش حياتك بصدق وإخلاص… ولا تتعلق بزائل… لا تتعلق بزائل.... رحم الله الشيخ الدكنور مصطفى عبدالله بعيو.
ابوالقاسم | 18/09/2016 على الساعة 19:25
علم من أعلام ليبيا
شكرا د. جمعة على هذه الومضة المختصرة جدا عن الدكنور مصطفى عبد الله بعيو ، الدكتور مصطفى صديق والدى وعندما يزور مصراتة كان والدى يأخدنى معه لزيارته وقتها كنت فى مرحلة الطفولة وأستمرت العلاقة بين الصديقين علاقة متينة . فى صيف 1971 عملت كطالب صيفى بقسم الكومبيوتر مع شركة أوموسيز Omoseas للنفط وكان الدكتور مصطفى مدير أدارة التدريب بالشركة ، المشرف على تدريبى كان أمريكى وكان يعاملنى كـأبن علمنى أسس البرمجة ولم وكتب تقرير عنى وجهه لمدير ادراة التدريب الدكتور مصطفى شرح فيه تقدمى فى العمل ونصح فيه ضمى كموظف وأتمام دراستى الجامعية على نفقة الشركة . رفض الدكنور مصطفى هذا المقترح . أشتكيت له عند والدى فهو صديقه . رد الدكتور على والدى لو قبلت ابوالقاسم سيقواون عنى هذه واسطة كنت حاضرا وقلت له يا أستاذ الأقتراح ليس منك ولكنه من مستر بيل ستادرد المشرف عليا فى التدريب . عموما أستمرت علاقتى كما هى ولكن الدكتور الله يرحمه ضيع علبا فرصة ثمينة لأتمام تعليمى فى امريكا ، الله يرحمه فهو رجل نظيف اليد والعرض ووطنى مخلص محب لليبيا وإذا ذكر تاريخ ليبيا فيذكر الدكتور مصطفى بعيو .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع