مقالات

المهدى يوسف كاجيجي

الغزال

أرشيف الكاتب
2016/09/16 على الساعة 10:57

رقصة الغزال فى لقطة نادرة... المخيم الكشفى العربى الثانى، الاسكندرية يوليو 1956

انا ابن جيل، ولد فى زمن فقير، كنا لا نرى اللحم الا فى المناسبات، كان سعر الكيلو للحم الإبل عشرة قروش، فى الجنوب كانت قطعان الغزلان ترعى بالقرب من قرانا، يتم اصطيادها بالمنداف "الفخ"، او بالمطاردة بالسيارة، مناورة يحاول فيها الصياد إنهاك الضحية، ويحاول فيها الغزال ارباك الصياد بالقفز فى كل الاتجاهات واختيار المسارات الأكثر صعوبة، التى تؤدى فى بعض الأحيان الى انقلاب المركبة، فان نسيت لن أنسى ما حييت، نظرة الانكسار فى عين الضحية عند الاستسلام، كنا نتغنى بجمالها وخفة حركاتها، وفى الخمسينات من القرن الماضى، صفق الرئيس جمال عبدالناصر ومرافقوه من كبار رجال الدولة المصرية طويلا، اعجابا برقصة الغزال، التى تروى قصة الصراع بين الصياد والطريدة، قدمتها الفرقة الكشفية الليبية، المشاركة فى الحفل الختامى للمعسكر الكشفى العربى الثانى، الذى عقد فى منطقة ابى قير فى مدينة الاسكندرية، قام بالاعداد والاداء طفل من غدامس، لم يتعدى الخامسة عشر من العمر، اسمه البخارى سالم حوده، والذى اشتهر بعدها باسم الغزال.

• البخارى سالم حوده

انه واحد من جيل حفر طريقه فى الصخر، جيل لم تدركه الطفولة، ولد هرما، بتجربة حياة طويلة.. بدايتها مدينة غدامس (اقرأ ليبيا المستقبل، غدامس... سماحة الأهل وحسن الدار) حيث المولد، تعلم اول حرف فى زاوية جامع التندرين، تلتها المرحلة الابتدائية فى المدارس التابعة لسلطة الاستعمار الفرنسي، فتاتى حقبة الاستقلال، ليلتحق بأقرب مدرسة، فى مدينة سبها عاصمة ولاية فزان، "الف كيلو متر" عبر صحراء قاحلة، كان يستغرق عبورها اياما وهى المدرسة الوحيدة التى يقصدها الطلبة من كل أنحاء الولاية، ملحقا بها قسم داخلى للإقامة. للعلم والإيضاح  تعداد سكان الولاية آنذاك كان خمسين الف نسمة، موزعين على قرى وواحات صغيرة متناثرة، بميزانية سنوية قيمتها خمسون الف جنيه، اى جنيها واحدا لكل مواطن فى العام .الإقامة فى سبها لم تدم طويلا، ونتيجة لإعادة ترسيم الحدود الحقت غدامس بولاية طرابلس والجفرة بولاية فزان.وبالتالى انتقل اخوتنا الغدامسية الى ثانوية غريان.

• السجن ظلما

كبر الفتى القادم من غدامس، صقلته الايام والتجارب، بالسفر والترحال تعرف على جغرافية الوطن، وفى المعسكرات الكشفية اجتمع له الوطن كله تحت خيمة واحدة، فكبرت معلوماته، واتسعت علاقاته، وتعددت نشاطاته، فلفت نظر مدرس اللغة العربية الفلسطيني الأصل والبعثى الانتماء، فكتب تقريرا لقيادته يقترح استقطاب هذا الطالب النشيط، أهداه الاستاذ كتابا عن حزب البعث، لم يقرأه، أعاد إهداءه الى زميله فى السكن، فى نفس السنة أعلنت السلطات القبض على المنتسبين لتنظيم حزب البعث العربى المحظورفى ليبيا، من بين المستندات المصادرة، كان تقرير الاستاذ واعتراف زميله الطالب عن مصدر حصوله على الكتاب،كان فى رحلة كشفية الى أوروبا، فى يوم عودته، ألقى القبض عليه، ليقضى حكما بالسجن ستة اشهر،لم يؤلمه السجن بقدر ما احزنه ضياع فرصة ترشيحه للسفر لإتمام الدراسة الجامعية فى الخارج، على اعتبار انه واحد من العشرة الأوائل فى الشهادة الثانوية على مستوى المملكة، مما اضطره للالتحاق بكلية الدراسات الفنية العليا فى طرابلس.

• الولاء للدولة

فى عام 1967 تخرج وتم تعيينه فى الاذاعة الليبية وفى عام 2011 أُحيل للتقاعد، خمسة وأربعون عاما عمر العمل الوظيفى تدرج فيها مهندسا فمديرا للهندسة فرئيسا لاكثر من هيئة ومؤسسة وشركة حكومية ثم وزيرا لاكثر من وزارة اضافة الى مشاركته فى العشرات من اللجان، لم ينقطع نشاطه بكشاف ليبيا،الذى امتد لفترة تزيد على الستين عاما، عمل فيها على راس قيادة جماعية لاكثر من خمسة وعشرين عاما، وهى أطول مدة لقائد عام فى تاريخ كشاف ليبيا، استطاع ورفاقه ان يحتفظوا للحركة باستقلاليتها.

لم يخدعه المنصب، فى العمل احتفظ بولائه للدولة، وفى حياته الخاصة احتفظ بروح الغزال، كان دائماً بسيطا متواضعا بشوشا مَرؤسوه ينادونه "بالباشمهندس" وأصدقاؤه "بخ بخ". اتذكر اننا التقينا فى القاهرة، كان مشاركا فى مؤتمر لوزراء السياحة العرب، فهرب من مرافقيه الرسميين ورافقنى فى سيارتى المتواضعة الى حى الحسين، فى محاولة للوقوف فى الممنوع، همست فى إذن شرطى المرور  :معايا وزير السياحة الليبى، فنظر الشرطى الى سيارتى، ثم تامل مرافقى طويلا، كان يرتدى قميصا قطنيا "تى شيرت" وحذاء رياضيا فقال الشرطى ساخرا: اسف المكان محجوز لوزير السياحة المصرى، وحرك يده بلهجة الامر: تحرك يا افندى قبل ان أعملك مخالفة انت ووزيرك.

• الصديق

منذ ستين عاما التقينا، جمعتنا مدرسة سبها المركزية، فرقتنا اعادة ترسيم الحدود بين الولايات وجمعنا الكشاف فى معسكراته، وأخيرا احتضنتنا طرابلس، هو مهندسا فى الإذاعة الليبية، وانا صحفيا فى جريدة الحرية، وعندما غادرت ليبيا بعد إغلاق الصحف سعيا وراء الرزق لم تنقطع العلاقة، فكان كريما فى التواصل.

• الجيل الذى ظلم!!

انا هنا لا اكتب عن البخارى سالم حودة الصديق، لأننى اجزم انه يرفض ذلك، ولكننى اكتب عن تجربة حياة، لجيل كامل من رجال الادارة الليبية، الذين عملوا تحت اوضاع غاية فى الصعوبة، حافظوا فيها على الولاء للدولة الليبية، وليس للنظام القائم، انا اكتب عن جيل اقصى ظلما، فرحل معظم رجاله عن دنيانا، وانزوى ما تبقى منهم فى دائرة الظل، وتبعثرت أوراق تجربتهم نتيجة الجحود والاهمال والفهم الخاطئ، تعاملنا معهم بثقافة من عاش مات ومن مات فات، وفى بعض الحالات النادرة كرمنا بعضا من موتاهم لينطبق عليهم المثل الشعبى "وهو حى مشتاقا الى بلحة.. ووين مات علقوله عرجون"، جيل حصاد رحلته الوظيفية مرتب تقاعدى لا يكفى الان لشراء أدوية الشيخوخة، فى بلد يحرق فيه السفهاء الآلاف من الدينارات فى الألعاب النارية "خط ولوح"، جيل من حقه علينا ان نكرمه، ومن حق الأجيال القادمة ان تتواصل معه، تلتقى به، تستمع اليه ويستمع اليها، تتبادل معه الخبرة والمعرفة، لانها امتداد له . ورحم الله الشاعر محمد الفيتورى الذى قال:

لن تبصرنا بماق غير ماقينا
لن تعرفنا مالم نخبرك فتعرفنا
وتكاشفنا
أدنى ما فينا
قد يعلونا يا ياقوت
فكن الأدنى ..تكن الأعلى فينا.

المهدى يوسف كاجيجي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
نورالدين خليفة النمر | 17/09/2016 على الساعة 12:40
الصورة المؤتثة
أنا أقرأ بأستمتاع الإضاءات الصحفية الشيّقة التي يبثّها قلم الصحفي المخضرم الأستاذ المهدي كاجيجي متعّه الله بالصحة والعافية … فأنا من قرأ صحيفة الحرّية التي كان يرأس تحريرها مذ كنت في الصف الخامس إبتدائي حتى الثانية إعدادي أي من1966 ــ حتى يناير 1972 عندما سُحبت تراخيص الصحف بقرار محكمة الشعب المشئومة فيما سمّي بهتاناً بقضية إفساد الرأي العام . ياليت الأستاذ المهدي يقدّم لنا صورة حيّة من ذاكرته الخصبة عن صحيفة الحرية، فكرتها، توجهها،صاحب إمتيازها الأستاذ الطشّاني ،اهم من كتب فيها تقريبا الأستاذ عبدالله القويري كان من كتابها، محرري صفحاتها كالصفحة الأدبية التي كان فيما أذكر يشرف عليها الكاتب المرحوم محمد صالح القمودي،كيف كانت الأجواء،كيف كان أسلوب العمل وبعض مفارقته، قصة تحقيقه الشهير عن فزان الذي أثار عاصفة من الردود ،والأصداء السياسية والأجتماعية .. إن التذكير بالأشخاص شيء جميل وعمل عظيم ولكن تأثيتهم في صورة عامة كالصحيفة ،والنادي الرياضي الثقافي،والحركة الكشفية،والحزب السياسي كالأحزاب المعلنة المبكرة والأحزاب والتوجهات السرية .الدراسات العلمية(إن وجدت! ) تكون ميّتة وباردة ،إذا لم تكن
معتوق زبيده | 17/09/2016 على الساعة 05:04
المهدي يوسف كاجيجي الغزال
مقال رائع يضاف إلى سلسه من المقالات القيمه لكاتب مخضرم، انه الوفاء للوطن وللاصدقاء... فهل يتعلم جيل اليوم هدأ النوع من القيم والأخلاق ... وما أحوج شبابنا لهده القيم والأخلاق والوطنيه وخاصه ونحن في هدأ التخبط والانهيار الدي تعيشه بلادنا اليوم... احسنت استادنا الكبير.
إشراق | 16/09/2016 على الساعة 23:22
فخورة بأنك كنت القائد العام
القائد البخاري سالم حودة لن تفيه الكلمات حقه اسأل الله العلي العظيم ان يحفظه
نورالدين السيد الثلثي | 16/09/2016 على الساعة 23:07
وفاء
أحسنت أستاذ المهدي، ولو لم تعط المهندس البخاري كامل حقه، ليس بخلاً منك، حاشى لله، ولكنها مساحة الأسطر. أعرف البخاري منذ كنا مهندسيْن مبتدئين في مصلحة الإذاعة، وتنقّلنا منذ ذلك الحين تزامناً وتعاقباً بين مؤسسات الإعلام والاتصالات والصناعة. البخاري كان ويستمر نعم الصديق الصدوق الكريم الأمين. هو كل ما قلته عنه، أستاذ المهدي، وأكثر. سلم قلمك.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع