مقالات

د. فتحي الفاضلي

"جذور الصراع في ليبيا" (18)

أرشيف الكاتب
2016/09/14 على الساعة 17:47

كتاب جذور الصراع في ليبيا - لفتحي الفاضلي (18)

إتساع دائرة القمع

كان الذين ذكرناهم في الحلقة السابعة عشر تحت عنوان (عمالقة) نماذج لرموز إسلامية دفعتهم ليبيا ثمنا للذود عن سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم. ولم يكونوا هم الثمن الوحيد الذي دفعته ليبيا من أبنائها، بل برز بجانبهم المئات من الرموز الإسلامية ومن أئمة المساجد وآلاف الشباب الإسلامي أعدم منهم من أعدم وبقي منهم في السجن منهم من بقي حتى يومنا هذا.

ونذكر من الذين أعدموا الشهداء عبد القادر اليعقوبي (1/3/1988م) عبدالله حمودة (اعتقل عام 1973 وأعدم شنقا فيما بعد)، حسن الكردي، محمد الترهوني، صالح القصبي، صالح النوال (اعتقل عقب خطاب زوارة في إبريل 1973م واستشهد في أكتوبر 1983 تحت التعذيب)، عبد الله المسلاتي (تم اعتقاله عقب خطاب زوارة)، الشارف الغول (جيولوجي من خريجي جامعة طرابلس، نال شهادة الماجستير من جامعة أوهايو، اعتقل في إبريل 1983م). خليفة ميلاد الكميشي (من مواليد 1953م بالكميشات، مدرس لغة فرنسية تخرج من كلية التربية قسماللغة الفرنسية عام 1977م، قتب بهد اسبوعين من القبض عليه)، عبد الرحمن بيوض (من مواليد طرابلس 1955م أنهى دراسته بكلية الحقوق ببنغازي، اعتقل في 1973م، وأطلق سراحه بعد عام ونصف، ثم ألقي القبض عليه مرة أخرى وقتل بالرصاص)، الشهيد رشيد منصور كعبار (من تلاميذ الشيخ محمد البشتي بقي في السجن أربع سنوات حاولت السلطة خلالهما ودون فائدة أن تحيده عن مبادئه، شنق في 17/4/1984م علنا في ساحة كلية الصيدلة بطرابلس)، الشهيد لطفي أمقيق (ولد في مدينة طرابلس عام 1961م من خريجي معهد مالك بن أنس الديني وطالب بالسنة الأول في كلية الصيدلة، اعتقل لحظة اقتحام مسجد القصر في نوفمبر1980م وهو أحد تلاميذ الشيخ البشتي تعرض للتعذيب وجسمه معلق إلى السقف واستشهد تحت التعذيب يوم الثلاثاء 1/12/1980م وشيعت جنارته يوم الجمعة 4/12/1980م)، الشهيد محمد سعد المنفي والشهيد عبد الرزاق عمر الضراطية (تم شنقهما علنا في مدينة اجدابيا في إبريل 1983م)، الشهيدان محمد ناصر سريس والنمر خالد عيسى (مدرسان فلسطينيان تم شنقهما علنا في مدينة اجدابيا في ابريل 1983م أمام أهاليهما وأطفالهما)، سالم الغالي، فرحات حلب (شنق علنا)، ناجي مصباح، مجموعة من الشباب في ربيع 1983 وربيع 1982م، محمد المجراب (ألقى القبض عليه في مايو 1984م وقتل تحت التعذيب في نوفمبر1990م، أي بعد مرحلة الانفتاح وإطلاق المساجين).

وهكذا ما تمر فترة إلا ويقدم الإسلاميون الضحية تلو الضحية طلبا للشهادة ودفاعا عن عقيدة الإسلام وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. دفع الإسلاميون بهذه النخبة وغيرهم من الرجال والشباب، ومروا بهذه المآسي والآلام دون أن يشير النظام بصورة صريحة إلى حجم المد الإسلامي، بل دون أن يعترف حتى بوجوده أصلا، محاولا بذلك تحجيم المقاومة الإسلامية والتقليل من ِشأنها وحصرها في أفراد قلائل لا يربطهم رابط ولا يجمعهم مبدأ ولا هدف. وفات النظام أن هذا الصراع بينه وبين الإسلاميين كان في حقيقته التربة التي أنجبت الصحوة الإسلامية في ليبيا كما كان هذا الصراع في الواقع إرهاصا للصحوة نفسها وكان الخطوة التي سبقت اكتساح التيار الإسلامي للشارع الليبي.

لقد تربى الناس على جرأة الشيوخ والعلماء والدعاة يدافعون عن السنة المطهرة، رغم تطاول السلطة وافترائها، وتعودت أبصارهم على أعواد المشانق تنصب بأيدي الظلم لقتل المخلصين والمقهورين وصمدوا أمام جميع صور العنف والبطش، ثم لاحظوا استمرار قوافل الشهداء وعدم توقفها برغم العنف والقسوة التي مارستها السلطة ضد الإسلاميين، وأصبح هذا الصراع جزء من حياتهم فاختار الشعب جانب الحق الذي رآه في ظل الإسلام الذي امتدت رقعته وتواصلت مسيرته حتى وصل إلى هذا الانتشار الأفقي الهائل الذي نراه اليوم.

وكان لا بد مع هذا الاتساع أن يتطور الصدام فقامت مجموعة من الشباب الإسلامي، في يوليو 1986م بمدينة بنغازي، باغتيال أحد أعضاء اللجان الثورية المقربين إلى الدولة، وكانت تلك الضربة إيذانا بتحرك رياح الإرهاب ناحية النظام وأعوانه بصفة عامة وناحية اللجان الثورية بصفة خاصة. وكانت هذه أول ضربة غير عفوية تتلقاها اللجان الثورية. واذا علمنا ان اللجان الثورية سلطة عليا في البلاد، وذات صلاحيات غير محدودة تقريبا، لأدركنا أهمية هذه العملية. وكان رد النظام عنيفا كالعادة، حيث أعدم تسعة من الشباب الذين قاموا بتخطيط وتنفيذ عملية الاغتيال، كان ستة منهم من المدنيين (عصام عبد القادر البدري، أحمد محمد الفلاح، علي  البرعصي، محجوب الطاهر السنوسي، سعد خليفة الترهوني، وسامي عبد الله زيدان)  أعدموا شنقا في إحدى الميادين الرياضية في مدينة بنغازي وثلاثة منهم من العسكريين (صالح العبار، علي العشيبي، منير مناع) أعدموا رميا بالرصاص داخل ثكناتهم العسكرية.  وقد تمت عمليات الاعدام في 17 فبراير 1987م. ونقلت أجهزة التليفزيون كالعادة تنفيذ هذه العمليات بما فيها من قسوة وبشاعة إلى كل بيت في ليبيا. وعلقت السلطة على ذالك بقولها "إن هذه دروس مفيدة للشعب".

وارتفعت حرارة المواجهة بين الإسلاميين والسلطة، ففي يناير 1989م جرت حوادث متفرقة بين مجموعة من المصلين ومجموعة من أعوان السلطة التي داهمت احد المساجد في ندينة طرابلس، فأدى هذا التصادم الى مقتل أحد أعوان النظام.  ثم هجم أعوان السلطة بعد أيام قليلة من الحادثة الاولى على مجموعة من الشباب الاسلامي بمسجد آخر بمدينة طرابلس فنتج عن ذلك جرح الكثير من الشباب والقاء القبض على الكثير منهم.

وفي نفس الوقت داهمت قوات مدرعة تابعة للنظام مخيما خاصا للشعب الإسلامي في مدينة اجدابيا (في الفترة من 4 إلى 19 يناير 1989م) كانوا يتدارسون أثناءه مختلف الشؤون الإسلامية.  

ثم امتدت المعارك إثر ذلك إلى مدن مجاورة، منها بنغازي والرجمة ومصراته وبنينة. وانتهت هذه التصادمات باستشهاد عدد من الشباب الإسلامي بعدما استخدمت السلطة المدرعات لهدم البيوت التي تحصنوا فيها، كما فقد النظام عددا من أعوانه. ومن الإسلاميين الذين برزوا في هذه العمليات الشهيد محمد ابراهيم الفقيه خطيب مسجد الصابري الذي قاد بعض العمليات العسكرية ضد القوات الخاصة التي جاءت للقضاء على الإسلاميين.  

أدرك النظام بعد هذه التصادمت أنه لم يعد من السهولة إخفاء حقيقة الصراع وحجم المد الإسلامي، وأحس أن إقناع الشعب بضعف المقاومة الإسلامية واقتصارها على التحركات الفردية أو العفوية أو وصفها بالرجعية أو الدروشة لم يعد أمرا ميسورا. فقد أصبحت المقاومة الإسلامية منظمة ومنتشرة في طول ليبيا وعرضها. لذلك حاول النظام عزل الإسلاميين عن الشارع الليبي فأوعز إلى أعوانه بالقيام بممارسات كفيلة بتنفير الناس من الشباب الإسلامي بصفة خاصة ومن الجماعات الإسلامية بصفة عامة. فأخذوا يكفرون الناس لأتفه الأسباب وقاموا باختلاق الخصومات مع المصلين داخل المساجد حول أتفه الإختلافات الفقهية، كوجوب السدل أو عدم وجوبه، وكالصراع حول استعمال السبحة أو عدم استخدامها، أو تقصير السراويل أو عدم تقصيرها، وطريقة الوقوف ومدى انفراج الرجلين في الصلاة، وغيرها من الأمور التي لا تمس جوهر الدين الإسلامي ولا تمس حقيقة الصراع.

ثم قام النظام إثر ذلك باعتقال آلاف الشباب الإسلامي في أكبر حملة اعتقالات تشهدها ليبيا طوال العشرين عاما من عمر الانقلاب. فقد داهمت السلطة آلاف البيوت والمساجد بحثا عن الإسلاميين. ويقدر عدد الذين اعتقلوا في تلك الحملة بأكثر من خمسة آلاف شاب لا يزال الكثير منهم داخل السجون حتى يومنا هذا.  

وأصدرت السلطة في أكتوبر 1989م. بعد هذه الاعتقالات الضخمة قانونا أطلقت عليه "قانون الزندقة" يجرم كل من ينتمي إلى الحركات الإسلامية كالإخوان المسلمين والتحرير والتبليغ وغيرهم، وأطلقت على أفراد هذه الجماعات لقب الزنادقة. وينص القانون على أن كل من ينتمي إلى تلك الجماعات يعتبر زنديقا لابد من سحقه والقضاء عليه فورا.

وفي حقيقة الأمر فان الزنادقة هم قوم انكروا أحاديث الرسول وانكروا حجية السنة وانكروا انها مصدر من مصادر التشريع. وقد قامت حركة الزندقة لبعض الأسباب أهمها: الصراع بين العرب والموالي في العصر الأموي، وأثره في ظهور الشعوبية في العصر العباسي الأول، وشعور العباسيين بأنهم مدينين للفرس في وصولهم للحكم ومنحهم بالتالي مواقع حساسة في قيادة الدولة، وشعور الفرس بتفوقهم على العرب وانتصارهم عليهم في العصر العباسي الأول، ومحاولة احياء العقائد والمذاهب المجوسية في هذا العصر.

وبهذا ينسدل الستار على آخر جولة رئيسية من جولات الصراع الإسلامي في ليبيا وقد امتلأت سجون الثورة بآلاف الشباب المسلم ظلما وجورا، منتظرين اليوم الذي يتنسمون فيه عبير الحرية، ومنتظرين فرج الله وتحقيق وعده.

هذه هي المراتب الثلاث لحرب النظام ضد الإسلام والإسلاميين في ليبيا. وقد سميناها مراتب بدلا من مراحل لعدم توقف أو ترتب أي منها على الأخرى. وقد يحدث أن تختفي إحدى المراتب ثم تعود بعد فترة من جديد.

فعلى سبيل المثال لا زال الهجوم الإعلامي يتكررشهريا تقريبا. وكلما لاح في الأفق حادثة ما، يلقي العقيد معمر القذافي خطابا طويلا يهاجم فيه الإسلام والإسلاميين، ولا زال العنف يتجدد كل مرة. ولم يكن الأسلوب المتبع خلال هذه المراتب الثلاث أسلوبا يسمح للطرف الآخر بالمناظرة أو الحوار أو الدفاع بل كان من طرف واحد مدعما بآلة إرهاب عنيفة ساعده طول الأمل الذي كان يملأ قلوب الشعب بأن الثورة قد تتراجع يوما ما، ولكنها لم تفعل ذلك حتى بعد مرور عقدين من عمرها.

وإلى اللقاء.. مع الحلقة التاسعة  عشر.. باذن الله.. والحديث عن جوهر الصراع.

د. فتحي الفاضلي

فبراير- 1992م

- راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

* لقد اصدرت الكتاب في فبراير 1992م في ولاية ميزوري، واستطاع بعض الاصدقاء تهريب نسخ منه الى ليبيا، تم تداولها سرا، وعلى رقعة واسعة في ذلك الوقت، وسأنشر الكتاب كما هو. والله ولي التوفيق.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع