مقالات

د. عمارة علي شنبارو

أزمة التمركز حول الذات

أرشيف الكاتب
2016/09/11 على الساعة 15:37

طبيعة النفس البشرية:

الإنسان مجبول بطبعه على حُبِّ ذاته، وحريص على جلب الخير لها، ودفع الضُرعنها، وهذا أمرٌ طبيعي، فقد فطر الله بني آدم على حب النفس، والسعي لتحقيق رفعة شأنها، والبحث عن سبل إسعادها، وعلى توخي السلامة لها، والبعد عن أذيتها، فتلك فِطرَةَ الله التي فطر النَّاس عليها. ويظهر الإفراط في تقدير الذات في مرحلة مبكرة من العمر، وتحديداً عند سن الطفولة، ليمنح الطفل الاعتزاز بالنفس والشعور بأنه ذو قدرة مطلقة من زاوية منظوره. ويسمح التطور الفطري للذات البشرية عبر الزمن بالتحول التدريجي إلى حالة أكثر إتزاناً وواقعية، تعكس مكانة المرء في محيطه الإجتماعي، مما يقلل من سيطرة اعتداده المفرط بالنفس، ويكون العقل حينذاك حاكماً للهوى، وقادراً على تقييم الأمور بميزان الحقيقة المجردة من أي زيف. أما مستوى التطور الغير طبيعي والأقل تكيفاً مع المحيط ، فيؤدي فيما بعد إلى ظهور حب الذات المذموم أوالأنانية المفرطة، وما يصاحبها من مظاهر النرجسية والغرور، والتكبر والتعصب والتعنت، والجشع والرياء، الذي يدفع المرء إلى الإفراط في تعويض ضعف ثقته بنفسه. وحينما يطلق الإنسان العنان لتلك المظاهر السلبية لتوجه شخصيته ولتتحكم في علاقته بالغير، فإنه يصبح ولعاً بإشباع غرائزه، وبإرضاء ميوله الذاتية ونَزَعاته النرجسية، حتى وإنْ كان ذلك على حساب حقوق ومصالح الآخرين. 

الإنكفاء على الذات:

الشخص الأناني المغرور المتكبر يكون لديه عادةً الشعورالغامر بمركزية الذات، وهوس بالإنكفاء حول سماته الشخصية، ويذهب به التغطرس حد الاعتقاد بأن العالم مهتماً به، وأن الكون يدور حول ذاته الفردية، بدلاً من أن يدور حول الشمس. فيصبح مشغولاً يفكر في ذاته، معجباً بها، ويضعها من حيث الأهمية على سلم أولوياته، ويعمل جاهداً من أجل أن تتضخم، بل أنْ تصبح أعظم من الكل، ويهمه أنْ يلبي ملذات ورغبات تلك الذات، بأي وسيلةٍ وبأي مقابلٍ كان. تلك النظرة الذاتية يختفي عندها الكل، وتبقى صورة الذات وحدها، فيها يتناسى الإنسان غيره ويتجاهل الجميع، ولا يمانع في التضحية بذاك الكل من أجل ذاته. وإنْ أحَبَ وهَوَى فيكون من أجل ذاته، ويصبح محبوبه مجرد خادم لغرائزه وشهواته، ولا يمانع أنْ يتخلى عن ذاك الحب إذا ما اصطدم برغبات نفسه، وبهذا فأنَّ العلاقات البشرية غالباً ما تتهاوي وتسقط في بحر النسيان، إذا ما اختلفت مع نرجسية الذات. وليس من العيب أنْ يحب المرء ذاته، من حيث اهتمامه بمصيرها الآني والأبدي، والعمل على تجنيبها خزي الدنيا، ونجاتها من عذاب الآخرة حينما تقف بين يدي الله، لتجزى حِسَاباً عادلاً عن أعمالها يوم القيامة، يقول الله تعالى :(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)[1]. وتعكس تزكية النفس الحب الحقيقي للذات، الذي يطهرها من أثامها، وينقيها من خطاياها، ويعوضها عن نقائصها، ويلبسها ثوباً من السمو والعفة.

أزمة الذات في المشهد الليبي:

برزت ظاهرة حب الذات المفرط بالمجتمع الليبي منذ فترة العهد السابق، ونمت وازدادت شراستها، وتفاقمت أثارها السلبية في السنوات القليلة الماضية. فالظروف الصعبة والقاسية التي مر بها الشعب الليبي، وإخضاعه لممارسات استبدادية قاهرة، وتعرضه لشتى أنواع الظلم والاضطهاد، ومروره بأزمات معيشية حادة، مَكّنَ من تنامي ظاهرة الأنانية المفرطة بين أفراده وجماعاته، وذاعت بذلك مقولة " اخطى راسي وقص"، وبرزت مفاهيم الهيمنة والاستغلال والنهم وحب التفرد، وشاعت ثقافة الجشع والاستحواذ والغنيمة، وتفشت المحسوبية والمحاباة، وتحققت المصالح الشخصية على حساب حقوق العامة. كل ذلك في واقع الحال، ألحق الضرر بنسيج المجتمع، وأسهم في إنفصام عرى التلاحم والتعاضد بين مختلف مكوناته، وساعد على تفكك تماسكه الاجتماعي، وأضعف صموده وتأزره حيال قضايا الوطن، وأنهك قدرته على مجابهة التحديات، وحد من المحافظة على مقدراته، وسار بالدولة نحو الضعف والهوان. ولعل الآثار الناجمة عن تلك الظاهرة لا تتعلق بالفرد نفسه، ولا بمحيطه محدود النطاق، بل تمتد لتشكل وباء يكاد يتفشى في المجتمع بطريقة مثيرة، وتظهر علامات الإصابة بذاك الوباء من خلال التصرفات والسلوكيات الاجتماعية السيئة، وما ترتب عليها من تولد للحقد والكراهية، ونشوب للنزاعات بين أبناء الوطن، ومنع وصول الحقوق لأصحابها، وانتشار للمفاسد والرذائل والفتن، وباتت تلك الممارسات الشائنة عائقاً أمام تقدم المجتمع ونهوضه.

والمتابع لكل ما تمر به ليبيا حالياً من أحداث سياسية وما نتج عنها من أزمات اقتصادية ونزاعات مسلحة، يجد أنَّ جزءاً مما يحدث كان بسبب أزمة التمركز حول الذات، وما رافقها من أنانية وتكبر وتعنت وجشع وغرور. فالتجاذبات والمناكفات السياسة الحاصلة مردها في الحقيقة لأزمة الثقة، ولوجود حالة من التعنت والكِبر والإقصاء، تعيشها وتمارسها كل أطراف الصراع، إعتقاداً من كل طرف أنه على صواب، وأنه الاجدر والاقدرعلى قيادة ليبيا، وإنَّ الوضع الراهن يقتضي منه إقصاء خصومه من المشهد، وعدم التنازل عن ثوابته التي يؤمن بها، المتغلغلة في مكنون ذاته، من أجل ألا ينتصر أعداءه عليه. ثم إنَّ الدعوات الجهوية والقبلية القائمة، هي في واقع الأمر، ظاهرة جماعية لحب الذات ولأنانية الفئة، وتكريس للتعصب ولهيمنة الجماعة على حساب مصلحة المجتمع ككل، وقد أسهمت تلك الدعوات بصورة ملموسة في زيادة حدة الصراع، وفي تكريس لمفاهيم الانقسام والتباعد. أيضا فإن ظاهرة "التدافع" على تولي المناصب السيادية بالدولة التي نشهدها اليوم، دون مراعاة لجسامة المسئولية وثقل الأمانة، وفي غياب لمعايير الكفاءة والنزاهة، هي في واقع الحال بسبب الإنكفاء حول الذات، وتجسيد بشع للأنانية والنرجسية والنفعية وحب التسلط. والأصل يكمن في إنَّ طالب الولاية لا يولى، ومن حرص على منصب من مناصب الدنيا لا يُعطى له، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنْ أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإنْ أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) [3]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنا والله لا نولى على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه) [4].

كيف الخروج؟

إنَّ الخروج من أزمة التمركز حول الذات التي يعيشها العديد من أفراد الشعب الليبي، يقتضي من الجميع:

1- تكريس مفهوم نكران الذات عوضاً عن حب الذات، بأنْ يحرص المرء على حب الغير مثلما يحب ذاته، ويسعى لخدمة مصالح الناس مثلما يقدم لنفسه، ويعترف بعجزه أو أخطاءه دون أن يُحَمّلهَا للآخرين. عن أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)[5]. 

2- إشاعة روح الإيثار بين الناس، بأنْ يفضّل المرء غيره على نفسه، وينسحب من المشهد ليترك المجال للآخر، ويضحي بذاته من أجل حماية الغير، يقول الله تعالى: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[6].

3- ضرورة المثابرة، أفراد وجماعات ومؤسسات، على غرس شعور الإيثار ونكران الذات، وبعث المفاهيم النبيلة في نفوس النشأ، وتعزيزها بشكل متجذّر في عقول عامة الناس. وأن تُبذل الجهود لبناء الفرد والعناية بمنظومة القيم الإنسانية، حتى يصبح حب الناس بديلاً لحب الذات المفرط.

4- استنفار كافة الجهود من أجل معالجة كل الانحرافات السلوكية، ومقاومة التوجهات الفكرية الخاطئة، بصورة جادة وبمنهجية صائبة، على صعيد البيت والمسجد والمؤسسات التعليمية والنوادي الاجتماعية، وعلى مستوى هيئات الدولة التنفيذية والسيادية، واستئصال ذاك الوباء وصولاً لتأمين التعايش السلمي بين أفراد وكيانات المجتمع.

5- العمل على أرساء القانون وفرضه، فذلك يساهم بصورة فعّالة في لجم مطامع النفس، ويحد من شراستها، ويقيد غزائزها، ويضعف من تمركزها حول ذاتها، ويعزز قيام الأمن والاستقرار وإحلال السلام، ويساعد على نهوض الوطن من كبوته.

حفظ الله ليبيا

د. عمارة علي شنبارو

الهوامش:

[1] سورة الشمس/ الآيات 7-8-9
[2] رواه البخاري
[3] رواه البخاري
[4] متفق عليه
[5] متفق عليه
[6] سورة الحشر/ آية 9

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
د. عمارة علي شنبارو | 14/09/2016 على الساعة 18:28
توضيح
القرآن الكريم لم يأتي اطلاقاً مخالفاً لما جاء به العلم. بل أنه نزل آمراً بضرورة الأخذ بأسباب العلم. فكانت الكلمة. وكانت " أقرأ" أول ما نُزّل من القرآن على سيد الخلق. و قد برزت مؤخراً اجتهادات العلماء في مجال الإعجاز العلمي في القرآن. الذي أثبت وجود التناسق والتناغم والتوافق بين ما جاء به القرآن منذ 14 قرناً وما تم ويتم اكتشافه من حقائق علمية حديثة. أيضا فإن الاستشهاد بآيات الذكر الحكيم لا يضعف من المعانى في شيء. إذا ما كانت معززة لها وفي سياق واحد معها ولا يوجد تناقض بينها. ثم أن مراقبة الإنسان لشئون ذاته. والعمل على محاسبة نفسه وتزكيتها والبعد بها عن المعاصي. وحرصه على إرضاء خالقه ومخافة عقابه. من الأمور الأساسية في عقيدة المسلم التي حث عليها القرآن الكريم. ولا ينبغي لمسلم الاستهزاء بها أو وضعها خارج سياقها.
مشارك | 13/09/2016 على الساعة 20:48
تعليق
ان خلط مفاهيم علمية بآيات قرآنية يقلل كثيرا من قيمة المقال. فالمفاهيم العلمية مبنية على المشاهدة و الاستنتاج و وضع الفرضيات و تجربتها بغرض تفسير الظاهرة بشكل يسمح بالتنبؤ بالظاهرة أو تغييرها الى الافضل ان امكن، اما القرآن فهو نص يعبر عن فكرة يعتقد بها البعض و لا يعتقد بها البعض الآخر، و بين من يعتقد بها هناك من يعتقد بشكل حقيقي و من يدعي الاعتقاد، و بين من يعتقد بشكل حقيقي هناك من يعتقد و يطبق و هناك من لا يطبق الخ و كلهم لا يوجد عندهم دليل ملموس. و في نفس سياق موضوع الدين، لفت انتباهي ما كتب في المقال في تعريف الانانية المرضية كالآتي "يذهب به التغطرس حد الاعتقاد بأن العالم مهتماً به، وأن الكون يدور حول ذاته الفردية، بدلاً من أن يدور حول الشمس." اليس الانسان عندما يقيس من حياته و يقوم باسقاط قياسه على الطبيعة (مثلا انا انسان اصنع الاشياء اذا لا بد ان هناك من صنعني) اليس هذا الانسان يمارس نوعا من الانكفاء على الذات؟ اليس الانسان الذي يتخيل ان هناك كائن يراقب حركاته و سكناته و سره و علنه، ليكافئه او يعاقبه، و هو كائن غير مرئي، اليس هذا انسان منكفئ مريض مصاب بالأوهام و البارانويا؟
ممتعض | 11/09/2016 على الساعة 17:39
أزمة مفاهيم .. تفضي إلى خلط المصطلحات وارباك المعاني
ليست الأنانية تمركزاً حول الذات بل إقرار بانتفاء الذات باختزالها في بعض منها معبراً عنه بضمير المتكلم .. أنا .. ويهدف عادة إلى اعلان التميز والتفوق لتبرير نزعة التملك مجسدة في آليتي الاستحواذ والتسلط ، وذلك على حساب نزعتي السمو والاجتماع ، والأنانية ليست حباً للذات بل هي إقرار غبي بالعجز عن حب الذات الذي ينتج بديهيا العجز عن حب الآخر والقبول به ، هذا المفهوم ما يفترض أن نستقيه من قصة الخلق في القرآن فإبليس لم يكتف باختزال ذاته في .. النار .. بل رأى آدم مختزلاً في .. الطين .. وكانت تلك هي الشجرة التي أكل آدم منها ليفقد الفردوس ، وفي تضحية أبي الأنبياء باإبنه لتأكيد إيمانه بمبدإ التوحيد الذي أصبح بسببه أبا الأنبياء ، تلك التضحية من أجل ذلك المبدأ السامي هي الطريق لاستعادة فردوسنا المفقود ... والواقع أننا في حاجة إلى نحسن قراءة ديننا .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع