مقالات

صلاح الحداد

الحشاشون في ليبيا: "هل نترك الدلاع يعوم في وسط البحر؟"

أرشيف الكاتب
2023/03/08 على الساعة 10:45

يُقال بأن وجهة زعيم الحشاشين الأولى "حسن الصبَّاح" كانت نحو ليبيا بعد هروبه بمركب صيد من مصر، لكن مركبه غرق في عرض البحر واستطاع السباحة  ناجيا بجلده إلى سواحل حيفا. اختار الحشاش الصبَّاح  ليبيا كملجأ بادئ الأمر، لأنها مقر الحكم العبيدي  الشيعي. بيد أن ليبيا لم تكن بحاجة إلى حشاش مثله؛ لكي ينشر الحشيش فيها، فقد عُرف عن سكان ليبيا تاريخيا أنهم أول من اخترع وتعاطى الحشيش في العالم. 

حسنا، يوجد في العالم اليوم نحو 1.6 مليار من معتنقي دين يقوم على "تعاليم" رجل يُدعى محمد، ادعى أنه نبي الله. لكن كيف يبرر المسلمون دعوته بنبي الله لنحو 1400 سنة؟. من الواضح أن هذا الادعاء لم يكن مبنيًا على أدلة إثباتية قوية، بل على شيء يُسمى الإيمان. إذن، ما هو الإيمان؟.

قد ننظر إلى الإيمان على أنه نظام عقائدي (أيديولوجي) مستمد من التكرار المستمر، والتقليد، والامتثال، والتلقين، والتصديق بالغيب أو بما وراء الطبيعة، كاليوم الآخر والملائكة والجن والجنة والنار بما في ذلك المعجزات والمخاريق. وعلى هذا الأساس، لم يقبل محمد بالأعراب الذين أعلنوا إيمانهم، كما في سورة الحجرات آية (14)؛ لأن الإيمان أخص من الإسلام كما ذهب جمهور المفسرين. ووفقا لهذا المنطق، نجد أن غالبية الناس يقرون بالإسلام على مر القرون؛ لأنهم وجدوا أسلافهم يمارسون نفس الشعائر، من جهة، ويؤمنون بعالم الغيب من جهة أخرى، ذلكم العالم الذي لا تدركه الأبصار ولا تثبته التجارب والأدلة. الإسلام بهذا المعنى هو نظام أيديولوجي يلزم المؤمنين الاعتقاد بالشيء دون قيام دليل على صحته. 

لكن ما علاقة كل هذا بالحشيش والحشاشين؟. فعلا، إنه لسؤال وجيه. لكن دعونا نبدأ من البداية...

ربما يكون الليبيون من أوائل الأمم التي اخترعت الحشيش بتعاطيهم لشجرة اللوتس أو اللوتوفاج، التي تذهب العقل. كان أول من ذكر قصتهم الشاعر الإغريقي هوميروس في ملحمة الأوديسة، التي تعد ثاني أقدم عمل ملحمي بعد الإلياذة، ألفت على الأرجح مع نهاية القرن الثامن قبل الميلاد. ثم أكد هيرودوت في تاريخه موقعها الجغرافي الحقيقي، حينما قال: إن آكلي شجرة اللوتس هم سكان ليبيا الغربية، ذلك لأن تيهان قبطان السفينة أوديسيوس في البحر المتوسط بحلول اليوم التاسع من الرحلة لا يجعل من سفينته تشرد أكثر من حوض سرت أو بعده بقليل. وحسب إشارة هيرودوت، فأنها تقع قريبا من أرض المكاي إلى الغرب من قبيلة النسامونيس، التي تنتهي عند نهر كينيبس أو وادي كعام.

وأيا كان الأمر، يذكر هوميروس في الأوديسة أن أوديسيوس وطاقمه، أجبروا على النزوح إلى بلاد أكلة اللوتس بعد دفعهم بعيدًا عن مسارهم، بسبب عاصفة أثناء رحلة العودة إلى إيثاكا، دبرها وصنعها إله البحر الليبي بوسيدون. بعد وصوله إلى اليابسة، أرسل القبطان أوديسيوس ثلاثة كشافة للعثور على أي أثر لسكان يقطنون هذه الجزيرة الصغيرة  الساحرة، وبمجرد نزولهم سرعان ما قابلوا أكلة اللوتس. لم يتأخر سكان تلك الجزيرة من الكرماء الليبيين دعوة ضيوفهم إلى مأدبة عشاء فخمة، فيها ما لذ وطاب من الطعام، بعد أن شاهدوا الإعياء باديا على وجوه البحارة. بالطبع، قدم الليبيون للضيوف طعامهم المفضل تعبيرا عن حسن الضيافة، وهو زهرة اللوتس المحلية. لم يتأخر الضيوف الجياع في مد أيديهم لتناول هذه الفاكهة اللذيذة. ومع بدايات عزف الموسيقى، استلذ هؤلاء البحارة الفاكهة الليبية العجيبة واستطعموها كأحلى فاكهة يذوقونها في حياتهم، بيد أنهم قد شعروا بأن شيئا غريبا ينتابهم. لقد أصيبوا بالدوار وبدأت العصافير تحلق فوق رؤوسهم، ثم لم يلبثوا أن بدأوا في الطيران يلاحقون الطيور عاليا في السماء. إنه شعور غير عادي، تحليق في السماء وخفة في الحركة ورعشة في الروح والعقل معا. ياه... طاب لهم المقام في تلكم الجزيرة الليبية، وقرروا عدم العودة إلى السفينة مستأنسين  بكرم ضيافة الليبيين وبحسن مذاق الفاكهة وسحر تأثيرها.  وعندما تباطأ أوديسيوس عودتهم، ذهب ليبحث عنهم بنفسه؛ فوجدهم في حال من الخُدر والسكر والنسيان. طلب منهم الرحيل والعودة، لكنهم أبوا وأصروا على البقاء. اضطر بعدها إلى سحب رجاله بالقوة وهم يبكون، ثم قيدهم في أماكنهم على السفينة بين بقية المجدفين وواصل المسيرة. كانت رغبة البحّارة هي أن يبقوا هناك مع سكّان الجزيرة يأكلون من فاكهتهم اللذيذة، متناسين الوطن وهمومه وقضاياه. 

عندما نتأمّل في تفاصيل القصّة، يمكن لنا أن نفترض أن اللوتس هو نبات مُخدّر موطنه شمال إفريقية، استعمله إلى جانب الليبيين قدماء المصريين لخصائصه ذات التأثير الساحر العقلي الرهيب. وقد يكون هو خشخاش الأفيون، الذي لا يزال يُزرع حتى اليوم لخصائصه المخدرة القوية. ومهما يكن من أمر، فإن ما يهمنا هنا هو المعنى الذي يكمن في أن على البطل الإغريقي، أي أوديسيوس، أن لا يستسلم للمتع عديمة القيمة إذا ما أراد أن يستمرّ في نضاله الطويل من أجل الوصول إلى هدفه النهائي الوطن وتحقيق الحرية لشعبه. بمعنى آخر لم ينخدع عقل أوديسيوس بظلال الجنّة الزائفة ووهم الإيمان بالعوالم الخيالية غير المرئية، لتيقنه أن الجنّة الحقيقية ليست في أكل شجرة اللوتس على الجزيرة الليبية، إنما في مرماه النهائي الوطن إيثاكا. وفيما فضل الإغريق نعمة العقل والصحو والتيقظ ومقاومة الإغراءات والمليهات الذاهبة للعقل، فضَّل الليبيون الغيابَ عن العقل واللامبالاة بالعالم المادي وبحقيقة الأشياء وماهيتها، وإيثار الراحة والمتعة والعيش في حياة حالمة، تقوم على الاستسلام للوهم استسلاما كاملا.

الدين باعتباره حشيشا

وباعتبار الإيمان أحد أهم المفاهيم المخدرة للعقل، إذ لا يتطلب منك سوى إغماض عينيك، فإن التحكم في إنتاج التصورات أمر أساسي في السيطرة على المجتمع. ربما يكون الإسلام "كنظام ثقافي/Cultural System" هو المصدر الرئيسي لإنتاج التصورات في الثقافة العربية، بحسبانه مصنعا ضخما يصنع المعاني وينتجها؛ ليعطي المؤمنين الانطباع بأن تصوراتهم عن الواقع بُعيد إعادة تمثيلها هي الحقيقة المطلقة. في هذا السياق، ووفقًا لصورة الله المتخيلة في القرآن مثل ما جاء في (البقرة:28-29، الأنعام: 1-73، الأعراف:54، الأنبياء: 30-33)، فإن الله هو خالق الكون وكل ما فيه، بقوة وعلم وإرادة مطلقة. وبسبب هذا الوصف المنسوب إلى الله، خلق القرآنُ مجموعةً كاملة من التصورات للمؤمنين، التي تعيد تقديم طريق للهداية والخلاص والفوز. لذلك، ركَّز القرآنُ بشكل مكثف على الإدراك الحسي، كما في هذه الآيات (23:78، 41:22، 10:31، 16:78، 32: 9، 46:26، 76: 2)؛ ذلك لأنه الشاشةَ/النافذة التي من خلالها ينظر البشرُ إلى الكون ويفهمون حقيقة عالمهم. فعلى سبيل المثال:

{إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ} البقرة:164.

يُعدّ هذا المقطع واحدا من العديد من الآيات، التي يدعو القرآنُ فيها أولئك الذين يستخدمون  مجازا عقولهم، إلى جانب حواسهم الخمس، لرؤية عجائب الطبيعة ومراقبتها والتأمل فيها كدليل على براعة الخالق. من الملاحظ هنا استخدام القرآن في هذه الآيات وغيرها عجائب الكون لسحر عقول الناس حتى تمتلئ قلوبهم بالرهبة والخضوع والإذعان لسلطان الله، والهدف هو تكوين تصور للعالم يمكن أن يعيد تمثيل "الواقع/Reality" لخدمة الإيمان. ومن ناحية أخرى، يمكن للقرآن أيضًا أن يُظهر كيف يُغيّر اللهُ "حقيقة الأشياء"، حتى يراها الناسُ بشكل مختلف تماما. على سبيل المثال: {كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُون}الأنعام: 108.

وفقًا للإمام الفخر الرازي (المتوفى 1210م)، فإن الله في الواقع يُجمِّل الأشياءَ القبيحةَ حتى يراها الناسُ جميلة. ونتيجة لتغيير/ تشويه "حقيقة" الأشياء، يصبح غيرُ المؤمن مخدوعًا ويعتقد أن الكفر هو الإيمان والحقيقة. يقول في تفسيره لهذه الآية: " ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل، ولا قول ولا حركة ولا سكون، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرا وجهلا، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانا وعلما وصدقا وحقا، فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل" (الرازي، 1999، 13: 111).

إن المصدر (تزيين/ تجميل) في اللغة العربية مشتق من الفعل (زيَّن)، أي "زخرف/ جمَّل"، وهو يعني في القرآن أمرين: الأول: ما هو مزخرف، وهو يشمل الثياب والحلي ونحوهما، والثاني هو تحسين الأشياء وتجميلها. اللافت هنا هو أن جميع القواميس العربية تقريبًا تتفق على أن المعنى الأصلي للكلمة هو تغيير طبيعة الأشياء من حالة إلى أخرى، سواء كانت متعلقة بالبشر أو بالأفكار والمعتقدات والتصورات (ابن فارس، 1979، 3:41، الأزهري، 2001، 13: 175 وابن منظور، 1993، 13: 201 والزبيدي، 1965-2001، 35: 161-4).

ولكن السؤال هو: لماذا وكيف يغير الله طبيعة الأشياء؟. قد تساعدنا محاولة الإجابة عن هذا السؤال في فهم سبب أهمية التصوراتperceptions في حياة البشر، حيث يبدو أنها تعمل على تكوين وتشكيل كل ما نفكر فيه ونعرفه ونؤمن به. وبما أن "التصور (perception) هو عملية أو نشاط يقوم من خلاله المُدرِك باكتساب المعرفة بالأشياء في العالم." (Maund، 2003:20)، فإن دور الثقافة (التي يعتبر الدين أهم أركانها) هو تشكيل مثل هذه التصورات من خلال إعطاء معنى للأشياء، حتى نتمكن من فهم العالم. في هذا السياق، يذكر القرآنُ أن أول ما فعله "الله" بآدم في جنة عدن هو أن يعلمه جميع أسماء الأشياء ومعانيها في العالم كما في هذه السورة:

(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) البقرة: 31-33.

وبحسب العلامة والمؤرخ والمفسر الفارسي الأصل، الإمام الطبري (ت 923م)، فقد "قال ابن عباس: علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة، وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها." (الطبري، 2001، 1: 482). 

ما تقترحه السطور أعلاه هو ما يلي: (أ) التصور ليس نافذة شفافة على العالم تسمح لنا برؤية العالم كما هو بالفعل. بدلاً من ذلك، يتم ترميز التصور عبر عملية تمثيل مخداع للعالم يصنعها العقل البشري؛ (ب) تتم صناعة التصورات مبدئيا من المعلومات، وهذه المعلومات يبنيها الدماغ ثم تبرمج نتيجة هذه المعلومات في عقولنا، التي بدورها تعزلنا عن "الواقع" الحقيقي؛ (ج) تتحول هذه التصوراتُ المصنوعة إلى عقيدة وأيديولوجية ووهم تغرسها البيئة التعليمية والثقافية. خلاصة القول، إذا كان بإمكاني استخدام استعارة "سطح المكتب" لهوفمان، فإن محتويات التصور تشبه الرموز الموجودة على سطح مكتب الكمبيوتر: مجموعة من الاستعارات المرئية التي تسّهل عمل المرء من خلال توضيح الخصائص البارزة للملفات والتطبيقات، ولكنها لا تصور هذه الملفات والتطبيقات كما هي بالفعل (Hoffman: 2020:vi). لتبسيط هذا، دعونا نأخذ العين البشرية كمثال. نظرًا لأن العين هي المصدر الرئيسي لاستقاء معلوماتنا عن العالم، فإن الصور التي تعكسها لنا لا تمثل "الواقع" المرئي كما هو. فوفقًا لمؤلف كتاب الذكاء المرئي: الإدراك والصورة والتلاعب في الاتصال المرئي...

ما تسجله أعيننا ليس صورة للواقع كما هو. بدلاً من ذلك، تجمع أدمغتنا المعلومات من أعيننا مع البيانات من الحواس الأخرى وتقوم بتوليفها معتمدة على تجربتنا السابقة؛ لتعطينا صورة قابلة للتطبيق لعالمنا ... لتوضيح كيف نرى، ميز عالم النفس الإدراكي جيبسون بين الصورة التي تظهر على شبكية العين، والتي أسماها "المجال البصري" والخلق الذهني الذي يُؤلف "عالمنا البصري". حيث يتم إنشاء المجال البصري من خلال سقوط الضوء على أعيننا. ومع ذلك، يفسر العالم المرئي أنماط الضوء هذه على أنها "الواقع". العالم المرئي، إذن، هو تفسير للواقع وليس للواقع نفسه (Barry, 1997:15)

من هذا المنظور، من الأهمية بمكان فهم عملية إعطاء معنى للأشياء التي تستدعي، ليس فقط التصورات، ولكن أيضًا إعادة التمثيل، حيث يتداخل المفهومان. بمعنى آخر، التصور هو إعادة التمثيل Re-presentation وإعادة التمثيل هو التصور، ذلك بسبب علاقتهما بالمعنى، لأن كلا منهما يتغذي على المعنى وعملية إنتاجه. فحسب العالم البريطاني هول، فإن 

التفكير والشعور هما في حد ذاته نظام تمثيل، حيث تمثل مفاهيمنا وصورنا وعواطفنا في حياتنا العقلية، أشياء موجودة أو قد تكون موجودة في العالم ... تعمل اللغات من خلال إعادة التمثيل لتجهيز ما نريد قوله والتعبير عنه أو توصيل فكرة أو مفهوم أو شعور. [لذلك] فإن ممارسات إعادة التمثيل هي تجسيد للمفاهيم والأفكار والعواطف بشكل رمزي يمكن نقلها وتفسيرها بشكل مفيد. يجب أن يدخل المعنى في مجال هذه الممارسات، فهو ينتشر بشكل فعال داخل الثقافة. ولا يمكن اعتباره قد أكمل مروره حول الدائرة الثقافية حتى يتم فك شفرته أو تلقيه بشكل واضح. (2003: 4-10)

دعونا الآن نقم باستعارة تشبيه "قفص العصافير" من العالمة الأمريكية مارلين فراي. حسنا، لنفترض أنك تقف بالقرب من قفص للعصافير، وتضغط على وجهك بقوة ضد الأسلاك. ما سيختفي أولاً هو تصورك للأسلاك، مما يتركك أمام منظر شبه خالٍ من العوائق للطائر. الآن، إذا أدرتَ رأسَك لتفحص أحد أسلاك القفص عن كثب، فلن تتمكن من رؤية الأسلاك الأخرى. إذن فإذا كان فهمك للقفص مبنيًا على وجهة النظر هذه، فقد لا تفهم لماذا لا يلتف الطائرُ حول السلك ويطير بعيدًا. قد تفترض،والحال هذه، أن الطائر اختار بنفسه البقاء في القفص. ومع ذلك، من خلال التراجع خطوتين عن القفص وإلقاء نظرة أوسع، ستبدأ حينها في رؤية أن الطائر لا يمكنه في الواقع الهروب من القفص؛ لأن الأسلاك تتجمع في نمط متشابك - وهو نمط يعمل على حبس الطائر في مكانه (Frye, 1983:5)

لقد تم استخدام رمزية "قفص العصافير" هذه في العديد من الثقافات البشرية. إنه رمز منتشر ثقافيًا بشكل ملحوظ يمكن من خلاله رسم العديد من المقارنات عبر الثقافات والتاريخية. ومع ذلك، فإن تركيزنا هنا هو في المقام الأول كيفية استخدامنا لقفص الطيور في المجتمع لإعادة تمثيل "الواقع". للوهلة الأولى، لم يكن المشاهدُ قادرًا على رؤية "واقع" الطائر بسبب الأوهام التصورية، التي أبعدته عن رؤية القضبان. وإلى أن يتمكن المشاهد بطريقة ما من فصل نفسه، جسديًا وعقليًا، فمن المحتمل أن يستمر المشاهد في افتراض أن الطائر اختار في الواقع أن يكون في القفص. الأسر إذن اختيار. هذه هي الطريقة التي تعمل بها فكرة إعادة التمثيل، من حيث إنها تخفي القضبان والجدران المحيطة بنا، لذلك نعتقد أننا أحرار. هذا المفهوم المتناقض لـ "التفكير المزدوج" أو Doublethink قد أوضحه الروائي جورج أورويل في روايته 1984. ففي الشعار الرسمي الثاني لشعب "أوشانيا" الذي يقول: "الحرية هي العبودية"، فإن مفاد هذه الرسالة هي أن الحزب الحاكم يحيط المجتمع علما بأن أي شخص يصبح مستقلاً عن تصورات المجتمع محكوم عليه بالاستعباد. وبما أن الشعار قابل لأن نعكسه مثل: إذا كانت "الحرية هي العبودية"، فإن "العبودية هي الحرية"، يمكن فهم أن رسالة الحزب هنا رسالة مفادها أن أولئك الذين هم على استعداد لإخضاع أنفسهم للإرادة الجماعية أو إرادة المجتمع، والتي هي بحكم تعريفها إرادة الحزب، سيتم تحريرهم من العبودية. على هذا النحو، تحدد تصورات المجتمع الوهمية ما هو جيد ومقبول ومرغوب ومحرم ومكروه. لقد عاش شعب "أوشانيا" (وخاصة الطبقة العاملة) بسهولة وسعادة مع تناقضات صارخة ومستمرة في حياتهم، لكنهم كانوا مؤمنين حقًا بهذه الشعارات المتضاربة؛ لأن الوظائف التي يؤدونها تجعل من واقعهم يبدو "حقيقيا". 

بناء على ما تقدم: هل نرى العالم كما هو عليه حقا أم أننا نعيش في بالونة داخل بالونة؟. 

من وجهة نظر تجريبية بحتة، فإن "الواقع" هو أي شيء يمكننا إدراكه باستخدام واحد أو أكثر من الحواس الخمس: الذوق والشم واللمس والسمع والبصر. ومع ذلك، يؤكد بعض المفكرين، بما في ذلك الفلاسفة والفيزيائيين، أن هذا ليس هو الحال بالضرورة. من هؤلاء العلماء الفيزيائي النظري ديفيد بوم David Bohm الذي يقول:

الواقع هو ما نعتبره صحيحًا. ما نعتبره صحيحًا هو ما نؤمن به. ما نؤمن به يعتمد على تصوراتنا. ما نتصوره يعتمد على ما نبحث عنه. ما نبحث عنه يعتمد على ما نفكر فيه. ما نفكر فيه يعتمد على ما نتصوره. ما نتصوره يحدد ما نؤمن به. ما نؤمن به يحدد ما نعتبره صحيحًا. ما نعتبره صحيحا هو واقعنا. (Parrish, 2006:42) 

في كتابه الأخير يوضح دونالد هوفمان، الذي أمضى العقود الثلاثة الماضية في دراسة التصورات، أن البشر لا يرون في حقيقة الأمر أو يستشعرون "الواقع"، ولكن فقط واجهة "الواقع". يسمي هذا المنظور "نظرية الواجهة في الإدراك- ITP". "إذا كانت حواسنا لا تخبرنا عن الحقيقة شيئا بشأن الواقع الموضوعي"، يسأل هوفمان، "فكيف تبقينا على قيد الحياة". (Hoffman, 2020: xii)  ولجعل هذه الفكرة أكثر وضوحًا، أخذ المؤلف تشبيهًا بسطح مكتب الكمبيوتر، حيث يشير إلى أن رؤية رمز مستطيل أزرق في الزاوية اليمنى السفلية من سطح مكتب الكمبيوتر الخاص بك، لا يعني بتاتا أن الملف نفسه أزرق ومستطيل وموجود في الركن الأيمن السفلي من جهاز الكمبيوتر الخاص بك.  وهكذا يؤكد هوفمان أنه باستخدام نظرية التطور الداروينية، فإن الغرض من واجهة سطح المكتب ليس إظهار "واقع" الكمبيوتر الحقيقي- حيث الدوائر الكهربائية والفولتات المغناطيسية إلخ من المواد المتناهية الصغر والمعقدة. بدلاً من ذلك، فإن الغرض من الواجهة هو إخفاء "الواقع" وإظهار رسومات بسيطة تساعدك على تنفيذ مهام مفيدة مثل صياغة رسائل البريد الإلكتروني وتحرير الصور. إذا كان عليك فهم عمل وتركيبة الفولتات واللوحات النحاسية والخيوط الكهربائية حتى تتمكن من كتابة بريد إلكتروني، فلن يسمع أصدقاؤك أبدًا منك. هذا ما فعله التطور، لقد وهبنا الحواسَ التي تخفي الواقع وتعرض الرموز البسيطة التي نحتاجها للبقاء على قيد الحياة لفترة كافية لإنجاب الأبناء (المرجع نفسه، 12)

إذا كانت الحجج المذكورة أعلاه صحيحة، فإن ما يجعل نظرتنا للعالم هو مجرد تجربة تصورية وهمية مطبوعة على أعضائنا الحسية. لكن هل هذا يعني أننا محكومون بتدفق المعلومات إلى أذهاننا؟. إذا كان الأمر كذلك، فهل هذا يعني أننا لا نرى العالم كما هو بالفعل؟. ماذا يعني كل هذا وما علاقة ذلك بإعادة التمثيل أو التزيين القرآني؟ والأهم من ذلك، لماذا يبدو أن إنتاج المعلومات وإضافة المعنى والتحكم فيه هو ساحة المعركة لأي مجتمع معين؟. من ينتج المعلومات ومن يستطيع الوصول إليها والتحكم فيها؟. 

نظرًا لأن المعلومات (التي يتم من خلالها إدراك العالم من حولنا وتفسيره) تبدو مركزية لفهم"الواقع"، فإن نظرية التزيين تهتم أيضًا بـ "الواقع" لأنها تهدف بطريقة ما إلى تقديم الأشياء/الأحداث في العالم، من خلال التلاعب بالمعلومات/ المعنى إلى درجة لا يمكن تمييزها عن "الواقع الحقيقي". تحاول نظرية التزيين في المبدأ الأول أن تشير إلى أنه لا يمكننا أبدًا معرفة ما إذا كان ما نراه في صورة أو ما نقرأه في كتاب أو نشاهده على شاشة لوحية أو صحيفة ليس "حقيقة". فمن خلال إعطاء معنى للأشياء سواء في الجوهر أو التأثير، يحاول التزيين إعطاء المشاهد انطباعًا برؤية المعنى الفعلي والحقيقي للحدث. تحدث هذه العملية المعقدة بمجرد أن يتم إثبات معنى معين ليصبح المعنى الحقيقي الوحيد للحدث، إلى الحد الذي لا يمكنك فيه رؤية أي شيء آخر. وباختصار شديد، فإن "الواقع" الذي نراه أو الذي يقدمه لنا القرآن هو عملية بناء معقدة يتم من خلالها صناعة المعنى من المعلومات المختلقة والمفبركة وتلبيسه في شكل تصورات ومعتقدات وإيمان. 

إن الإسلام، كأي دين آخر، وبحسب المفكر إنجلز، "ليس سوى انعكاس خيالي وهمي في أذهان البشر لتلك القوى الخارجية التي تتحكم في حياتهم اليومية."(Thompson & Bocock, 1985:16)  من هذا المنظور جادل ماركس وإنجلز بأن الدين، من منظور اجتماعي، هو تمثيل خيالي يقلب الواقع  ويحجبه ثم يزخرفه بهدف العمل كمصدر عزاء وتعويض للمحرومين والمستغَلين، وبالنسبة لأولئك الذين يستغلون هذه العلاقات أو يستفيدون منها، فإنه يخدم وظيفة المساعدة في الحفاظ على سيطرتهم الاجتماعية (المرجع نفسه: 9). وفي سياق الأيديولوجيا نفسه، فإن الإسلام هو ماكينة تهدف إلى ضمان السيطرة على البشر بتصنيع وإنتاج وتصدير الوهم. وعلى الرغم من أن الأيديولوجيا لها العديد من التعريفات، إلا أن التعريف الأكثر شيوعًا وقبولًا، وفقًا لإيجلتون، هو عملية إنتاج المعاني والتصورات في الحياة... [بعبارة أخرى، الأيديولوجيا هي ما] لها علاقة بإضفاء الشرعية على قوة جماعة أو طبقة اجتماعية مهيمنة... أو الطرق التي يخدم بها المعنى للحفاظ على علاقات الهيمنة في المجتمع". (إيغلتون، 1991: 1-5)

في ضوء التعريف أعلاه، يمكن النظر إلى الدين بما في ذلك الإسلام، على أنه نظام أيديولوجي يهدف إلى خدمة الطبقة الحاكمة (السادة) من خلال التحكم في إنتاج المعنى والتلاعب به. هنا، يمكن اعتبار نقطة أخرى مركزية لنظرية إعادة التزيين القرآني، وهي أنه نظرًا لأن الدين أيديولوجية، فإن هدفها النهائي هو تشويه "الواقع" وزخرفته من أجل التلاعب بالعقول البشرية. يشرح إيغلتون المراحل المهمة التي تمر بها آلية الأيديولوجيا...

(1) الأيديولوجيا هي نظام تزيين يتحكم في المجتمعات البشرية، تحديدا في علاقة الأفراد بالمهام التي يحددها هيكل المجتمع ككل، (2) وبالتالي فإن نظام التزيين هذا ليس نظامًا للمعرفة. على العكس من ذلك، فإن نظام التزيين الوهمي ضروري للذوات العطشى. (3) في المجتمع الطبقي، تكتسب الأيديولوجيا وظيفة تكميلية تتمثل في إبقاء الأفراد في المكان الذي تحدده الهيمنة الطبقية، (4) وبالتالي فإن المبدأ الذي يمكنه تقويض مثل هذه الهيمنة ينتمي إلى نقيض الأيديولوجيا، أي العلم والمعرفة القائمة على الدليل والبرهان. (إيغلتون، 1994: 146)

يمضي مؤلف كتاب الأيديولوجيا في توضيح ما يربط نظام الأيديولوجيا بالتزيين والأوهام والاستغلال في المجتمعات المضللة: الأيديولوجيا، في المجتمعات البشرية، هي تمثيل مشوه للواقع، لكنها بالضرورة خاطئة؛ لأنها متوائمة ومغرضة - وهي مغرضة لأن هدفها ليس إعطاء البشر معرفة موضوعية بالنظام القائم، الذي يعيشون فيه، ولكن على العكس من ذلك، لمنحهم تمثيلًا محيرًا ومشوشا لهذا الواقع، وذلك من أجل إبقائهم في "مكانهم" في نظام الاستغلال والوهم.

لا شك -بناء على ما فات- أن جرعات الحشيش الإسلامي، الذي يتعاطيه الليبيون منذ غزوة عمرو بن العاص هي أكثر فاعلية وسكرا من شجرة اللوتس قبل نحو 3000 عام، بدليل أن أحد الليبيين صرَّح قبل فترة وجيزة على قناة فرانس 24 في برنامج وجها لوجه: "هل نترك الدلاع يعوم في وسط البحر؟".

صلاح الحداد

* أصل هذه المقالة كان "دردشة" حملت نفس العنوان في غرفتنا المسماة بـ(الرُّكابة) على منصة كلوبهاوس، التي تذاع أسبوعيا للجمهور الليبي. 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع