مقالات

خالد العيساوي

الحقيقة... وهمٌ أم حقيقة؟ (1)

أرشيف الكاتب
2023/01/19 على الساعة 16:13

بعيدا عن آراء الفلاسفة وأقوالهم عن الحقيقة، وتناولا لهذا المفهومِ من منظور جماهيري غير معقد، فإن الحقيقة في نظر الكثيرين هي ما وافق الواقع أو توافق مع العقل، وبهذا المفهوم البدائي فإن الحقيقة إما أن تكون شيئا محسوسا بغض النظر عن جماله أو قبحه، أو شيئا ذهنيا يتطابق مع قانون العقل ولا يتضارب مع قواعد المنطق، وهذا الكلام قد يقترب كثيرا من رأي الفيلسوف الفرنسي لالاند الذي جعل للحقيقة خمس دلالات هي: الحقيقة هي خاصية كل حق، الحقيقة هي القضية الصادقة، الحقيقة هي ما تمت البرهنة عليه، الحقيقة هي شهادة الشاهد الذي يتكلم عما رآه أو ما سمعه، الحقيقة هي الواقع... نقول هذا وقد زعمنا بادئ الأمر أننا سنبتعد عن رأي الفلاسفة ما أمكننا ذلك.

المشكلة في رأينا لا تكمن في الحقيقة المحسوسة الخاضعة للحواس الخمس، وإن كانت هذه الحواس في كثير من الأحيان خداعة، فالماء الذي تراه العين عن بعد قد يتضح أنه سراب، والبرد الذي يشعر به المريض بالحمى هو حرارة في حقيقة الأمر، والأنف الذي لا يشم بسبب الزكام لا يدل على أن الشيء غير موجود أو أن رائحة ما لا تنبعث منه... فالحواس هنا تخدع صاحبها، لكن الحقيقة التي ترتكز في وجودها على الحواس عادة ما تكون حقيقة فعلا من حيث كونها موجودة وماثلة في الواقع.

المشكلة تكمن في رأينا في ذلك الشيء الذي يسمى حقيقةً بسبب ادعاء أنه حق في جوهره، أو بسبب زعم أنه قضية صادقة، أو بالاستناد على حجج المنطق والبرهان لنعته بأنه حقيقة، ذلك أن الأداة الوحيدة التي يمكن لها أن توصلنا إلى هكذا أحكام هي العقل، والعقل آلة معقدة التركيب، تختلف طرائقه في الوصف والاستدلال والبرهنة والحكم على الأشياء بالاستناد إلى معطيات كثيرة غير متناهية ولا محدودة، بل لعلها كثيرة كثرة البشر أنفسهم، ولذلك اختلف الناس في الحكم على الأشياء، فاختلفت لديهم القيم والمفاهيم والمبادئ، بل اختلفت نظرتهم حتى إلى الجمال والقبح، والخير والشر، والعدل والظلم، واختلفت نظرتهم حتى إلى فلسفة الوجود والعدم.

ما لا يريد الكثير من الناس الاعترافَ به، مع أنه قد يمثل حقيقة ناصعة، وهم الذين يتحدثون عن الحقيقة دائما، هو أن الحقيقة لن يكون لها وجود مطلق محسوس ومحسوم ومتفق عليه لسببين اثنين:

> الأول: لأن الآلية التي تحكم على الشيء بأنه حقيقة أو وهمٌ، وهي العقل، آلية تعمل بطرائق مختلفة بين البشر، فما يراه بعضهم حقيقة لا يراه غيرهم كذلك، وما يبرهن على وجوده أو حسنه بعض الناس، قد يبرهن على عدم وجوده أو على قبحه فريق من الناس آخر، فلكل عقله، ولكل وجهة نظره، ولكل منطلقاته التي ينطلق منها، وكثيرا ما كنت أضرب هذا المثال لبعض الناس: تصور أنك تجلس في حجرة ما، فإن الباب بالنسبة إليك مخرج، لكنه بالنسبة للقادم من هناك مدخل، وتصور أن شخصا يجلس قبالتك، فإن هذا الشيء الذي يقع بينكما إذا ما وقع على يمينك فهو بالضرورة واقع على شماله، والعكس صحيح، ومن هنا فإن زعم نعت الشيء بأنه حقيقة مطلقة بناء على وجهة النظر هذه أو تلك إنما هو وصف متعنت ومصادر بل ومتنمر، ولعله من الأفضل في مثل هذه الحالات ألا تكون الحقيقة، إن كانت حقيقة، ألا تكون مطلقة بل نسبية.

> الثاني: لأن هذه الآلة التي نطلق من خلالها أحكامنا على الأشياء بأنها حقيقة أو وهم إنما هي آلة قاصرة لا ترقى إلى المستوى الذي يمكنها من إطلاق أحكام باتة على الأشياء، فهي علاوة على تقلبها بحسب الأزمان والأحداث، مجعولة لتمكن صاحبها، وهو الإنسان، للعيش في هذه الحياة الدنيا والتكيف مع طبيعتها، وليست صالحة للتعامل مع أشياء فوق طاقتها وقدرتها، إنها، أي آلة العقل، كسيارة صممت لبيئة صحراوية، لا تصلح للعمل في القطب الشمالي، أو كسيارة صممت لبيئة ثلجية، لا تصلح للعمل في بيئة صحراوية، فلا الجمل يقدر على الحياة في ألاسكا، ولا البطريق يقدر على الحياة في صحراء الربع الخالي... لا زلت أتذكر ذلك الشاب الذي اشترى جهاز تكييف من ماليزيا، وعندما عاد به إلى بلاده تفاجأ بأن لا وجود للجزء الذي يعمل على التسخين فيه، وقد نسي أن جهاز التكييف في ماليزيا يعمل على التبريد فقط، فما الحاجة إلى الجزء الخاص بالتسخين في بلد استوائي، هكذا هو العقل البشري، أداة تكون صالحة إذا استخدمت فيما خلقت من أجله، أما إذا أريد استخدامها فيما هو أبعد من ذلك صارت قاصرة عاجزة، ومن الأشياء التي هي أبعد من ذلك (الحقيقة) بمفهومها المطلق الواسع، ولذلك يقع الإنسان في ربكة وهو يفكر في موضوعات مثل الوجود والعدم، والغاية والسبب... وما إلى ذلك، وذلك لأنها في كثير من جوانبها، مفاهيم أكبر من العقل نفسه، ناهيك عن آليات العقل المتنوعة بتنوع البشر أنفسهم.

إن مشكلة العقل البشري في رأينا تكمن في أن قدرته على طرح الأسئلة أكبر بكثير من قدرته على إيجاد إجابات لها، وإذا ما وجد إجابة ما تولدت عن هذه الإجابة الواحدة أسئلة متعددة، ليظل يركض وراءها وهي بعيدة عنه، إن الحقيقة في رأينا دونها حجاب ساتر اسمه الموت، فمن أراد معرفة الحقيقة فعليه أن يموت أولا.

خالد العيساوي 

مدريد، الأحد 25 سبتمبر 2022

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع