مقالات

جمال صالح الهنيد

التفريط في ‏مدح النبي عليه الصلاة والسلام

أرشيف الكاتب
2023/01/19 على الساعة 16:16

‏لمّا نشرتُ أمس المقال المعنوّن "هل في قصيدة البردة أبيات شركية؟" على حائطي في فيسبوك، علّق أحدالأصدقاء معترضًا: "القصيدة بالغت في مدح الرسول (عليه الصلاة والسلام): وهو القائل لا تطروني كماطرت النصارى عيسي ابن مريم.... القصيدة جعلت النبي يعلم الغيب وعلم اللوح". والبيت الذي يشير إليه الصديق هو:

"فإن من جودك الدنيا وضرتها

 ومن علومك علم اللوح والقلم"

وأكرر إجابتي هنا لأهمية الموضوع،  فلقد أجاب العلماء أن العرب في أشعارهم اعتادوا على ذكر اختلافالضمائر في البيت الواحد في القصيدة، وذات الشيء ورد في القرآن الكريم فتجد في الآية الواحدةضمير على النبي وضمير آخر على الله عزَّ وجلَّ كما في قوله جلَّ وعلا: {إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرةً وأصيلًا}... 

فتداخلت الضمائر في الآية: فالحديث كان للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله "إنا أرسلناك شاهدًاومبشرًا ونذيرًا" ثم انتقل الحديث إلى المؤمنين في قوله "لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه" ثم انتقلالضمير الغائب إلى الله في قوله: "وسبحوه بكرةً وأصيلًا". فنسبح الله وليس الرسول. فكان في الآيةضمير عائد على الرسول صلى الله عليه وسلم وضمير عائد على الله في نفس الآية. 

‏تجد تداخل الضمائر أيضًا في قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلىالمسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير".

 فلفظ الضمير الغائب في "أسرى بعبده" يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ الضمير الغائب في"باركنا حوله" يعود إلى المسجد الأقصى،  ولفظ الضمير الغائب في "لنريه" يعود على النبي صلى اللهعليه وسلم،  ولفظ الضمير الغائب في قوله" إنه هو السميع البصير" يعود على الله سبحانه وتعالى،وباختلاف الضمائر في آية واحدة في كتاب الله، لم ير أهل الفهم وأهل اللغة شركًا في بيت البوصيري:

"فإن من جودك الدنيا وضرتها

 ومن علومك علم اللوح والقلمِ"

فعجز البيت ليس خطابًا للنبي عليه الصلاة والسلام بل لله تعالى، وحملوه على أحسن المحامل وأحسنالنوايا، وهكذا أصحاب النوايا الحسنة الذين يحسنون الظن بالمسلمين، فإذا كان هناك معنىً واحدًايحتمل أنْ ليس فيه شرك بالله وهناك 99 معنى فيها شرك بالله، أخذوا بالمعنى الذي ليس فيه شرك بالله،ورعًا وخوفًا من اتهام مسلم بالكفر أو التبديع. 

أما في هذا المقال سأرد على التعليق الذي نهي الرسول صلى الله عليه وسلم على إطرائه، فحرف الكاففي اللغة يفيد التشبيه أي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إطرائه كما أطرت النصارى سيدناالمسيح ابن مريم عليه السلام. 

فهل بالغ النصارى في إطراء صدق سيدنا عيسى عليه السلام وحسن خلقه، وتواضعه، وكرمه، وأمانتهوشجاعته وبرّه بأمه؟

 الجواب: لا ثم لا ثم لا ثم لا ثم لا ثم لا! إنما بالغ النصارى في رفع مكانة المسيح إلى مرتبة الألوهية فقالواإنه الله وإنه ابن الله. 

‏فأهل اللغة العربية والدارسون لجميع علومها يعرفون أن التشبيه هنا مخصص بعدم إطراء الرسول صلىالله عليه وسلم كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم عليه السلام، ويعرفون أن النهي ليس مطلقًا"، فمدحالرسول بما فيه من فضائل، أمرٌ محمودُ وهو من أجلِّ القربات، ولقد دلّنا على ذلك رب العالمين الذي أطراهومدحه، ونال النبي صلى الله عليه وسلم من الله شرفًا  وإطراءً ومدحًا لم ينله نبي غيره، أقرأ كيف أطراهالله تعالى:

‏زكّى عقله فقال: "ما ضلَّ صاحبكم وما غوى"

وزكّى لسانه فقال: "وما ينطق عن الهوى"

وزكّى شرعه فقال: "أن هو الا وحي يوحى"

وزكّى جليسه فقال: "علمه شديد القوى"

وزكّى فؤاده فقال: "ما كذب الفؤاد ما رأى"

وزكّى بصره فقال: "ما زاغ البصر وما طغى"

وزكّى بيته فقال: "إنما يريد الله ليُذهب عنكم  الرجس أهلَ البيت ويُطهركم تطهيرًا"

 وزكّى أمته فقال: "كنتم خير أُمةٍ أُخرجت للناس …"

 وزكّاه كله فقال: "وإنك لعلي خلق عظيم".

‏ويكفيه صلى الله عليه وسلم ثلاث آيات من القرآن الكريم فيها إطراء الله له:

 "وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم" و"إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلمواتسليمًا" و"وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين". 

‏فهل هناك مخلوق غيره من الإنس أو الجن أو الملائكة أطراه الله بإطراء كهذا الإطراء؟ والإجابة: كلاّ.

فالنهي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو نهيٌ مقيد وليس على إطلاقه، نهىٌ يفيد عدم إطرائهبرفع مرتبته إلى مرتبة الألوهية كما فعل النصارى للمسيح عليه السلام، ولو كان النهي مطلقًا لقالالرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني" وسكت! ولكن تشبيه ذاك الإطراء بإطراء النصارى للمسيحيقيده بما فعل النصارى للمسيح عليه السلام، وهو رفع مقامه إلى مرتبة الألوهية، فيجب ألاّ نرفع سيدنامحمد في الإطراء إلى تلك المرتبة. 

‏ولو كان النهي مطلقًا، أي لو قال: "لا تطروني" وسكت، لكنتُ أول من سيلتزم بعدم إطرائه وعدم مدحهوعدم حضور مجلس يُمدح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بقصائد، وسأخرج من ذاك المجلس فيالحال كما يفعل من فهم هذا الحديث فهم غريبًا وشاذًا. 

‏هل فينا نحن المسلمون من قال أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو ابن الله؟ الجواب: لا! ومحال أن يحدثذلك!

لم يحدث في حياته عليه الصلاة والسلام ، ولن يحدث بعد مماته فلا يوهمك المكفّرون والمبدّعون للناسوالناهون عن مدح النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك سيحدث! لن يحدث ولن يحدث أبدًا!

والسبب في أنه لن يحدث لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا الله أن لا يجعل قبره وثنًا يُعبد من بعده،ولن يُعبد لأننا نقول في كل آذان أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، ولن يُعبد لأننا نقول في التشهد في نهاية كلصلاة: "وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله"، فرسخ في عقولنا منذ أن كنا صبيانًا إلى ساعة احتضارنا أنَّمحمدًا عبده الله ورسوله، ولن نطروه كما أطرت النصارى المسيح عليه السلام، لأننا نعرف إنه مات عليهالصلاة والسلام، وإنه مدفون في قبره، ‏ولأننا نزور قبره ليس لعبادته إنما حبًا فيه عليه الصلاة والسلام.

‏أما أن نبيّن انه أفضل خلق الله قاطبةً، ونبيّن ذلك في مقالات وخطب، ونمدحه في قصائده نذكر فيهاكراماته وشمائله وفضائله وخُلُقه فذاك أمرٌ محمود،  وبذكر هذا كله نتعرّف عليه ويتعرّف أطفالنا عليه كماتعرفنا عليه ونحن أطفال، وأن نحبه وأن نطيعه، وكما يقال: "إن المحبَ لمن يحب مطيعُ".

 فتجنّب أيها المادح إطراء النبي بصفات الربوبية والألوهية ولا تعتقد فيه ما اعتقدت النصارى في المسيحعليه السلام، ومهما قلت في غير ذلك من إطراء ومديح فنبينا أعلى وأعظم وأفضل من أي مدح مدحه به أوسيمدحه به المادحون. 

‏هذا هو مفهوم الإطراء عندي وهذا هو مفهوم حرف (الكاف) في قوله صلى الله عليه وآله وسلم وسلم: "لاتطروني كما أطرت النصارى ابن مريم".

جمال صالح الهنيد

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع